المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ مراعاة قوانين الطبيعة والحياة: - علم الأخلاق الإسلامية

[مقداد يالجن]

فهرس الكتاب

- ‌مِقْداد يالجن

- ‌الفكر التربوي عند مقداد يالجن

- ‌مقدمة

- ‌مقدمة عامة للموسوعة

- ‌مدخل

- ‌أهداف تعليم الأخلاق

- ‌مدخل

- ‌ أهمية الأخلاق:

- ‌التربية الأخلاقية

- ‌أهمية التربية الأخلاقية:

- ‌أهمية النظام الأخلاقي الإسلامي

- ‌المنهج وتطبيقه

- ‌مدخل

- ‌ أن تكون البداية من الإسلام

- ‌ أن نفهم موضوعات الفلسفة الإسلامية بالفلسفة الإسلامية نفسها، وتحقيق هذه النقطة يتطلب ثلاثة أمور:

- ‌ أن نحدد موقفنا من دراسات السابقين باتخاذها وسيلة من وسائل الفهم والتقويم

- ‌ أن يكون هدفنا الأساسي هو معالجة المشكلات الفلسفية المتصلة بحياتنا الراهنة

- ‌أن نميز السنة التشريعة من السنة غير التشريعة عند معالجتنا

- ‌ التحقق من صدق النصوص الإسلامية التي نعتمد عليها في تقرير الأفكار

- ‌التطبيق

- ‌الباب الأول: علم الأخلاق الإسلامية مفهومة، غايته، مجالاته، مدى ضرورته في نظر الإسلام

- ‌الفصل الأول: تحديد مفهوم علم الأخلاق الإسلامية

- ‌مدخل

- ‌تحديد مفهوم كلمة العلم

- ‌مدخل

- ‌أقسام العلوم وموقع علم الأخلاق منها

- ‌ مفهوم كلمة الأخلاق

- ‌ مفهوم علم الأخلاق الإسلامية:

- ‌الفصل الثاني: غاية الأخلاق

- ‌الاتجاهات العامة في غاية الأخلاق

- ‌مدخل

- ‌ الاتجاه الروحي:

- ‌ الاتجاه العقلي

- ‌ الاتجاه المادي:

- ‌ اتجاه الإسلام في غاية الأخلاق:

- ‌الفصل الثالث: مجالات الأخلاق

- ‌مدخل

- ‌ الاتجاهات العامة في مجالات الأخلاق:

- ‌ مجالات الأخلاق في الإسلام:

- ‌الفصل الرابع: مدى ضرورة الأخلاق للحياة الإنسانية

- ‌مدخل

- ‌ مدى علمية الأخلاق

- ‌مكانة الأخلاق وأهميتها لدى العلماء

- ‌ مدى ضرورة الأخلاق ومكانتها في نظر الإسلام:

- ‌الباب الثاني: أسس الأخلاق في نظر الإسلام

- ‌الفصل الأول: الأساس الغيبي والاعتقادي

- ‌أركان الأساس الاعتقادي

- ‌الركن الأول

- ‌الركن الثاني

- ‌ الركن الثالث:

- ‌ أهمية الأساس الاعتقادي

- ‌الفصل الثاني: الأساس الواقعي والعلمي

- ‌أساس الاعتدال بين الواقعية والمثالية

- ‌ مراعاة قوانين الطبيعة والحياة:

- ‌الفصل الثالث: مراعاة الطبيعة الإنسانية

- ‌مدخل

- ‌ رأي العلماء في الطبيعة الإنسانية:

- ‌رأي الإسلام في الطبيعة الإنسانية

- ‌مدخل

- ‌بطلان نظرية داروين علميا:

- ‌ صلة الطبيعة الإنسانية بالأخلاق

- ‌الفصل الرابع: الاعتداد بالحرية الأخلاقية

- ‌مدخل

- ‌الاتجاهات الفكرية والفلسفية في حرية الإنسان

- ‌الاتجاه الجبري

- ‌ اتجاه حرية الإرادة:

- ‌ اتجاه الوسط بين الاتجاهين السابقين:

- ‌رأي الإسلام في حرية الإنسان والحرية الأخلاقية

- ‌مدخل

- ‌الدرجة الأولى جبرية مطلقة:

- ‌الدرجة الثانية جبرية طبيعية:

- ‌الدرجة الثالثة جبرية القوانين الأخلاقية

- ‌خلاصة الدراسة:

- ‌الفصل الخامس: تقرير مبدأ الإلزام والالتزام الأخلاقي

- ‌مدخل

- ‌ الاتجاهات المختلفة في الإلزام الأخلاقي:

- ‌ رأي الإسلام في الإلزام الأخلاقي:

- ‌ مجالات الالتزام الأخلاقي ودرجاته:

- ‌خصائص الالزام الأخلاقي في الإسلام

- ‌مدخل

- ‌ الإلزام بقدر الاستطاعة:

- ‌ سهولة التطبيق:

- ‌ مراعاة الحالات الاستثنائية:

- ‌ قوة الإلزام:

- ‌الفصل السادس: تأكيد المسئولية الأخلاقية

- ‌مدخل

- ‌ تحديد مفهوم المسئولية الأخلاقية

- ‌ مجال المسئولية وأقسامها وأبعادها

- ‌ أبعاد قياس المسئولية الأخلاقية:

- ‌ أقسام المسئولية بحسب جزاءاتها:

- ‌الفصل السابع: إثبات الجزاء الأخلاقي

- ‌مدخل

- ‌أنواع الجزاء الأخلاقي في الإسلام

- ‌مدخل

- ‌ الجزاء الإلهي:

- ‌ الجزاء الوجداني:

- ‌ الجزاء الطبيعي:

- ‌ الجزاء الاجتماعي:

- ‌ خصائص الجزاءات الأخلاقية الإسلامية

- ‌الباب الثالث: القيم الأخلاقية ومعاييرها في الإسلام

- ‌الفصل الأول: المعايير الأخلاقية

- ‌مدخل

- ‌الاتجاهات الفكرية في المعايير الأخلاقية

- ‌مدخل

- ‌الاتجاه الأول: الاتجاه الخارجي:

