المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفائدة العاشرة: في نشر مآثر الإمام محمد وشيخيه أبي يوسف وأبي حنيفة: - التعليق الممجد على موطأ محمد - جـ ١

[أبو الحسنات اللكنوي - محمد بن الحسن الشيباني]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمات الطبع والتحقيق]

- ‌تقدِيم بقَلم سَمَاحَةِ الشَّيخ أبي الحَسَن عَلي الحَسَني النَّدوي

- ‌تَقدمة بقلم الأستاذ عَبد الفتاح أبو غُدّة

- ‌حفظ الله تعالى للسنة:

- ‌نصيب المدينة من السنة أوفى نصيب وسَبْقُها في تدوين السنة:

- ‌تأليف مالك الموطأ:

- ‌تأريخ تأليف الموطأ:

- ‌الموطأ أوَّلُ ما صُنِّف في الصحيح:

- ‌مكانة "الموطأ" وصعوبة الجمع بين الفقه والحديث:

- ‌كبار الحفاظ الأقدمين وحدود معرفتهم بالفقه:

- ‌الإمامة في علم تجتمع معها العامية في علم آخر:

- ‌يُسر الرواية وصعوبة الفقه والاجتهاد:

- ‌مزايا "الموطأ

- ‌كلمةٌ عن روايات الموطأ عن مالك:

- ‌كلمات في ترجمة محمد بن الحسن راوي الموطأ وكلمات في العمل بالرأي الذي يُغمَزُ به:

- ‌كلماتٌ في العمل بالرأي الذي يُغمزُ به محمد بن الحسن والحنفيةُ وغيرهم:

- ‌ظلم جملة من المحدثين لأبي يوسف ومحمد الفقيهين المحدثين:

- ‌كلمات للإمام ابن تيمية في دفع الجرح بالعمل بالرأي:

- ‌تحجُّر الرواة وضيقهم من المشتغل بغير الحديث:

- ‌الردُّ على من قدح في أبي حنيفة بدعوى تقديمه القياس على السنة:

- ‌كلمات في ترجمة الشارح الإمام اللكنوي:

- ‌أهميةُ طبع كتاب التعليق الممجد:

- ‌مقدمة المحقِّق [د. تقي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف بجامعة الإمارات العربية المتحدة]

- ‌تَرجمَة "العَلاّمة فَخر الهِند عبد الحَي اللَّكنَوي" (من "نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواطر"، للشيخ السيد عبد الحيّ الحَسَني (م 1341 هـ) : 8/234)

- ‌مقَدِّمَة الشَّارح

- ‌مقَدمة: فيهَا فوائد مُهمَّة

- ‌[الفائدة] الأولى: في كيفية شيوع كتابة الأحاديث وبَدْء تدوين التصانيف، وذكر اختلافها مَقصِداً، وتنوّعها مسلكاً، وبيان أقسامها وأطوارها

- ‌الفائدة الثانية: في ترجمة الإمام مالك

- ‌الفائدة الثالثة: في ذكر فضائل الموطّأ وسبب تسميته به وما اشتمل عليه

- ‌الفائدة الرابعة: قد يُتَوَهَّم التعارض بين ما مرَّ نقله عن الشافعي

- ‌الفائدة الخامسة: من فضائل الموطّأ اشتماله كثيراً على الأسانيد التى حكم المحدثون عليها بالأصحية

- ‌الفائدة السادسة: قال السيوطي: في "تنوير الحوالك

- ‌الفائدة السابعة: [نسخ الموطأ]

- ‌الفائدة الثامنة: [عدد أحاديثه]

- ‌الفائدة التاسعة: في ذكر من علق على موطّأ الإمام مالك

- ‌الفائدة العاشرة: في نشر مآثر الإِمام محمد وشيخيه أبي يوسف وأبي حنيفة:

- ‌الفائدة الحادية عشرة: [أهمية رواية محمد، وترجيحها على رواية يحيى المشهورة]

- ‌الفائدة الثانية عشرة: في تعداد الأحاديث والآثار التي في موطأ الإمام محمد [بالتفصيل] :

- ‌خاتمة:

- ‌أبواب الصلاة

- ‌2 - (بَابُ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ)

