الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأمن والإيمان
لمعالي الدكتور: محمد بن سعد الشويعر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد ولد آدم، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإن هناك خصلتين متلازمتين: إحداهما تمكّن الأخرى، وتؤصلها: هما الأمن النفسي، والإيمان الاجتماعي الدينيّ.
والأمم تسعى إليهما، وتبذل في سبيل توفيرهما، والتمتع بهما جهدًا ومالاً، وتخطيطًا ودراسة، لكن كثيرًا من أمم الأرض قد خفّ ميزان هاتين الخصلتين عندهم، وغاب عنهم العلاج، فاهتموا بواحدة وهي الأمن، وتجاهلوا الثانية، أو على الأصح عصوا الله في الثانية، فصاروا يروّعون، ويزعجهم الإرهاب، فكان العقاب العاجل:{ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} .
وجاء في الأثر: (ومن عصاني وهو يعرفني، سلطتُ عليه من
لا يعرفني) (1)
فإن اتّحدتْ هاتان الخصلتان في أيّ مجتمع قويت ركيزته، وتماسكت أجزاؤه، فاستحقوا الخير والتوفيق في أمورهم، ودافع الله عنهم الشرور والآفات:{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} .
فتظهر مع الإيمان آثار استتباب الأمن، بحيث تطمئن القلوب في كل بيئة توافرت فيها الأسباب المعينة على ذلك.
أما إذا افترقتا، فإن الخلل يبين، بحسب زاوية الانفراج بينهما قوّة وضعفاً، ويتأثر الوضع بين الأفراد، وفي المجتمع، ويشتدّ الاحتراس والتخوّف، كلما نقص الإيمان.
والذي يحصل عن نقصه: انتزاع الأمن في الأوطان، والطمأنينة في البلدان وسائر المجتمع، كما قال تعالى:{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} ، وهاتان الرّكيزتان:
الأمن: الذي يأخذ من الأمم جهدًا كبيرًا، وأموالاً طائلة علاوة على الدراسات والتخطيط، وتكريس الأعداد الهائلة من الأجهزة والأفراد والمعدات، وهذا كلّه جزء من العمل الاجتماعي الذي يستنزف طاقات، وقدرات كثيرة.
(1) وقيل إنه من كلام الفضيل بن عياض، كما ورد في حلية الأولياء، وذكر ابن كثير في تفسيره أنه أثر، وعده من الإسرائيليات.
والإيمان: الذي هو عمل وجداني، منبعث من الأحاسيس، وتوثّق ركيزته: عقيدة ثابتة محلّها القلب، وهو عامل دينيّ، يدفع النفس لأعمال أحبها الله وأمر بها، فترضى البيئة وأهلها، ولا يطلب حامل هذه العقيدة مردودًا من المجتمع وأفراده، وإنما ذلك جزاء من الله؛ لأنه امتثل أمره واهتمّ بأداء الأمانة، التي أوجبتها عليه عقيدة الإيمان، فتحمّلها بعلمه وعمله.
يقرّب ذلك واقع محسوس، برز في قول مندوب ملك الروم، عندما جاء إلى المدينة المنورة، فكان يبحث عن قائد المسلمين، الخليفة الراشد: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في أمر هام جاء من أجله، فوجده نائمًا في المسجد، بدون حراسة ولا قوات تحافظ عليه، إلا حفظ الله له، وقد توسّد كومة من التراب، وأثرّت في وجهه.
فقال له: لقد حكمت فعدلت، فأمنت ونمت يا عمر، وهذا من حرصه رضي الله عنه الشديد على أداء الأمانة، التي تحملها، وما ذلك إلاّ لأن إيمان عمر قويّ، وأدرك عن ثقل الأمانة مما ذكره الله في آخر سورة الأحزاب:{إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا} ، ومن حثّ رسوله صلى الله عليه وسلم عليها، فكان من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ويطبقون.