- ‌الاتجاه الثاني: الاتجاه الداخلي الباطني:

- ‌المعايير الأخلاقية في الإسلام

- ‌مدخل

- ‌ المعايير الأخلاقية الموضوعية:

- ‌ المعايير الأخلاقية الذاتية أو الداخلية:

- ‌وجهة نظر الإسلام:

- ‌ خلاصة المعايير الأخلاقية الإسلامية

- ‌الفصل الثاني: حقيقة القيم الأخلاقية

- ‌مدخل

- ‌تحديد القيمة الأخلاقية خارج إطار الإسلام

- ‌مدخل

- ‌ الاتجاه الطبيعي:

- ‌ اتجاه الطبيعة النفسية الفاعلة:

- ‌ الاتجاه العقلي أو فاعلية الفكر الفردي:

- ‌ الاتجاه الواقعي:

- ‌ اشتراك الذات الفاعلة مع الواقع الراهن

- ‌تصنيف القيم:

- ‌ تحديد القيمة الأخلاقية في إطار الإسلام:

- ‌أهمية القيم الأخلاقية في الحياة العملية

- ‌الأولى: المعرفة والإبداع والاختراع وإتقان العمل

- ‌الثانية: توجيه الذات الإنسانية وتوحيدها:

- ‌الثالثة: اكتساب تنمية القيمة الإنسانية:

- ‌الرابعة: القيمة المادية:

- ‌الخامسة: القيمة المعنوية:

- ‌الفصل الثالث: القيم الأخلاقية بين الفرد والمجتمع

- ‌أهم الاتجاهات الفلسفية والاجتماعية في الموضوع

- ‌ اتجاه الإسلام في الموضوع:

- ‌أنواع الأخلاقيات في إطار الأخلاق الإسلامية

- ‌النوع الأول: ينزع منزعاً فردياً

- ‌النوع الثاني: ينزع منزعا اجتماعيا:

- ‌النوع الثالث: أخلاقيات الحاكم المسلم

- ‌خاتمة أهم النتائج والتوصيات

- ‌مدخل

- ‌ أهم النتائج:

- ‌ توسيع الإسلام نطاق مفهوم الأخلاق وميدان العمل بها

- ‌ أصالة الأسس التي أقام عليها الإسلام نظامه الأخلاقي:

- ‌ وضع الإسلام معايير متعددة لقياس الأخلاق ولبيان قيمتها:

- ‌ تقويم الإسلام للأخلاق تقويما متكاملا

- ‌ الاتجاه الأخلاقي في الإسلام يجمع وينسق بين الفردية والاجتماعية:

- ‌ التقاء التفكير الأخلاقي والديني في الاتجاه الإسلامي:

- ‌ قدرة الأخلاق الإسلامية على مسايرة تطور الحياة وأشكالها المختلفة

- ‌ الأخلاق الإسلامية أكمل وأصلح أخلاق للحياة الإنسانية

- ‌أهم التوصيات

- ‌مدخل

- ‌ التوصيات الموجهة إلى الأسرة:

- ‌ التوصيات الموجهة إلى الإعلام:

- ‌التوصيات الموجهة إلى المدرسة

- ‌مدخل

- ‌الأهداف العامة لتعليم علم الأخلاق:

- ‌ التوصيات الموجهة إلى مراكز البحوث:

- ‌مصادر ومراجع الكتاب

- ‌الفهارس

- ‌فهرس أطراف الحديث

- ‌فهرس الأعلام

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: ‌ مراعاة قوانين الطبيعة والحياة:

الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} 1.

ولا يستطيع أن يكون سيدا على نفسه إلا بضبط ميوله ورغباته وحاجاته الأولية وتوجيهها وفقا للمثل العليا التي رسمها أمام الإنسان والتي تدعو إلى عدم اتباع الهوى والشهوات، وتدعو إلى التقرب إلى الله بالتسامي الروحي.

وفي الموقف الثاني دعا إلى مهادنة الطبيعة والواقع مراعاة قوانينها وعدم الاصطدام معها؛ لأن الحياة مع مخالفة الطبيعة بهذه الصورة لا يمكن أن تستمر ولا بد من أن يبوء نظام الحياة القائم على هذا الوضع بالفشل.

1 سورة هود: 61.

ص: 131

ثانيا:‌

‌ مراعاة قوانين الطبيعة والحياة:

ومراعاة الطبيعة والواقع تتم عن طريق اتخاذ قواعد السلوك وفقا للقوانين الأساسية للحياة البشرية2، ولقد حصر الدكتور "آلكسيس كارل" هذه القوانين في ثلاثة قوانين أساسية عامة، وهي: قانون المحافظة على الحياة وقانون تكاثر النوع، وأخيرا قانون الارتقاء العقلي والروحي3.

ويدخل في القانون الأول أن كل سلوك من شأنه أن يحافظ على الحياة وينميها -أي حياة المرء لنفسه أو لغيره- يعد سلوكا أخلاقيا، وكل سلوك من شأنه أن يضاد الحياة أو يعوقها بصورة من الصور يعد سلوكا غير أخلاقي، ومن هنا حرم أخلاقيا القتل واستغلال الناس للمصالح الشخصية وإعاقة أعمال الناس.

2 فيرى ووردان الفرق بين القوانين الطبيعية والقوانين الأخلاقية أن الأولى تنصب على الأشياء الواقعة في الزمان والمكان، وصدقها معناه: أنها متحققة بالعقل، أما الثانية فتنصب على الحياة الشخصية، وصدقها أنها تعبر عن مثال من المثل العليا "فلسفة المحدثين والمعاصرين ص 76".

3 تأملات في سلوك الإنسان ص 47.