- ‌5 - (بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ مسِّ الذَّكر)

- ‌8 - (بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الرُّعاف)

- ‌10 - (بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَذْيِ)

- ‌12 - (بَابُ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ)

- ‌15 - (بَابُ الاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ)

- ‌17 - (بَابُ الاغْتِسَالِ يَوْمِ الجُمُعة)

- ‌18 - (بَابُ الاغْتِسَالِ يومَ الْعِيدَيْنِ)

- ‌24 - (بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ

- ‌25 - (باب المرأة ترى الصُّفرة والكُدْرة

- ‌26 - (بَابُ الْمَرْأَةِ تَغْسِل بعضَ أعضاءِ الرَّجُلِ وَهِيَ حَائِضٌ)

- ‌27 - (باب الرجل يغتسلُ أو يتوضأ بِسُؤْرِ الْمَرْأَةِ

- ‌28 - (بَابُ الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الهِرّة)

- ‌29 - (باب الأَذَانِ وَالتَّثْوِيبِ

- ‌30 - (بَابُ الْمَشْيِ إِلَى الصَّلاةِ وَفَضْلِ الْمَسَاجِدِ)

- ‌34 - (باب القراءة في الصلاة خلف الإمام

- ‌39 - (باب السهو في الصلاة)

- ‌42 - (بَابُ السُّنَّةِ فِي السُّجُودِ)

- ‌43 - (بَابُ الْجُلُوسِ فِي الصَّلاةِ)

- ‌44 - (بَابُ صَلاةِ الْقَاعِدِ)

- ‌45 - (بَابُ الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ)

- ‌46 - (بَابُ صَلاةِ اللَّيْلِ)

- ‌7 - (بابُ الحدَثِ فِي الصَّلاةِ)

- ‌8 - (بَابُ فَضْلِ الْقُرْآنِ وَمَا يُستحبُّ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عز وجل

- ‌50 - (باب الرجلان يصلِّيانِ جَمَاعَةً)

- ‌52 - (بَابُ الصلاةِ عِنْدَ طلوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا)

- ‌53 - (بابُ الصلاةِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ)

- ‌54 - (بَابُ الرَّجُل يَنْسَى الصلاةَ أَوْ تفوتُهُ عَنْ وَقْتِهَا)

- ‌56 - (بَابُ قَصْرِ الصَّلاةِ فِي السَّفَرِ)

- ‌57 - (بَابُ الْمُسَافِرِ يَدْخُلُ المِصْرَ أَوْ غيرَه مَتَى يُتِمّ الصلاةَ)

- ‌58 - (باب الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاةِ فِي السَّفَرِ)

- ‌59 - (بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْمَطَرِ)

- ‌60 - (بَابُ الصَّلاةِ عَلَى الدَّابَةِ فِي السَّفَرِ)

- ‌61 - (بَابُ الرَّجُلِ يصلِّي فَيَذْكُرُ أنَّ عَلَيْهِ صَلاةً فَائِتَةً)

- ‌64 - (بَابُ فَضْلِ الْعَصْرِ وَالصَّلاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ)

- ‌65 - (بَابُ وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الطِّيبِ وَالدِّهَانِ

- ‌66 - (بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي صَلاةِ الْجُمُعَةِ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الصَّمْتِ

- ‌67 - (بَابُ صَلاةِ الْعِيدَيْنِ وَأَمْرِ الْخُطْبَةِ)

- ‌68 - (بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ العيد أبو بَعْدَهُ)

- ‌69 - (بَابُ القراءةِ فِي صَلاةِ الْعِيدَيْنِ)

- ‌70 - (بَابُ التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ

- ‌72 - (بابُ القنوتِ فِي الْفَجْرِ)

- ‌73 - (بَابُ فضلِ صلاةِ الْفَجْرِ فِي الْجَمَاعَةِ وَأَمْرِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ)

- ‌74 - (بَابُ طولِ القراءةِ فِي الصَّلاةِ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنَ التَّخْفِيفِ)

- ‌75 - (بابُ صلاةِ المغربِ وترُ صلاةِ النَّهار)

