الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خصائص الالزام الأخلاقي في الإسلام
مدخل
…
رابعاً: خصائص الإلزام الأخلاقي في الإسلام:
ويمتاز الإلزام الأخلاقي في الإسلام بخصائص هامة لا توجد بمثل هذا الوضوح في الفلسفات الأخلاقية الأخرى وهي:
1-
الإلزام بقدر الاستطاعة:
إن الإسلام قد راعى استطاعة الإنسان في إلزامه بالقوانين الأخلاقية، ولهذا لم يكلفه فوق طاقته {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا} 1، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم} 2، وهذا المبدأ كما تقتضيه الأخلاق السليمة تقتضيه كذلك العدالة الإلهية، إذ لا يمكن أن تكون الأخلاق صالحة للتطبيق إلا بهذا الشرط، وليس من العدالة كذلك تكليف المرء ما لا يطيق، بل هو ظلم والله تعالى قد وصف نفسه بالعدالة ونفى عن نفسه الظلم {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة} 3، {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} 4، {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} 5.
1 البقرة: 286.
2 التغابن: 16.
3 النساء: 40.
4 يونس: 44.
5 الأنعام: 115.
2-
سهولة التطبيق:
وليست الأخلاق الإسلامية متوافقة مع قدرات الناس واستطاعتهم فحسب بل إنها أسهل مما يطيقونه {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} 1، {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} 2.
نرى من هاتين الآيتين أن الله لم يعفنا فقط مما لا طاقة لنا به بل أعفانا مما نطيقه بشق الأنفس؛ لأنه تعالى لم يضع نظامه لنا ليحرجنا ويضعنا في عسر وضيق من الحياة، بل أراد هدايتنا وتيسير السبل أمامنا للوصول إلى حياة سعيدة {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} 3، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ
1 البقرة: 184.
2 البقرة: 286.
3 الحج: 78.
الْعُسْر} 1، وكان الله قادراً أن يكلفنا فوق طاقتنا ولكنه لم يفعل2 ذلك رحمة بخلقه؛ لأنه لم ينزل رسالاته إلا رحمة للعالمين {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} 3.
وهنا تظهر حكمة الله البالغة في وضعه النظام بهذه الصورة، إذ إنه لو كلفنا بما نطيقه بشق الأنفس لما أمكن مسايرته إلى الأبد، فلدوام نظام معين في الحياة العملية وليبقى صالحاً زماناً ومكاناً لا ينبغي أن يستنفد تطبيقه طاقة الإنسان كلها؛ لأن بذل آخر الطاقة بصفة مستمرة لا بد من أن يؤدي إلى الإرهاق والحياة لا تطاق بإرهاق مستمر، ومن ثم فلا بد من أن يبوء مثل ذلك النظام بالفشل. وهنا تظهر ميزة رسالة الإسلام من هذه الناحية على الرسالات السابقة حيث إنه لم تأتِ بقوانين استثنائية قاهرة كعقاب إلهي، على الأمة كلها كما حدث في الرسالات السابقة التي تحدث عنها القرآن {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} 4، وقال أيضاً:{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} 5، وقال أيضاً:{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} 6، ونقول: إن الإصر وتشديد الأحكام في
1 البقرة: 185.
2 La Morale Du Koran Dr. M.A.Draz p.31.
3 الأنبياء: 107.
4 البقرة: 286.
5 الأعراف: 156-157.
6 النساء: 160.