ومع ذلك فإن يد الغدر والخيانة، والقلوب الخاوية من الإيمان، امتدّت إليه، بإرادة منهم لإطفاء وهج الإيمان، فاغتالت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو في الصلاة مع جماعة المسلمين، في فاتحة من أعمال الإرهاب، يراد وراءها إطفاء نور الله، إلا أن موت عمر وغيره، من رجال مدرسة النبوة، أولئك الذين هم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، لا يميت الحق.
ومن المعلوم أن راحة النفوس لا تكون إلا بالإيمان، ورخاء المجتمع لا يكتمل إلا بالأمان.
فالأمان ثمرة من ثمار الإيمان، وحصيلة من حصائل العقيدة الصافية، المرتبطة بالله جلّ وعلا وجدانيًا وبالجوارح عمليًا.
والإيمان والعقيدة الصافية، لا يكون لهما أثر ثابت، ونتيجة ظاهرة مرضية، إلا بعد الدخول في الإسلام وفهمه جيداً، ثم تطبيقه عملاً؛ لأنه الدين الذي لا يقبل الله من الثقلين: الجن والإنس إلا هو، كما قال سبحانه:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، إلا أنه هو المدخل لعقيدة الإيمان؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» (1)، وهذه الشهادة أول أركان الإسلام الخمسة، فيجب لهذا أن يكون الإنسان مسلمًا بلسانه وجوارحه، ويسلم الناس من أعماله السيئة، فلا يكون إيمان المرء وإسلامه بلسانه فقط، دون أن
(1) صحيح البخاري الإيمان (25)، صحيح مسلم الإيمان (22).
تكون جذوره راسخة في قلبه، فهو ليس بالادعاء أو الانتماء، ولكنه تحقيق وبرهان، يقول سبحانه:{قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} .
فمرتبة الإيمان: أعلى من مرتبة الإسلام، ونفس لا إيمان فيها، تبقى مضطربة تتقاذفها الأهواء والنزعات؛ لأنها قلقة، ويحركها أصحاب الأهواء الخفية لمآربهم التي تضر بالأمة، وتبقى تائهة ومضطربة، تتقاذفها الأهواء؛ لأنها لا تسير في هدف يرضى الله عنه، ويحركها أفكار شاذة، وأيدٍ خفيّة، وتجسم أمامها أمور، تجعل أصحابها يتخوّفون من كلّ ما يصوّر أمامهم حتى يسهل توجيههم، وانقيادهم لأمور بدون روية، أو نظرة للعواقب ولا إدراك لما يساقون إليه، من إضرار بالنفس، وبالمجتمع وإرهاب للأمة وقتل النفس البريئة المحرمة بغير حق، وعصيان لولي الأمر، الذي قرن الله طاعته بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهذا من التغرير بالشباب، الجاهلين بالعواقب؛ وقلب المفاهيم عندهم، مما يجب معه إنقاذ الشباب، حتى تتفتح أذهانهم ويعرّفوا بالأمر الحسن؛ ليتجهوا إليه والأمر الضارّ، بعلاماته الدالة عليه، فيحذروا من الانسياق نحوه، فهم أمانة أمام أولياء الأمور، بدءًا بالأسرة والبيت، ثم المدرسة والمجتمع، وكلّ من لديه القدرة على التوجيه والإبانة: من العلماء والمفكرين، والمدركين لبواطن الأمور،
بما أعطاهم الله من فِطنة، استيحاء من قول الشاعر:
أرى تحت الرّماد وميض نار
…
فيوشك أن يكون لها ضرام
من الوسائل:
أما اضطراب النفس فإنه عندما يخفّ ميزان الإيمان، ووازعه من القلب الذي هو الموجه لأعمال البدن؛ لأنها كالسفينة في مهب الريح، فتتقاذفها التيارات البحرية: يمينًا وشمالاً، حيث تموج بها تقلبات البحر يمنة ويسرة، وتميل النفوس مع العوامل المؤثرة، التي تطغى عليها، إذا لم تجد ما يرسّيها، أو يقودها ليوصلها إلى برّ الأمان، والعامل الموطّن للنفس البشرية: هو الإيمان بالله الذي هو الركيزة الثانية في عقيدة المسلم، التي تريحه وتريح المجتمع معه، ليترابط أبناؤه في أمن وأمان، وما ذلك إلا أن لكل نفس مصدرًا تشريعيًا في سلوكها، ومنهجًا عقديًا في تصرفاتها، إلا أن المنهج السليم، هو المصدر الذي رضيه الله سبحانه لعباده المؤمنين، واختصّ به سبحانه خير أمة أخرجت للناس، وهو دينه الحق الذي بعث به رسله وخاتمهم، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول سبحانه:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} .