الفصل: ‌الفائدة العاشرة: في نشر مآثر الإمام محمد وشيخيه أبي يوسف وأبي حنيفة:

‌الفائدة العاشرة: في نشر مآثر الإِمام محمد وشيخيه أبي يوسف وأبي حنيفة:

- وهم المراد بأئمتنا الثلاثة في كتب أصحابنا الحنفية، ويعرف الأوّلان بالصاحبين، والثانيان بالشيخين، والأول والثالث بالطرفين، وقد ذكرت تراجمهم في كثير من الرسائل، كمقدمة الهداية، ومقدمة الجامع الصغير، وطبقات الحنفية، وغيرها، والآن نذكر قدراً ضرورياً منها.

- أما محمد، فهو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني (انظر ترجمته في: وفيات الأعيان 1/574، تهذيب الأسماء واللغات 1/80، البداية والنهاية 1/202، الكامل في التاريخ 6/14، طبقات الفقهاء للشيرازي 114، تاريخ بغداد 2/172 - 182، الفوائد البهية 163) نسبة ولاء إلى شيبان، بفتح الشين المعجمة، قبيلة معروفة، الكوفي، صاحب الإمام أبي حنيفة، أصله من دمشق، من أهل قرية يُقال لها حَرسَتا، بفتح الحاء المهملة وسكون الراء المهملة وفتح السين المهملة، قدم أبوه العراق، فوُلد له محمد بواسط، ونشأ بالكوفة، وتلمذ لأبي حنيفة، وسمع الحديث عن مسعر بن كدام، وسفيان الثوري، وعمرو بن دينار، ومالك بن مغول، والإمام مالك بن أنس، والأَوزاعي، وربيعة بن صالح، وبكير، والقاضي أبي يوسف، وسكن بغداد وحدّث بها، وروى عنه الإمام الشافعي محمد بن إدريس، وأبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني، وهشام بن عبيد الله الرازي، وأبو عبيد القاسم بن سلاّم، وعلي بن مسلم الطوسي، وأبو حفص الكبير، وخلف بن أيوب. وكان الرشيد ولاّه القضاء بالرقة، فصنف كتاباً مسمّى بالرقيات، ثم عزله، وقدم بغداد، فلما خرج هارون الرشيد إلى الري الخرجة الأولى، أمره، فخرج معه، فمات بالري، سنة تسع وثمانين ومائة. وحُكي عنه أنه قال: مات أبي، وترك ثلاثين ألف درهم، فأنفقت خمسة عشرة ألفاً على النحو والشعر، وخمسة عشر ألفاً على الحديث والفقه، وقال الشافعي: ما رأيت سميناً أخف روحا من محمد بن الحسن، وما رأيت أفصح منه، كنت أظنّ إذا رأيتُه يقرأ القرآن كأن القرآن نزل بلغته، وقال أيضاً: ما رأيت أعقل من محمد بن الحسن، وروي عنه أن رجلاً سأله عن مسألة فأجابه،

ص: 114

فقال الرجل: خالفك الفقهاء: فقال له الشافعي: وهل رأيتَ فقيهاً قط؟ اللهم إلَاّ أن يكون رأيت محمد بن الحسن. ووقف رجل على المزني، فسأله عن أهل العراق، فقال: ما تقول في أبي حنيفة؟ فقال: سيدهم، قال" أبو يوسف؟ قال: أتبعهم للحديث، قال: فمحمد بن الحسن؟ قال: أكثرهم تفريعاً؟ قال: فزفر أحدُّهم قياساً، وروي عن الشافعي أنه قال: ما ناظرتُ أحداً إلَاّ تغَّير وجهه ما خلا محمد بن الحسن، ولو لم يعرف لسانهم لحكمنا أنهم من الملائكة، محمد في فقهه، والكِسَائي في نحوه، والأصمعي في شعره، وروي عن أحمد بن حنبل أنه قال: إذا كان في المسألة قول ثلاثة لم يُسمع مخالفتهم، فقيل له: من هم؟ قال: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، فأبو حنيفة أبصرهم بالقياس وأبو يوسف أبصر الناس بالآثار، ومحمد أبصر الناس بالعربية. هذا كله أورده السمعاني في "كتاب الأنساب"(7/431 ط بيروت) .