ص: 131

أيضا التهديدات وإخافة الناس، وحرم التحاسد والتباغض؛ لأن كل ذلك يعوق الحياة من الناحية العملية والنفسية، ومن ثم أوجب الإسلام احترام حقوق الناس في دمائم وأموالهم وأعراضهم وإحساساتهم الأدبية، وحض على الأعمال التي تنظم الحياة وتنميها مثل: السعي لخير الناس وبث المحبة والمودة والسرور والبهجة في نفوسهم، وقد ذكرنا نصوصا في الباب السابق تشير إلى كل هذه الجوانب.

وفيما يتعلق بالقانون الثاني يعتبر السلوك الذي يؤدي إلى إبقاء النوع وتحسينه سلوكا أخلاقيا راقيا، ومن هنا شرع الزواج وكرهت الرهبنة، وهنا يقول تعالى:{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} 1 وروي أن الرسول قد نهى عن الرهبانية2، كما استحسن اختيار الزوجة من السلالة السليمة عقلا وجسما؛ وذلك لتحسين النسل فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"تخيروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم" وقال أيضا ما معناه "فلينظر أحدكم أين يضع كريمته"4، وبيَّن الرسول أن على الآباء أن يختاروا لبناتهم أزواجا صالحين، وإلا سيؤدي الأمر إلى فساد كبير فقال:"إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" 5، ولقد أثبت الدكتور "الكسيس كارل" كيف أن سوء الخلق ينتشر عن طريق الزواج ويؤثر في الذرية تأثيرا سيئا من الناحية البيولوجية والسيكولوجية والسلوكية فقال: "نحن نعرف اليوم أن

1 الحديد: 27.

2 الجامع الترمذي جـ2 ص 273 باب النكاح. فتح الباري جـ11 ص 19 كتاب النكاح.

3 الجامع الصغير جـ1 ص 30، المستدرك على الصحيحين جـ2 ص 163، النكاح.

4 السنن الكبرى للبيهقي جـ7 ص 82.

5 جامع الترمذي جـ2 ص 274.

ص: 132

الزواج بين أولاد الأشقياء أو السكيرين أو المصابين بالزهري أو حاملي العيوب العقلية الوراثية يعتبر جريمة جديرة بالعقاب، وينبغي لنا ألا ننسى في هذا الصدد أسرة روك الأمريكية حين تم الزواج بين شخصين من أرباب السوابق فظهر من بين سلالتهما 339 عاهرا و181 سكيرا و170 معوزا و118 مجرما و86 من أصحاب بيوت الدعارة"، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "تزوجوا في الحجر الصالح فإن العرق دساس" 2.

وهذه الحقيقة كانت معروفة لدى الناس، وقد أشار إليها القرآن في قضية مريم:{قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} 3، غير أنه ما كان يعرفه الناس هو أن سوء خلق الوالدين يؤثر في الأبناء عن طريق التقليد فحسب، لكن العلم يثبت اليوم أنه يؤثر أيضا عن طريق الخلايا الملقحة، ثم إن الإسلام حرم كل سلوك من شأنه أن يعوق استمرار التناسل؛ لأنه يعد منعا لاستمرار النوع، ولهذا منع الإجهاض وعدَّه جريمة، سواء كان من قبل الأم أو من قبل غيرها، وقد اتفق العلماء على أن المُجْهِض عليه أن يدفع دية الغرة5، ومنع أيضا الاختصاء؛ لأنه يعد عائقا دائما أمام استمرار النوع.

والدليل على ذلك ما روي عن بعض الصحابة، قالوا: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصي، فنهانا عن ذلك ثم رخص

1 تأملات في سلوك الإنسان ص 87.

2 منتخب كنز العمال في هامش مستند الإمام أحمد جـ 6 ص 394.

3 مريم آية: 27-28.

4 المغني لابن قدامة جـ8 ص 389-405.

ص: 133

لنا أن ننكح المرأة بالثوب1 ثم قرأ علينا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} 2، فالإسلام يعد الخروج على القوانين الطبيعية والأخلاقية تعديا وخروجا عن جادة الحياة المستقيمة.

ومن واجبنا أن نعرض هنا لمشكلة اجتماعية عامة تكتسح العالم كله ألا وهي مشكلة تحديد النسل، ونبين حكم الإسلام فيه من الوجه الأخلاقية، لقد عرضنا فيما سبق أن غريزة التناسل قانون من قوانين دوام حياة النوع واستمراره، وكما بينا أن الإسلام يحرم كل سلوك يضاد هذا القانون، ويحول دون استمرار التناسل، وهذا أمر قاطع في الإسلام لا يقبل المناقشة بصفة عامة.

أما الحد من كثرة التناسل بطريقة من الطرق دون الإسقاط أو الإجهاض فأمر ورد فيه نصوص متعددة، مما يجعلنا لا نستطيع البت فيه من هذه الجهة بتحريمه بصفة عامة لكل فرد وفي جميع الظروف والأحوال، لكن نستطيع معالجته عن طريق دراسته في ضوء قوانين الحياة من حيث مخالفته أو موافقته لها، والنتائج التي تترتب على ذلك من مضرة أو منفعة ومن خير أو شر.

ونستطيع أن نحكم عليه من وجهة نظر الأخلاق الإسلامية، بناء على دوافع هذا السلوك وأهدافه، وبناء على ما يترتب على فعله من مصلحة أو مضرة على الأفراد أو المجتمع إن عاجلا أو آجلا.

وإذا بحثنا عن دوافعه وأهدافه وجدنا أنها تكاد تنحصر في أحد الأمور الآتية:

1 فتح الباري بشرح البخاري جـ11 ص 19-20.

2 المائدة: 87.

ص: 134

الأمر الأول: التخلص من الضائقة الاقتصادية أو الخشية من ضيق الرزق.

والأمر الثاني: تجنب الضرر الذي قد يلحق بالأولاد، أو بأحد الأبوين أو كليهما أيًّا كان لون هذا الضرر.

والأمر الثالث: المحافظة على جمال المرأة وحسن التمتع بها.