فإن أيّ منهج غير الإسلام لا يلبّي رغبة ولا يريح نفساً، ولا يحقق أمنًا ترضاه النفوس الصافية، ويريح المجتمعات من المشكلات والفوضى.
وهذا ما يحسّه كل من يراقب كثيرًا من المجتمعات، وما يدور فيها من أمور قد بدأ يتكاثر سوءها، مع التيارات التي تعصف ببعض الأمم، عقابًا عاجلاً من الله؛ لكي تفيق نفوس من غفلتها، يقول سبحانه:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} .
ومن رحمة الله بأمة محمد، أنه لا يعاقبهم – سبحانه – بثل ما عوقبت الأمم السابقة، استجابة لثلاثة أمور طلبها صلى الله عليه وسلم لأمته من ربه، فأعطي اثنتين ومُنِعَ الثالثة، وممّا أعطيه:«ألاّ يهلك أمته كما أهلكت الأمم السابقة بسنة عامة» (1)
وقد جعل الله سبحانه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم مصدرين يُسكِنان اضطراب النفس البشرية، لترتاح بهدي الله في مسيرتها، وتطمئن على حاضر أمرها وأمن مجتمعها هما: كتاب الله، وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهما وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، لما آنس الصحابة من خطبته في حجة الوداع، قرب الفراق فقالوا: يا رسول الله، كأنها خطبة مودّع فأوصنا.
فيجب الحرص على تمكينهما من قلوب الشباب: فهمًا وفكرًا وتطبيقًا ومنهج سلوك، حتى تطمئن قلوبهم وتستقر مشاعرهم، نتيجة هذه الوصيّة، وبهذا تقوى الحصانة الفكرية لديهم؛ لأن العلم في
(1) من حديث سألت: ((ربي ثلاثاً، فأعطيت اثنتين ومنعت الثالثة))، رواه مسلم.
الصغر كالنقش في الحجر، والتسلح بسلاح مكين، وهذا مما يترك أثرًا حسنًا مهما حصل لدى الشباب من غفوة؛ لأنه سريع الإفاقة، إذا وجد مَنْ لديه قدرة على الإقناع والتأثير المحسوس، بقرائنه القريبة من عواطفه.
وأما كون النفس تائهة: فإن من يسير بغير هدى أو معرفة لشرع الله، الذي شرع لعباده فإنه كمن يمشي في ظلام، أو من يسير بغير هدى؛ لأن شرع الله الذي شرع لعباده قد غاب عنه بمن جذبه للمنحدر، وقد بين الله سبحانه حال أولئك التائهين، في تشبيه دقيق محسوس، فقال عز وجل:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} .
وهذا ما يجب بذل الجهد فيه، حتى لا تتيه العقول، ومن ثم تضيع الأفكار في مسارب ضالة، بعيدة عن المنهج السليم، المستمدّ من مصدري التشريع في دين الإسلام، بدون تأويل أو انحراف.
ولأن طريق المسلك الصحيح في العبادة والعقيدة، كالطرق الموصلة من مكان لمكان، فالذين يأخذون المعروف منها بعلاماته وإرشاداته، فهذا هو الآمن الموصّل للهدف بطمأنينة وارتياح، أما
غيره من الطرق فإنها تؤدي للضياع، والاضطراب النفسي، ومن ثَمّ يدفع للفساد والإفساد، ويقوده لذلك الفكر الضال المغذّى بالحقد والكراهية، المستمد من أعداء دين الله سبحانه، رغبة في التفريق بين المسلمين وإضعافهم.