وقال أبو عبد الله الذهبي في "ميزان الاعتدال"(3/513) : محمد بن الحسن الشيباني أبو عبد الله أحد الفقهاء ليَّنه النسائي وغيره من قِبَل حفظه، يروي عن مالك بن أنس وغيره، وكان من بحور العلم والفقه، قوياً في مالك. انتهى.

وقال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان"(5/121 - 122) : هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني مولاهم، ولد بواسط، ونشأ بالكوفة، وتفقّه على أبي حنيفة، وسمع الحديث من الثوري ومسعر وعمر بن ذر، ومالك بن مغول، والأوزاعي، ومالك بن أنس، وربيعة بن صالح، وجماعة، وعنه الشافعي، وأبو سليمان الجوزجاني، وهشام الرازي، وعلي بن مسلم الطوسي، وغيرهم، ولي القضاء في أيام الرشيد، وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال محمد: أقمت على باب مالك ثلاث سنين، وسمعت منه أكثر من سبعمائة حديث، وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: حملت عن محمد وِقْر بعير كتباً، وقال عبد الله بن علي المديني، عن أبيه في حق محمد بن الحسن: صدوق. انتهى.

ص: 115

وفي "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (هو يحيى بن شرف بن حسن النووي الدمشقي شارح "صحيح مسلم" المتوفى سنة 677 هـ) : قال الخطيب: وُلد محمد بواسط ونشأ بالكوفة، وسمع الحديث بها من أبي حنيفة ومسعر بن كدام وسفيان الثوري وعمر بن ذر، ومالك بن مغول، وكتب أيضاً عن مالك بن أنس، وربيعة بن صالح، وبكير بن عامر، وأبي يوسف، وسكن بغداد، وحدث بها، وروى عنه الشافعي وأبو سليمان الجوزجاني، وأبو عبيد وغيرهم، وقال محمد بن سعد كاتب الواقدي: كان أصل محمد من الجزيرة، وكان أبوه من جند الشام، فقدم واسطاً، فولد له (في الأصل:"فولد بها"، وهو تحريف) محمد سنة ثنتين وثلاثين ومائة، ونشأ بالكوفة، وطلب الحديث، وسمع سماعاً كثيراً، وجالس أبا حنيفة وسمع منه، ونظر في الرأي فغَلب (في الأصل:"فغلبت"، وهو تحريف) عليه، وعُرف به، وتقدم فيه، وقدم بغداد، فنزل بها، واختلف إليه الناس وسمعوا منه الحديث والرأي، وخرج إلى الرقة، وهارون الرشيد فيها، فولاه قضاءها، ثم عزله، فقدم بغداد، فلما خرج هارون إلى الريّ أمره فخرج معه، فمات فيها سنة تسع وثمانين. ثم روى الخطيب بإسناده إلى الشافعي، قال: قال محمد بن الحسن: أقمت على باب مالك ثلاث سنين وكسراً، قال: وكان يقول إنه سمع لفظاً أكثر من سبعمائة حديث، وكان إذا حدثهم عن مالك امتلأ منزله، وكثر الناس حتى يضيق عليهم الموضع، وبإسناده عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، قال: كان محمد يجلس في مسجد الكوفة وهو ابن عشرين سنة، وبإسناده عن الشافعي، قال: ما رأيت مبدناً قط أذكى من محمد بن الحسن، وعنه: كان إذا أخذ في المسألة كأنه قرآن ينزل، لا يقدّم حرفاً ولا يؤخِّره، وعنه كان محمد يملأ العين والقلب، وعنه قال: حملت عنه وِقْري بختي كتباً، وعن يحيى بن معين قال: كتبت "الجامع الصغير" عن محمد بن الحسن، وعن أبي عبيد: ما رأيت أعلم في كتاب الله منه، وعن إبراهيم الحربي، قال: قلت لأحمد: من أين لك هذه المسائل الدقيقة؟ قال: من كتب محمد بن

ص: 116

الحسن، وبإسناده عن أبي رجاء عن محموية، قال: وكنا نُعدّه من الأبدال، قال: رأيت محمد بن الحسن في المنام، فقلت: يا أبا عبد الله، إلَام صرتَ؟ قال: قال لي ربي: إني لم أجعلك وعاء للعلم وأنا أريد أن أعذّبك، قلت: ما فعل أبو يوسف؟ قال: فوقي (أي فوق محمد بن الحسن) قلت: فأبو حنيفة؟ قال: فوقه بطبقات كثيرة. انتهى (الأسماء واللغات 1/80 - 82) ملخصاً.