بأحد هذه الأمور أو بأجمعها يتذرع المتحمسون لتحديد النسل، ولننظر مدى صدق هذه الدعاوى، وهل ما يترتب عليه هو هذه الغاية المرجوة؟ وهل ذلك هو الوسيلة الوحيدة أو أحسنها للوصول إلى تلك الغاية أو الغايات؟ ولنبدأ بالأمر الأول: الذي هو الدافع الأساسي الذي تتذرع به تلك الدعوات على مستوى المجتمعات، إذ يقولون إن تجاوز نسبة المواليد نسبة الإنتاج الصناعي والغذائي أمر يدعو إلى الخطر في المستقبل، وهو أساس المشكلة الاقتصادية التي تعاني منها المجتمعات الفقيرة المتخلفة من الناحية الاقتصادية.

وهذا الادعاء صحيح عقلا وواقعا، ويمكن حل هذه المشكلة عن طريق تحديد النسل، ولكن هذا الحل سلبي وليس إيجابيا، والحل السلبي ليس حلا أخلاقيا، إذ إنه يوحي بالضعف والعجز ويثير في النفس الخمول والكسل، أو إن مثل هذا الحل يتولد من هذه الأسباب أو الإيحاءات الأخلاقية السلبية، ومثل هذا الحل يترتب عليه غالبا نتائج سلبية، تتولد عنها مشكلات أكثر تعقيدا من المشكلة نفسها، ومن الأمثلة لذلك أن بعض الدول الأوربية رأت قلة نسبة المواليد عن نسبة الوفيات، وترتب على ذلك قلة الأيدى العاملة وكثرة نسبة العجزة، كما أدى الأمر أخيرا إلى قلة عدد السكان عما كان عليه عند قيام الدعوة؛ لأن تحديد كمية العدد المناسب عن طريق تحديد النسل أمر يكاد يكون مستحيلا،

ص: 135

الأمر الذي دعاها إلى القيام بحملات ضد تحديده، ودعوة المواطنين إلى إنجاب ذرية أكثر، ووعدت تلك الدول بمكافآت لأمهات ينجبن أولادا أكثر، كما أعفت الأسر الكبيرة عن بعض الضرائب وأعطتها بعض الامتيازات، وبالرغم من ذلك فإن بعض هذه الدول لا تزال تعاني من نقص السكان، وتستدعي الأيدي العاملة من الدول الأخرى مثل: ألمانيا والسويد وفرنسا، ولهذا جاء في إحدى الجرائد الألمانية الناطقة باسم الحكومة "أن نسبة المواليد في وطننا إذا ظلت تهبط هكذا فعسى أن يأتي علينا يوم يكون فيه الألماني شعبا عقيما؛ ولإصلاح هذا الوضع المخيف أصدرت الحكومة النازية قانونا بمنع تعميم منع الحمل وترويج طرقه"1، وقال أحد وزراء السويد في المجلس النيابي:"إن الشعب السويدي إذا كان لا يريد لنفسه الانتحار فعليه أن يتخذ التدابير المؤثرة لمقاومة انخفاض نسبة المواليد في وطنه"، وفي إيطاليا جاء تصريح باسم الحكومة "أن حكومة "موسيليني" بذلت جل اهتمامها لزيادة السكان برفع نسبة المواليد في بلادها بعد سنة 1933 فهي لهذا الغرض نهت عن ترويج منع الحمل، وأصدرت قانونا يحظر نشر الكتب والوسائل والمقالات عن معلوماته ووسائله، وهي -لترغيب الناس في الزواج والتناسل- اتخذت الخطوات اللازمة"2، وهناك تصريحات كثيرة من هذا القبيل في كثير من الدول التي أدت فيها حركة تحديد النسل إلى انخفاض السكان بدرجة خطيرة.

ثم إن قلة السكان ليست وسيلة الرفاهية من وجهة النظر العلمية؛ ذلك أننا نجد هناك دولة مثل اليابان بالرغم من التضخم السكاني وبالرغم من قلة

1 حركة تحديد النسل لأبي الأعلى المودودي ص 56 - 57.

2 حركة تحديد النسل لأبي الأعلى المودودي ص 56 - 57.

ص: 136

الموارد الطبيعية والمساحة الأرضية بالنسبة لسكانها، بالرغم من هذا كله تتوافر فيها الامكانات الاقتصادية؛ لأنها تعمل بالأساليب العلمية في مختلف المجالات، وعلى العكس من ذلك تمامًا نجد هناك دولاً كالسودان مثلا بالرغم من توافر الإمكانات الطبيعية، وقلة سكانها، يسود فيها التخلف الاقتصادي والفقر والتأخر؛ لأنها لم تتخذ العلم وسيلة للتقدم الاقتصادي، فالعلم يخرج الحب من الحجر ويضاعف الإنتاج أضعافا مضاعفة، هذا رأي العلم والواقع في هذه النقطة.

ولننظر إلى رأي الإسلام: إن فكرة تحديد النسل ليست فكرة جديدة، بل كانت موجودة أبان ظهور الإسلام، فقد كان العرب أو بعض الأفراد يقوم بتحديد النسل؛ وذلك بإحدى وسيلتين:

الأولى: قتل الأولاد في بطن الأمهات أو بعد الولادة.

وثانيتهما: بالعزل، وقد أنكر الإسلام الوسيلة الأولى إنكارا قاطعا، وندد بالفاعلين وأوعدهم بالعقاب الأليم، فقال تعالى:{وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} 1، وقال:{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} 2، وهكذا يرتكب هؤلاء السفاهة بقتل أولادهم خوفا من الفقر من غير علم أسباب الرزق، ويظنون أن تقليل العدد هو سبب الرخاء، يزين ذلك لهم شياطينهم، ويقولون: إن الأرض سوف تضيق من كثرة السكان في المستقبل {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمُ بِالْفَحْشَاءِ} {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} 4، وذلك عين الحرام

1 الإسراء: 31.

2 الأنعام: 140.

3 البقرة: 268.

4 الأنعام: 137.

ص: 137

في رأي الإسلام قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} 1.