وهذا ما يجب تحصين الشباب به، حتى لا يؤثر فيهم الأعداء، بفكرهم الضال، وتأويلاتهم المجانفة للصواب، وفتاواهم الضالة، فيضرّ نفسه وأهله ومجتمعه، ويتسبب في فتح ثغرة على أمته وبني جنسه.
وبعد أن وجده الأعداء مطية سهلة الركوب، تحقِّق مآرب الخصوم، دون أن يبرزوا في المواجهة: لا هم ولا أعوانهم وهذه أمنيتهم في تضليل شباب الأمة، وقد أورد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وسيلة إيضاح، تقرّب المعقول بالمفهوم في السبل المتعدّدة، التي ستكون منها الفتن بعده.
فقد كان عليه الصلاة والسلام جالسًا بينهم، فخط في الأرض خطًا مستقيماً، ثم خط خطوطًا عديدة على جنباته، وقرأ الآية الكريمة:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
فأشار صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية إلى الخط المستقيم، ثم قرأ عليه الصلاة والسلام، الآية من سورة الأنعام:
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} ، وأشار إلى الخطوط الأخرى.
الاهتمام بالشباب:
ولكي يحرص المجتمع ومعهم العلماء بآرائهم وتوجيهاتهم، بالمحافظة على الشباب، بصفة خاصة، وتمكين الإيمان في قلوبهم، لأنهم هم المستهدفون، من الانجراف مع تيارات أهل الأفكار الضالة، فإنه لابد من رعايتهم والاهتمام بهم، والمحافظة عليهم، بالتحصين الذي يحمي عقولهم، عن الميل لآراء الآخرين، كما أن الأطفال في أمس الحاجة للوقاية والرقابة، عن نماذج ممّا يخرج في وسائل الإعلام، بإعلام سليم يغذي عقولهم بما يمكن عوامل الخير والمنفعة، وذلك بتخصيص قنوات جادّة، وبرامج خاصة للأطفال في أوقات معينة؛ لتكون قاعدة راسخة لأولئك البراعم، عوضًا عما يوجد حاليًا مما هو مستورد، ووراءه مفاهيم بعيدة عمّا يراد تركيزه للطفل المسلم، المعدّ لمهمة كبيرة، وهذا من أهم ترسيخ الإيمان عقيدة، مع الأمانة لتكون خصلة يتحلّون بها، بعد ما يكبرون ولينفعوا أنفسهم ومجتمعهم.
وهذا ليس بدعًا في المجتمع الإسلامي بل أمر واجب.
إذ في كثير من مجتمعات العالم، والغربية منها بصفة خاصة أوقات محددة للبثّ التلفزيوني والفضائيات، وفي دور السينما
للكبار، ويمنع منه الأطفال والنساء، وقد شاهدت هذا بنفسي في ديارهم، وأوقات بثها، وما يعد فيها مما يغذي العقول: مخصصة للأطفال؛ لتنمية ما يريدون في عقولهم؛ ليرسخ ما يريدونه فيهم، ونحن المسلمون في تعاليم ديننا وما شرع الله لنا، قاعدة راسخة في ثقافة الطفل، إذا أحسن الاختيار وتنقية ما يعدّ للطفل، حسب تدرج سنوات عمره، حتى يصير متمكنًا عقيدة، وقويًا في كل أمر يعترضه وفيما ينفعه، وينفع أمته بالشواهد المستدركة، من أبناء الإسلام وأعمالهم، حتى يتأثر بهم ليعمل مثل ما عملوا.
أما أفلام الكرتون الخيالية فهي لا تنمي فكرًا ولا تؤصل عقيدة أو إيماناً، بل ولا يوجد فيها ما يحثّ على الأمانة.
فإن الطفل المسلم في أمسّ الحاجة لأن يوجه إليه ما فيه الخير والنفع، في البث الموجه لهم وبأوقات مخصصة، ويحجب عنهم ما يوجّه للكبار حماية لعقولهم، من التذبذب والاختلاط وفقًا للقاعدة: العلم في الصغر كالنقش في الحجر .. واستبدال ذلك بأمانة وحرصٍ شديدين، حتى يكون المخزون الذهني عندهم جيدًا ونافعًا.