قلت: بهذه العبارات الواقعة من الأثبات وغيرها من كلمات الثقات التي تركنا ذكرها خوفاً من التطويل، يظهر جلالة قدره وفضله الجميل، فمن طعن عليه كأنه لم تَقْرَع سمْعَه هذه الكلمات، ولم يصل بصره إلى كتب النقاد الأثبات، وكفاك مدح الشافعي له بعبارات رشيقة وكلمات لطيفة، وروايته عنه. وقد أنكر ابن تيمية (يعني أحمد بن عبد الحليم الحَرَّاني الدمشقي المتوفى سنة 728 هـ. (ش)) في "منهاج السنة" الذي ألَّفه في ردّ "منهاج الكرامة" للحِلِّي (يعني الحسن بن يوسف بن مطهَّر الحِلِّي تلميذ الطوسي المتوفى سنة 726 هـ. (ش)) الشيعي تلمذَ الشافعي منه، وقد كذّبه مَنْ قبله كالنووي والخطيب والسمعاني وغيرهم وهم أعلم منه بحال إمامهم.

- أما أبو يوسف: فهو القاضي يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الكوفي، ذكره الذهبي في حفاظ الحديث في كتابه "تذكرة الحفاظ" (1/292 - 294. وله ترجمة في: وفيات الأعيان 6/378، الجواهر المضيّة 2/220، ومرآة الجنان 1/382، البداية والنهاية 10/180، وبروكلمان 3/245، وعبر الذهبي 1/284، النجوم الزاهرة 2/107) ، وقال في ترجمته: سمع هشام بن عروة، وأبا إسحق الشيباني، وعطاء بن السائب وطبقتهم، وعنه محمد بن الحسن الفقيه، وأحمد بن حنبل، وبشر بن الوليد، ويحيى بن معين وعلي بن الجعد، وعلي بن مسلم الطوسي، وخلق سواهم، نشأ في طلب العلم، وكان أبوه فقيراً، فكان أبو حنيفة يتعاهده، قال المزني: أبو يوسف أتبع القوم للحديث، وروى إبراهيم بن أبي داود عن يحيى بن معين، قال: ليس في أهل الرأي أحد أكثر

ص: 117

حديثاً ولا أثبت منه، وروى عباس عنه قال: أبو يوسف صاحب حديث، وصاحب سنة، وقال ابن سماعة: كان أبو يوسف يصلي بعدما ولي القضاء في كل يوم مائتي ركعة، وقال أحمد: كان منصفاً في الحديث، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة، وله أخبار في العلم والسيادة، وقد أفردته وأفردت صاحبه محمد بن الحسن في جزء. انتهى ملخصاً.

قال السمعاني (ص 439 ط قديم) : سمع أبا إسحق الشيباني، وسليمان التيمي، ويحيى بن سعيد (في الأصل:"سعد"، وهو تحريف) ، وسليمان الأعمش، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر العمري، وعطاء بن السائب، ومحمد بن إسحق، وليث بن سعد، وغيرهم، وتلمذ لأبي حنيفة، وروى عنه محمد بن الحسن، وبشر بن الوليد الكندي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وغيرهم، وكان قد سكن بغداد، وولي قضاء القضاة، وهو أول من دُعي بقاضي القضاة في الإسلام، ولم يختلف يحيى بن معين وأحمد وابن المديني في كونه ثقة في الحديث، وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، ونشر علمه في أقطار الأرض. انتهى.