أما الوسيلة الثانية التي كانوا يتخذونها لتحديد النسل فهي العزل، وقد سألوا الرسول عن حكم العزل، وكان الرسول يفتي في ذلك بناء على الأسباب التي كان يعلل بها كل سائل، جاءه رجل يوما يسأله ويقول:"إن لي جارية وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل، فقال: "أعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها" 2، وقال آخرون يوما: "أصبنا سبيا فكنا نعزل، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" أو إنكم تفعلون؟ قالها ثلاثا: ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة" 3، وسئل في مناسبة أخرى عنه فقال:"ذلك الوأد الخفي" 4، وجاء في رواية أن الرسول قال ذلك موافقة على رأي اليهود، وكان لا يكذب أهل الكتاب بما يقولون، إلا إذا نزل عليه وحي يخالف ذلك، وفي هذا الصدد قال في حديث آخر عندما جاءه جماعة من الصحابة، وسألوه عن مدى صدق اليهود في قولهم في العزل "إن تلك الموؤدة الصغرى"، فقال الرسول:"كذبت اليهود، لو أراد الله خلقه لم تستطع رده"5.

وسبب تكذيب اليهود كما يقول "ابن القيم" إن العزل لا يتصور فيه الحمل أصلا، وهم جعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد، فأكذبهم وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء

1 الأنعام: 151.

2 شرح العسقلاني على صحيح البخاري جـ11، ص 218 كتاب النكاح.

3 فتح الباري بشرح البخاري جـ11 كتاب النكاح ص 218.

4 شرح العسقلاني على صحيح البخاري جـ 11 كتاب النكاح ص 220.

5 شرح العسقلاني على صحيح البخاري جـ 11 كتاب النكاح ص 220.

ص: 138

الله خلقه"1، لكن هذا التكذيب منصب في عد العزل وأدا، وكيف يعد وأدا ولم يخلق شيء في الرحم، وسئل "ابن عباس" عن العزل فقال: ذلك الوأد الأصغر، فلما سمع "علي" أنكره عليه، وقال: لا يكون الوأد الأصغر إلا بعد الطور السابع في الخلق في الرحم"2، إذن يمكن أن يقال على الإجهاض الوأد الأصغر، لكن لا ينبغي أن يفهم من عدم عد الرسول ذلك الوأد الأصغر أو الخفي أنه يدعو إلى ذلك، بل الأمر على عكس ذلك فإنه يفهم من النصوص الواردة أفضلية ترك العزل كما جاء في نص آخر، حين سئل النبي فقال:"لا عليكم أن تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة" 3، وهنا يرى "الغزالي" أن النصوص الواردة أفادت النهي، فهي على سبيل التنزيه لا على التحريم، وليس في فعله حرام وإن كان في تركه فضيلة4، وهو يقسم بوجه عام عمل العزل بحسب باعثه إلى خمسة أقسام، الأول: بقصد استبقاء الملك بترك العتاق، الثانية: استبقاء جمال المرأة لدوام التمتع واستبقاء حياتها، الثالثة: الخوف من كثرة الحرج مع كثرة العيال، والاحتراز من الحاجة إلى مزيد من التعب والجهد؛ لأن قلة الحرج معين على الدين، وإذا كان الكمال في التوكل والثفة بضمان الله بناء على قوله تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} لكنه لا جرم من السقوط عن ذروة الكمال وترك الأفضل لمن لم يقدر عليه.

الرابعة: الخوف من الأولاد الإناث لما يعتقد في تزويجهن من المعرة، الخامسة: أن تمتنع المرأة عن الولادة لتقززها وترفعها منها.

1 شرح العسقلاني على صحيح البخاري جـ11 كتاب النكاح ص 221.

2 إحياء علوم الدين جـ2، كتاب النكاح، ص 52.

3 تيسير الوصول إلى جامع الأصول من أحاديث الرسول جـ4 ص 342.

4 إحياء علوم جـ2، باب النكاح ص 53.

ص: 139

ويرى الغزالي أن العزل لهذين السببين الأخيرين مخالفة للسنة ونية فاسدة لا تتفق مع الإسلام، بينما لا يرى الحرمة في ذلك للأسباب الأولى1.

لكن لا نعدم هناك آراء أخرى في هذا الموضوع بعضها يحرم إطلاقا وبعضها الآخر يجيزه إطلاقا وبعضها يحله إذا رضيت المرأة ويحرمه إذا لم ترضَ2.

على أي حال هذه آراء العلماء، وسوف نقدم رأينا بوجه عام بعد معالجة الأمور التي ذكرناها سابقا.

والآن بقيت نقطة أخرى في الدافع الاقتصادي في تحديد النسل وهي: أن الإسلام يراعي مدى أهمية الاقتصاد في تكوين الأسرة؛ ولذلك نراه يدعو إلى تكوين الأسرة لمن يملك الإمكانات لذلك؛ لأن توافر الإمكانات المالية له دوره في حياة الأطفال؛ ولذلك لا يدعو الإسلام إلى الزواج مبدئيا لمن لا يملك هذه الإمكانات، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه الصوم فإنه له وجاء" 3، فعلى المقدم على الزواج أن يعلم أن هناك تكاليف يجب أن يقوم بها لزوجته ولأولاده، فلا يصح أن يقدم على هذا الأمر وهو لا يملك شيئا أو يملك ما لا يكفي، فقال تعالى:{وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} 4، وقال الرسول لهند إمرأة أبي سفيان:"خذي من مال زوجك ما يكفيك ولولدك بالمعروف" 5، إذن فالمقدم على الزواج يشترط أن يكون

1 إحياء علوم الدين جـ2، باب النكاح ص 53.

2 إحياء علوم الدين جـ2، باب النكاح ص 51.

3 فتح الباري بشرح البخاري جـ11 كتاب النكاح، ص8.

4 سورة البقرة:223.

5 فتح الباري بشرح البخاري جـ7، كتاب النفقات.

