الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانياً:
رأي الإسلام في الإلزام الأخلاقي:
خلق الله الإنسان ووضع النظام الأخلاقي وهو الذي يعلم الظاهر والباطن والسر والعلن {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى} 1، وهو يراقب الناس في سلوكهم وأعمالهم {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد} 2، وأنه يسجل كل شيء {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} 3، {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} 4، {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} 5، {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} 6.
وجعل الإسلام سلطة الجماعة ملزمة في الدرجة الثانية وبناء على ذلك اعتبر المجتمع مسئولاً عن انحراف الأفراد؛ لأن فساد بعض الأفراد قد يؤدي إلى فساد المجتمع كله يوماً ما، ولهذا قال تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} 7؛ ولهذا أمر الجماعة بعقاب المنحرفين {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} 8 وبالإضافة إلى العقوبة السابقة أم بإسقاط قيمتهم الأدبية فلا تقبل شهادتهم ولا يوثق بكلامهم {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} 9.
ولهذا قرر مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واعتبر القيام بذلك من عزائم الأمور {يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} 10.
1 الأعلى: 7.
2 الفجر: 14.
3 يس: 12.
4 آل عمران: 76.
5 الأعراف: 85.
6 النحل: 105.
7 الأنفال: 25.
8 النور: 2.
9 النور: 4.
10 لقمان: 17.
إن إعطاء سلطة الإلزام للجماعة من الأهمية بمكان، ذلك أن من الناس من يكون وازعهم الإيماني ضعيفاً فلا يخافون من الله خوفهم من الناس، فلو أنهم تركوا وشأنهم لبثوا الفساد في المجتمع، ثم إن هذا الإلزام محسوس مادي يناسب جميع الناس، وإن كان السلوك الأخلاقي الذي يتم تحت سلطان إلزام الجماعة أقل قيمة من السلوك الذي يتم بدافع الإيمان بالله تعالى، ومهما يكن من أمر فمن الأهمية بمكان أن تطبق الجماعة قوانينها، ومسئولية الجماعة عن انحراف الأفراد ترجع في أساسها إلى عدم إنكارها السلوك المنحرف مع إمكان إنكارها إذ إن هذا إن دل على شيء فإنما يدل رضاها لوقوعه، ولهذا متى زاد الفساد في المجتمع فإن الله ينزل عليه البلاء الذي يعم الفاسدين وغير الفاسدين والعصاة وغير العصاة؛ لأن غير العصاة يعدون عصاة؛ لأنهم رضوا بالفساد والعصيان وإن كان مقدار مسئوليتهم أقل من مسئولية أولئك.
وإلى جانب اعتداد الإسلام بالجماعة مصدراً للإلزام الأخلاقي يعتد أيضاً بالعقل والإدراك؛ لأن الإنسان عندما يدرك -عادة- أن عاقبة فعله ستكون أليمة فإنه يتجنبه وإذا كانت سارة فإنه يفعله. كذلك إذا رأى خيراً من سلوك التزم به أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك فإنه يتركه، ولما كانت الأخلاق وسيلة الخير في الدنيا والآخرة في حين أن التجرد منها وسيلة لشر، فإن العاقل يلتزم بها عقلا؛ ولهذا سيقول أهل النار يوم القيامة {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} 1.
1 الملك: 10.
ومن مصادر الإلزام في رأي الإسلام الضمير الخلقي؛ لأن الإسلام -كما بينا- فيه حاسة أخلاقية يميز بها ما هو حسن وجميل من سلوك مما هو قبيح وضار، ومن ثم تطمئن النفس إلى السلوك الجميل وتقشعر من السلوك القبيح، ومن ثم يدفعه إلى الالتزام بالأول والابتعاد عن الثاني مصداق ذلك قول الرسول:"البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس" 1، وقال تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} 2، {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} 3.
ثم يعتد الإسلام أخيراً بالدوافع النفعية عاملاً من عوامل الإلزام والالتزام بالقيم الأخلاقية؛ لأن الإنسان بطبيعته يحب الخير والنفع لنفسه والبد منه لحاجته الأساسية إليه، ومن هنا يشوق الناس إلى الأعمال الصالحات ويعدهم بالمكافآت الجزيلة عليها في الدنيا والآخرة وينذر المسيئين من عاقبة سيئاتهم {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} 4، {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} 5، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} 6، وهكذا نجد كثيراً من النصوص التي تستميل القلوب وتدفعها إلى الأخلاق الطيبة، وسوف نذكر مزيداً منها في موضوع الجزاء الأخلاقي.
1 مسند الإمام أحمد جـ 4 ص 228، صحيح مسلم جـ 4. ك 45. ح15.
2 ق: 37.
3 الزمر: 23.
4 الجاثية: 21.
5 الحج: 50.
6 النور: 55.
ومن هذا كله نتبين أن الإسلام لا يكتفي بعامل واحد للإلزام بل يستخدم عوامل متعددة، وهذا أمر يناسب سيكولوجية الفروق الفردية بين الناس، نظراً إلى أن هؤلاء ليسوا سواء في درجة التأثر بتلك الدوافع إلى السلوك ولما لم تكن الأعمال الأخلاقية كلها في مستوى واحد من القيمة، ولما كانت قيمة الشيء تعد أحد الدوافع للالتزام به فمن الواجب أن نبحث هنا عن مجالات الالتزام الأخلاقي ودرجاته.