والناحية الشرعية: عند انفصال الزوجين وبينهما أطفال، يجعل القاضي الولاية والحضانة لأسلمهما عقيدة، وأنفعهما تربية وحرصًا دينياً، رعاية للأمانة على العقول التي هي جزء من عقيدة الإيمان.
والأمانة على العقول التي أساسها العقيدة الصافية والمعرفة السليمة بالدين، ألزم من الأمانة على الدرهم والدينار؛ لأن الأساس
أمكن وأسلم من الفرع، فيجب المحافظة عليه.
والأب السّوي لا يتمنى لابنه إلا أمثل السبل وأحسنها؛ لأنه يعتز بذلك وهذا من رعايته للأمانة، التي هي من الإيمان، والطفل أثمن جوهرة في عِقْد الأمة، فيجب رعايته، إذا كنا نريد أجيالاً نافعة صالحة ومصلحة.
وهذه الأمور التي يحفظ الله بها الفرد والمجتم، لا تتمّ ويؤجر عليها الإنسان، إلا بالنية الصادقة بالترابط بين الأمن والإيمان، فإنهما سويًا من مادة (أمن) ولأهمية هذه الدلالة، فإن هذه المادة (أمِنَ) ومشتقاتها، قد جاءت في كتاب الله جل وعلا، أكثر من ثمانمائة (800) مرة، مما يبرهن على المكانة في الدلالة (1) والحرص على العمل، ولما يوليه الإسلام من عناية، في التوجيه للنفوس البشرية، وما فيه من مصالح فردية، وجماعية.
وهذا من الرقابة الذاتية التي يحسن أن تتمكن عند الشباب، خاصة منذ كانوا أطفالاً حتى يدركوا ما عليهم من دور، وما يجب على من يعنيه توجيههم وتعليمهم من تعاون، في تنبيه هؤلاء للمخاطر المحذّر منها، ومن ذلك حسن الاختيار في المصاحبة والمدارسة .. والبعد عن قرناء لا يطمئن لأفكارهم، ويمثل ذلك في قصص وصور في المواد الدراسية، مما ينمي عقيدة الإيمان وعلاقته بالأمن، والبعد عن كل أمر ضار بالفرد أو المجتمع.
(1) تراجع معاني هذه المشتقات في المعاجم، ومنها المعجم الوسيط في اللغة.
فيعطون العلاج المريح على جرعات تُرَاقَبُ نتائجها، كما يعمل الطبيب مع المريض في وصفه للعقاقير وطريقة تناولها، ويُراَقبُ ذهن كل شاب، وفهمه للأحداث من حوله، كما يراقِبُ الطبيب آثار الأدوية مع مريضه .. ومع النية المخلصة –بتوفيق الله-تطمئن القلوب، ويأمن المجتمع.
وقد رسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأمته طريقًا من سلكه، وسار فيه – كما قلنا من قبل – سَلِمَ ونجا؛ لأنه عليه الصلاة والسلام، ناصح ومرشد لما فيه الخير والصلاح، وهو خير معلم وموجه عليه الصلاة والسلام.
وحذيفة بن اليمان الصحابي الجليل يقول: «كنت أتعلّم الشر مخافة الوقوع فيه، وكان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر» (1)؛ ولذا علّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم المنافقين، فكان أمين سرّ رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ولا يجب على الجميع: شبابًا وشيوخًا رجالاً ونساءً أن يعتدّوا بقدراتهم ونظراتهم، لما يدور حولهم بل لا بدّ من الاستشارة والمناصحة، وسؤال الله، بتثبيت القلوب على الحق، والعقيدة الإيمانية الصادقة، إذ إن من انحرف عن جادة الصواب، يعتقد طريقه هو الأمثل والأصوب، وعندما تختلف المعايير وتختلط الأفكار، فإن الله قد أمر بسؤال أهل العلم، المستمد علمهم من مصدري التشريع الإسلامي: كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه
(1) صحيح البخاري المناقب (3606)، صحيح مسلم الإمارة (1847)، سنن أبو داود الفتن والملاحم (4244)، سنن ابن ماجه الفتن (3979)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 387).