ص: 140

قادرًا على القيام بنفقات الأولاد، وإذا كان قادرًا على ذلك فلا يصح تحديد النسل، ثم إن للتحديد بالطرق المعروفة حاليًا أضرارًا من جهات مختلفة، كما لا يصح تقييم كل سلوك إنساني من وجهة النظر الاقتصادية وحدها.

أما فيما يتصل بالدافع الثاني لتحديد النسل، وهو: الأضرار الناتجة عن الولادة فنقول: إن الضرر هنا نوعان:

فالأول: هو الضرر المادي كأن يضر الحمل الأم لسبب من الأسباب أو يضر مولودًا سابقًا، ولا مانع في هذه الحالة من التحديد؛ لأن الضرر يزال لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر ولا ضرار" 1، وهذا مبدأ هام في الإسلام، كما أن المرض حالة استثنائية، وهو لذلك يدخل في القانون الاستثنائي الذي سيأتي تفصيله عند الكلام عن الأساس الخامس في هذا الباب.

والنوع الثاني من الضرر: الضرر الأدبي كأن يشعر الوالدان بالعار من المولود لأمر ما كما كان العرب يشعرون بالمعرة من الأنثى وكانوا يئدون البنات وهن أحياء بعد الميلاد، والإسلام لا يعتد بمثل هذه المضرة بل إنه يعتبر المولود ذكرا كان أو أنثى زينة {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} 2، وأمر بالتسوية بينهما، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"من كان له أنثى فلم يهنها ولم يؤثر ولده عليها أدخله الله الحنة"3.

أما الدافع الثالث والأخير لتحديد النسل فهو: من أجل المحافظة على صحة المرأة وجمالها وحسن التمتع بها، إذ إن معظم النساء يرين أن الولادة ترهقهن وتقضي على جمالهن وتضيع عليهن فرص التمتع في ميادين اللهو والمتعة.

1 الجامع الصغير جـ2 حرف "لا" ص 198.

2 الكهف: 46.

3 التاج جـ5 ص 8، كتاب البر والأخلاق.

ص: 141

وهذه الظاهرة أكثر وضوحا في البلاد المتقدمة حضاريا منها في البلاد المتأخرة، وهنا يقول الكاتب الفرنسي "بول بيريو":"إن الأزواج والزوجات الذين يحاولون الحد من نسلهم في فرنسا -قد علمنا بعد الاستفسار- أن قليلا منهم يحاولونه بناء على قلة المال وكثرة الأولاد لديهم، وإنما الأسباب الحقيقية التي تبعث عليه أكثرهم هي تحسين الوضع المالي ورفع مستوى المعيشة والاحتراس من الخطر أن تتوزع الثروة المجموعة إلى قطع صغيرة متعددة وبذل الاهتمام الكلي بتعليم الولد الوحيد تعليما عاليا، وإعداده للمستقبل الرائع، والاحتفاظ بجمال الزوجة ورشاقتها ونضارتها إزاء متاعب الحمل وشواغل رعاية الأطفال الكثيرين ورضاعتهم، والضن بحرية النفس في التفرج والمرح والاستجمام، والحيلولة دون أن تصبح الزوجة فيما إذا أنجبت عدة أطفال منهمكة بتربيتهم، فيتعكر صفو الحياة الزوجية، وتقل فيها فرصة الاستمتاع بمباهج الحياة وملاهيها"1.

لكن هل الولادة تضر المرأة عادة بصورة مستمرة، وتحديد النسل ينفعها ويحافظ على جمالها، كما يدعون أو يتصورون؟

الحقيقة أن وسائل تحديد النسل قد كثرت اليوم وأهمها الإجهاض، ثم الحبوب والحواجز، ولنستمع إلى رأي المتخصصين في هذه المجالات.

فيما يتعلق بالإجهاض يقول الدكتور "تانسنج فريديك": "تنتج عن الإجهاض ثلاثة أضرار، يتعرض لها النسل الإنساني:

1-

يهلك عدد غير معلوم من الأفراد البشرية قبل أن يخرجوا إلى نور الحياة.

1 حركة تحديد النسل ص9.

ص: 142

2-

ويذهب عدد غير يسير من الأمهات ضحية الموت أثناء عملية الإجهاض.

3-

وبالإجهاض تحْدُث في المرأة مؤثرات مرضية، لا يستهان بعددها وتجرح فيها إمكانات التوليد في المستقبل على صورة مفزعة جدا1.

وفيما يتعلق باستعمال الحبوب والحواجز المانعة تقول الدكتورة "ميري شارليب": "إن وسائل تحديد النسل سواء كانت الحبوب أو العقاقير أو الحواجز وغيرها، وإن كانت المرأة لا تتعرض لضرر فوري ظاهر باستخدامها، لكنها إذا ظلت تستخدمها لمدة من الزمن فلا بد أن يصيبها الانهيار العصبي قبل أن تبلغ سن الكهولة، ومن النتائج اللازمة لاستخدام هذه الوسائل التبرم والتمرد والقلق والنزق والأرق وتوتر الأعصاب وتشويش الفكر وهجوم الأحزان وضعف القلب ونقض الدورة الدموية وشلل اليدين والرجلين والتهاب الجسد واضطراب العادة الشهرية"2.

ويبين الدكتور "أزوالد شواز" سبب ذلك فيقول: "إن كل غريزة عضوية ينبغي أن تؤدي وظيفتها الخاصة بها وإلا تتعرض حياة الإنسان لمشاكل مرهقة متعددة، والتناسل في المرأة غريزة عضوية وفطرة فيها، فإذا منعت أن تعمل لتحقيق هذه الوظيفة الأساسية لنظامها الجسدي والعقلي فلا بد أن تذهب ضحية الاضمحلال والتذمر والعقد النفسية المتعددة، وعلى خلاف هذا عندما تصبح أما تجد جمالا جديدا أو بهاء روحيا يتغلب على ما قد يعتريها من الضعف والاضمحلال بسبب وضع الطفل وإرضاعه"3.