- وأما أبو حنيفة: فله مناقب جميلة، ومآثر جليلة، عقل الإِنسان قاصر عن إدراكها، ولسانه عاجز عن تبيانها، وقد صنّف في مناقبه جمع من علماء المذاهب المتفرقة، ولم يطعن عليه إلَاّ ذو تعصُّبٍ وافرٍ أو جهالة مبيّنة، والطاعن عليه إن كان محدثاً أو شافعياً نعرض عليه كتب مناقبه التي صنفه علماء مذهبه، ونبرز عنده ما خفي عليه من مناقبه التي ذكرها فضلاء مسلكه، كالسيوطي مؤلِّف "تبييض الصحيفة في مناقب الإِمام أبي حنيفة"، وابن حجر المكي مؤلِّف "الخيرات الحسان في مناقب النعمان"، وكالذهبي ذكره في "تذكرة الحفاظ" و "الكاشف"، وأثنى عليه وأفرد في مناقبه رسالة (قد طُبعت هذه الرسالة بعنوان مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، بتحقيق الشيخ محمد زاهد الكوثري، والشيخ أبي الوفاء الأفغاني في بيروت سنة 1408 هـ) ، وابن خَلِّكان ذكر مناقبه في تاريخه، واليافعي

ص: 118

مؤلِّف "مرآة الجنان" ذكر مناقبه فيه، والحافظ ابن حجر العسقلاني ذكره في "التقريب" وغيره، وأثنى عليه، والنووي شارح صحيح مسلم أثنى عليه في "تهذيب الأسماء واللغات"، والإِمام الغزالي أثنى عليه في "إحياء العلوم"، وغيرهم، وإن كان مالكياً نوقفه على مناقبه التي ذكرها علماء مشربه كالحافظ ابن عبد البر وغيره، وإن كان حنبلياً نطلعه على تصريحات أصحاب مذهبه كيوسف بن عبد الهادي الحنبلي مؤلف "تنوير الصحيفة في مناقب أبي حنيفة"، وإن كان من المجتهدين المرتفع عن درجة المقلّدين نسمعه ما جرى على لسان المجتهدين والمحدثين من ذِكْر مفاخره وسرد مآثره، وإن كان عامياً لا مذهب له، فهو من الأنعام، بل هو أضل نقوم عليه بالنكير، ونجعله مستحقاً للتعزيز. وكفاك من مفاخره التي امتاز بها بين الأئمة المشهورين كونه من التابعين، وهو وإن كان مختلَفاً فيه كما قال ابن نجيم المصري في "البحر الرائق شرح كنز الدقائق" في بحث عدم قبول شهادة من يُظهر سب السلف: السب، الشتم، والسلف كما في "النهاية": الصحابة والتابعون وأبو حنيفة. انتهى. وزاد في "فتح القدير"، وكذا العلماء، والفرق بين السلف والخلف، أن السلف الصالح الصدر الأول من الصحابة والتابعين، والخلف: بفتح اللام، مَنْ بعدهم في الخير، وبالسكون في الشر. كذا في "مختصر النهاية" وعَطْفُ أبي حنيفة على التابعين إما عطف خاص على عام بناءً على أنه منهم كما في "مناقب الكردري"، وصرح به في "العناية"، أو ليس منهم بناء على ما صرح به شيخ الإِسلام ابن حجر، فإنه جعله من الطبقة السادسة ممن عاصر صغار التابعين، ولكن لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة، ذكره في "تقريب التهذيب". انتهى كلام البحر، لكن الصحيح المرجَّح هو كونه من التابعين، فإنه رأى أنساً رضي الله عنه بناءً على أن مجرَّد رؤية الصحابة كافٍ للتابعية كما حققه الحافظ ابن حجر في غير "التقريب" والذهبي والسيوطي وابن حجر المكي وابن الجوزي والدارقطني وابن سعد والخطيب والولي العراقي وعلي القاري وأكرم السندي وأبو معشر وحمزة السهمي واليافعي والجزري والتوربشتي والسراج وغيرهم من المحدثين والمؤرخين المعتبرين، ومن أنكره فهو محجوج عليه بأقوالهم، وقد ذكرت تصريحاتهم وعباراتهم في رسالتي "إقامة الحجة على أن الإِكثار في التعبد ليس

ص: 119

ببدعة" (طُبعت هذه الرسالة في حلب 1386 هـ) .

قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ"(1/168) : أبو حنيفة الإِمام الأعظم فقيه العراق النعمان بن ثابت هو زوطا التيمي الكوفي، مولده سنة ثمانين، رأى أنس بن مالك غير مرة لما قدم عليهم الكوفة، رواه ابن سعد عن سيف بن جابر عن أبي حنيفة أنه كان يقوله، وحدث عن عطاء ونافع وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وسلمة بن كهيل وأبي جعفر محمد بن علي وقتادة وعمرو بن دينار وأبي إسحق وخلق كثير، تفقّه به زفر بن هذيل وداود الطائي والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن وأسد بن عمرو والحسن بن زياد ونوح الجامع وأبو مطيع البلخي، وعدة، وكان تفقه بحماد بن أبي سليمان وغيره، وحدّث عنه وكيع ويزيد بن هارون وسعد بن الصلت وأبو عاصم وعبد الرزاق وعبيد الله بن موسى، وبشر كثير، وكان إماماً، ورِعاً، عالماً، عاملاً، متعبّداً، كبير الشأن، لا يقبلُ جوائز السلطان، بل يتّجر ويتكسب، قال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس، وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، وروى أحمد بن محمد بن القاسم عن يحيى بن معين، قال: لا بأس به، ولم يكن متّهماً، ولقد ضربه يزيد بن هبيرة على القضاء، فأبى أن يكون قاضياً، وقال أبو داود: إن أبا حنيفة كان إماماً، وقال بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، قال: كنت أمشي مع أبي حنيفة، فقال رجل لآخر: هذا أبو حنيفة، لا ينام الليل، فقال: والله لا يتحدث الناس عني بما لم أفعل، فكان يُحيي الليل صلاةً ودعاءً وتضرُّعاً. قلت: مناقب هذا الإمام قد أفردتها في جزء. انتهى كلامه.

وقد ذكر النووي في "تهذيب الأسماء"(1/216 - 223) كثيراً من مناقبه في أربع ورقات، نقلاً عن الخطيب وغيره، وذكر أنه وُلد سنه ثمانين، وتوفي ببغداد سنة خمسين ومائة، على الصحيح المشهور بين الجمهور، وفي رواية غريبة أنه توفي سنة إحدى وخمسين، وعن مكي بن إبراهيم أنه توفي سنة ثلاث وخمسين.

ص: 120

وقال ابن حجر المكي في "الخيرات الحسان"(ص 74) ، بعدما ذكر محاسنه ومحامده في ستةٍ وثلاثين فصلاً، في الفصل السابع والثلاثين، قال الحافظ ابن عبد البر ما حاصله: إنه أفرط بعض أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة، وتجاوزوا الحد في ذلك، لتقديمه القياس على الأثر، وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صح الحديث بطل الرأي والقياس، لكنه لم يرو إلَاّ بعض أخبار الآحاد بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدمه إليه غيره وتابعه عليه مثله كإبراهيم النخعي وأصحاب ابن مسعود رضي الله عنه، إلَاّ أنه أكثر من ذلك هو وأصحابه، وغيره إنما يوجَد له ذلك قليلاً، ومن ثَمّ لما قيل لأحمد: ما الذي نُقم عليه؟ قال: الرأي، قيل: أليس مالك تكلم بالرأي، قال: بلى، ولكن أبو حنيفة أكثر رأياً منه، قيل: فهل أتكلم في هذا بحصته وهذا بحصته؟ فسكت أحمد، وقال الليث بن سعد: أحصيت على مالك سبعين مسألة، قال فيها برأيه، وكلها مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم نجد أحداً من علماء الأمة أثبت حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ردَّه إلَاّ بحجة كادِّعاء نسخ أو بإجماع أو طعن في سنده، ولو ردَّه أحد من غير حجة لسقطت عدالته، فضلاً عن إمامته، ولزمه اسمُ الفسق، وعافاهم الله عن ذلك، وقد جاء عن الصحابة اجتهادهم بالرأي، القول بالقياس على الأصول ما سيطول ذكره، وكذلك التابعون. انتهى كلام ابن عبد البَرّ. والحاصل أن أبا حنيفة لم ينفرد بالقول بالقياس، بل على ذلك عامة عمل فقهاء الأمصار. انتهى.