1 حركة تحديد النسل ص82.

2 المصدر نفسه ص 77.

3 حركة تحديد النسل ص71.

ص: 143

وإلى جانب ذلك فإن استعمال حبوب منع الحمل يسبب أعراضا مرضية أخرى مثل قرحة المعدة وما إلى ذلك، ولننظر الآن إلى النتائج التي تترتب على تحديد النسل بهذه الطرق: من أهم النتائج التي يحصيها القائمون بالشئون الاجتماعية في الدول التي طبقت نظام تحديد النسل وراجت فيها طرقه ما يلي:

1-

انتشار الفوضى الجنسية أو الزنا، والأمراض الخبيثة الناشئة عن ذلك، والسبب في انتشار الفاحشة هو زوال الخوف من عار مجيء المولود غير الشرعي، ففيما يتعلق بانتشار الفاحشة يقول الدكتور "سوركن": إن نسبة العلاقات غير الشرعية في أمريكا قد وصلت إلى 50% كما وصلت حوادث الإجهاض فيها إلى ما يقرب 100.000 حالة سنويا، وذلك بالرغم من انتشار الأدوية المانعة للحمل.

وفيما يتعلق بانتشار الأمراض الخبيثة من جراء ذلك يقول الدكتور "توماس باران" عن مرض الزهري مثلا في أمريكا "إنه أفتك وأضر بمائة مرة من مرض فالج الأطفال، وإن خطره في أمريكا مثل خطر السرطان والتهاب الرئة، حتى إن واحدا من كل أربعة أشخاص إنما يذهب ضحية الموت بسبب الزهري مباشرة أو غير مباشرة"1.

2-

زيادة نسبة الجرائم: وذلك بسبب انتشار الزنا، وبسبب مجيء الأولاد غير الشرعيين، وقد أثبت تقرير كنزي أن نسبة الأولاد الحرام في أمريكا وصلت إلى 5:1، وأثبت علماء النفس أن معظم المجرمين والجانحين في العالم يكونون من أولاد الحرام وممن عاشوا في ملاجئ الأطفال، وفي أجواء بعيدة عن عاطفة

1 المصدر نفسه ص 28.

ص: 144

الآباء وذلك لانهيار العلاقات الزوجية لمجون أحدهما أو كليهما1، ونتيجة لهذا وذاك فقد زادت نسبة الجرائم وخاصة جرائم الأحداث، فقد جاء في تقرير الشرطة الأمريكية أنه قد سجل في سنة واحدة 2.530.00 خريجة2.

3-

كثرة الطلاق والفراق: وهذه نتيجة طبيعية للأسباب السابقة، وهي اتخاذ الزواج مجرد متعة جنسية، وعدم وجود الطفل بين الزوجين يشعرهما بضعف الرابطة القائمة بينهما، فيمكن قطع تلك الرابطة لأوهي الأسباب، ثم إن محاولة تحديد النسل تنشأ عن الأخلاق الأنانية؛ لأن القائم بتلك المحاولة إنما يقوم بها بدافع إيثار مصلحته الذاتية على مصلحة الغير، والأنانية من أسباب انهيار العلاقات الزوجية، وفي هذا الصدد يقول "بارنيس":"إن الأزواج والزوجات الذين يطالبون بالطلاق ثلثاهم ممن لا يرزقون طفلا قط، وخمسهم ممن رزقوا طفلا واحدا"3.

4-

ومن المشكلات الاجتماعية التي نجمت عن تحديد النسل في أوربا عدم التوازن الطبقي؛ وذلك نتيجة نجاح هذه الحركة في الطبقة المثقفة العالية وذوي الدخل الكبير، وإخفاقها نسبيا في الطبقة العادية الفقيرة، هنا يقول "برتراند رسل": "إن في بلدنا طبقات يقل أفرادها، وطبقات أخرى يتزايد أفرادها، أما الطبقات التي يقل أفرادها فهي طبقات المثقفين، وأما الطبقات التي يتزايد أفرادها فهي طبقات العمال والفقراء والأغبياء والجبناء والجامدين، والطبقات التي يتضاءل حجمها يوما فيوما فإن المنقرضين منها بأكبر سرعة هم الذي

1 المصدر نفسه ص 27.

2 المصدر نفسه ص31.

3 مجالات علم النفس للدكتور مصطفى فهمي ص90.

ص: 145

مستواهم الفكري والذكائي أعلى من غيرهم والنتيجة المحتومة لكل هذا أن كل جيل من أجيالنا يخرج منه أصلح ما يكون فيه من العناصر الذكية والمثقفة، وهو سائر نحو العقم بطريق صناعي إزاء الذين يكتب لهم البقاء على الأقل"1.

إذن بعد كل هذا نستطيع أن نحكم على تحديد النسل بأنه فعل ضار، بحسب الواقع والتجربة، وكل سلوك ضار بحياة الإنسان فهو سلوك غير أخلاقي هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإننا إذا قسنا دوافعه ونتائجه بالمعيار الأخلاقي نجدهما غير أخلاقيين أيضا؛ ذلك أن دوافعه ترجع أساسا إلى الشعور بالعجز واليأس عن كسب أرزاق الأولاد أو الضن ببذل المال والجهد للغير، والحرص على المنفعة الذاتية أو السعي المستميت وراء اللذات الشهوانية، وكل هذه الدوافع والغايات ترجع في الأساس إلى روح سلبية لا تتلاءم مع روح الأخلاق الإيجابية البناءة، ومن ناحية النتائح المترتبة على ذلك نرى أنها غير أخلاقية؛ لأنها تؤدي إلى انتشار الفاحشة والأمراض الخبيثة والجرائم المختلفة، وما يؤدي إلى حرام فهو حرام، وأخيرا يؤدي إلى تعقيدات اجتماعية طبقية وغير طبقية، وهي أمور غير أخلاقية أو هو فساد خلقي بمعنى الكلمة يخالف روح الأخلاق الإسلامية التي تدعو دائما إلى الإيثار وبذل الجهد والتضحية من أجل الغير، وتجنب كل سلوك ضار للفرد والمجتمع، كما يخالف قوانين الحياة كما بينا، لكن ينبغي أن نستثني من ذلك الحكم الأخلاقي على تحديد النسل في بعض الحالات الضرورية، التي تدعو إليها أسباب مبررة مثل المرض المعدي الذي يصاب به أحد الأبوين أو كلاهما ويؤثر في الذرية أو ينتقل إليها أو أن يكون الحمل يضر الأم لعرض أو

1 مبادئ الإنشاء الاجتماعي لرسل، انظر حركة تحديد النسل ص16.

ص: 146

مرض أو إذا كان ضارا بمولود سابق.

على أن هذه حالات فردية وليست جماعية، وحق الاستثناء مكفول لكل فرد في الحالات الضرورية في كل الميادين الأخلاقية، إذ إن الضرورات تبيح المحظورات، ولقد قرر المؤتمر الإسلامي الثاني المنعقد في القاهرة سنة 1965 الذي كان يضم العلماء المسلمين من العالم الإسلامي، فيما يتعلق بتحديد النسل:"أن الإسلام رغب في زيادة النسل، وإذا كان هناك ضرورة شخصية تحتم تنظيم النسل فللزوجين أن يتصرفا طبقا لما تقتضيه الضرورة وتقدير هذه الضرورة متروك لضمير الفرد ودينه، لكن لا يصح شرعا وضع قوانين تجبر الناس على تحديد النسل بأي وجه من الوجوه"1.

وأما فيما يتعلق بالقانون الثالث والأخير وهو قانون الارتقاء العقلي والروحي، فهو قانون من قوانين حياة الإنسان الواقعية، يمثل جزءا هاما في حياته، وبه تتميز حياته عن حياة الحيوان، ويدخل في هذا القانون جميع الحواس المعنوية للإنسان، مثل: الحاسة العقلية والقدسية والأدبية والدينية والجمالية، ويمكن أن نقسم هذه الحواس بحسب النوع الإدراكي إلى عقلي وعاطفي، فالأول: يعتمد على الذكاء، والثاني: يعتمد على الشعور والإحساس العاطفي، ويجب أن ندرك أن ضرورة العاطفة لحياة الإنسان لا تقل عن ضرورة الذكاء، بل قد تزيد في بعض النواحي، ذلك أن الذكاء يدرك فقط، والعاطفة تدرك وتدفع الإنسان إلى السلوك وفقا لإدراكاتها، ثم إنها هي التي تضفي على حياة الإنسان معنى، وهي التي تجعل الإنسان يعيش في عالم أوسع من هذا العالم المحسوس، ومن هنا يقول الدكتور "الكسيس كارل": "إن العاطفة تدرك الحقيقة الواقعة بصورة أكثر مباشرة

1 انظر قرارات المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر سنة 1965.

ص: 147

مما يستطيعه الذكاء، فالذكاء ينظر إلى الحياة من خارجها، أما العاطفة فعلى العكس من ذلك تستقر في داخل الحياة، فضروب النشاط غير العقلية للروح -أعني بالعاطفة الحاسة الخلقية والحاسة الجمالية وحاسة التقديس- هي التي تجلب لنا القوة والبهجة، وهي التي تهب الفرد قدرة الخروج من نطاق نفسه والاتصال بالآخرين وحبهم والتضحية بنفسه من أجلهم"1، ثم يقول أيضا: "والفضل في انطلاق الروح خارج العالم المادي يرجع بوجه خاص إلى ضروب نشاطنا غير العقلي، وهذه الخاصية التي تجعل الذات المادية العقلية توجد في آن واحد داخل العالم المادي، وداخل عالم آخر، بعيد عن متناول العقل والعلم في الوقت الحاضر على الأقل، وتجعل من الكائن البشري شيئا يختلف عن جميع الأشياء التي توجد على وجه الأرض"2.

إذا كان الأمر كذلك فواقع الإنسان غير واقع الحيوان من بعض الوجوه، فواقع الإنسان في الحياة هو: جميع القوانين المتصلة بطبيعته سواء أكانت هذه القوانين بيولوجية أم نفسية أم روحية، وصلة ذلك كله بالعالم المادي والمعنوي، ولا تكون حياة الإنسان واقعية إلا إذا كانت منظمة على أساس تلك القوانين جميعا.

والأخلاق الأسلامية -كما رأينا في الموضوعات السابقة وكما سنرى في الموضوعات اللاحقة- تعتمد في تنظيمها الخلقي لحياة الإنسان على تلك القوانين مجتمعة، ومن الأدلة البارزة على ذلك أن الإسلام لم يكلف الإنسان فوق

1 تأملات في سلوك الإنسان ص 161.

2 تأملات في سلوك الإنسان ص 163.

ص: 148

ما تطيقه طبيعته في أي مجال من مجالات العمل الأخلاقي، ولم يدفع الإنسان إلى التصادم مع قوانين الحياة حتى لا يهلك نفسه، فقال تعالى:{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} 1، وأخيرا راعى واقع الإنسان في تنظيمه لحياة الإنسان بين مختلف القوانين المتصلة بالحياة، وهي التي تقوم عليها حياة الإنسان، وهذه الحقائق سوف تتجلى بصورة أوضح في الموضوعات اللاحقة بعد دراسة الطبيعة الإنسانية التي تعتبر الأساس الهام للأخلاق الإسلامية.

فإذا عرفنا مدى اتفاق الأخلاق الإسلامية مع طبيعة قوانين الحياة وتلائمها مع واقع الإنسان في هذه الحياة يجب أن ننتقل إلى دراسة الطبيعة الإنسانية لنعرف مدى مراعاة هذه الأخلاق هذه الطبيعة أو كيف تتلاءم قوانين هذه الأخلاق مع قوانين الطبيعة البشرية.

1 البقرة: 195، وهناك نصوص أخرى سنذكرها عند معالجة هذا الموضوع.

ص: 149