وفي الخيرات الحسان، في الفصل الثامن والثلاثين (ص 84) : قال أبو عمر يوسف ابن عبد البر (في جامع بيان العلم وفضله 2/149) : الذين رَوَوْا عن أبي حنيفة، ووثّقوه، وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلّموا فيه، والذين تكلموا فيه من أهل الحديث أكثر ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس، أي وقد مرّ (أي عند ابن عبد البر في جامع بيان العلم 2/148) أن ذلك ليس بعيب، وقد قال الإمام علي بن

ص: 121

المديني: أبو حنيفة روى عنه الثوري، وابن المبارك، وحماد بن زيد، وهشام، ووكيع، وعباد بن العوام، وجعفر بن عون وهو ثقة لا بأس به، وكان شعبة حسن الرأي فيه، وقال يحيى بن معين: أصحابنا (يعني: أهل الحديث) يفرطون في أبي حنيفة وأصحابه، فقيل له: أكان يكذب؟ قال: لا.

وفي "طبقات شيخ الإسلام التاج السبكي"(1/188) ، الحذر كل الحذر أن تفهم أن قاعدتهم أن الجرح مقدَّم على التعديل، على إطلاقها، بل الصواب أن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه وندر جارحه، وكانت هناك قرينة دالّة على سبب جرحه من تعصب مذهبيّ أو غيره لم يُلتفت إلى جرحه، ثم قال أي التاج السبكي (طبقات الشافعية 1/190) بعد كلام طويل: قد عرفناك أن الجارح لا يُقبل فيه الجرح وإن فسّره في حقّ من غلبت طاعاته على معصيته، ومادحوه على ذامِّيه، ومزكُّوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة تشهد بأن مثلها حامل على الوقيعة فيه من تعصب مذهبي أو مناقشة دنيوية، وحينئذ فلا يلتفت لكلام الثوري (قول الثوري وغيره في أبي حنيفة غير موجود في "الطبقات" المطبوعة، وهو موجود في "الخيرات الحسان": (ص 74) نقلاً عن "الطبقات" فلعلها في بعض النسخ!) في (أبو حنيفة) ، وابن أبي ذئب وغيره في (مالك) ، وابن معين في (الشافعي) ، والنسائي في (أحمد بن صالح) ونحوه، قال: ولو أطلقنا تقديم الجرح لما سلم لنا أحد من الأئمة إذ ما من إمام إلَاّ وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون. انتهى.

وفيه (الخيرات الحسان في مناقب النعمان ص 76) أيضاً في الفصل التاسع والثلاثين في رد ما نقله الخطيب في تاريخه من القادحين فيه (أي في أبي حنيفة رحمه الله تعالى (ش)) : علم أنَّه لم يقصد بذلك إلَاّ جمعَ ما قيل في الرجل على عادة المؤرِّخين، ولم يقصد بذلك انتقاصه، ولا حطّ مرتبته بدليل أنّه قدم كلام المادحين، وأكثر منه ومِن نَقْل مآثره، ثم عقبه بذكر كلام القادحين، ومما يدل على

ص: 122

ذلك أيضاً أن الأسانيد التي ذكرها للقدح لا يخلو غالبها من متكلَّم فيه أو مجهول، ولا يجوز إجماعاً ثلمُ عِرض مسلم بمثل ذلك، فكيف بإمام من أئمة المسلمين، وبفرض صحة ما ذكره الخطيب من القدح عن قائله لا يُعتدّ به، فإنه إن كان من غير أقران الإمام فهو مقلِّد لما قاله أو كتبه أعداؤه، وإن كان من أقرانه فكذلك لما مرّ أن قول الأقران بعضهم في بعض غير مقبول، وقد صرح الحافظان: الذهبي وابن حجر بذلك، قالا: لا سيما إذا لاح أنه لعداوة أو لمذهب، إذ الحسد لا ينجو منه إلَاّ من عصمه الله، قال الذهبي: وما علمت أن عصراً سلم أهله من ذلك إلَاّ عصر النبيين والصدقين، وقال التاج السبكي: ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلُكَ سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض، إلَاّ إذا أُتي ببرهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل وحسن الظن، فدونك، وإلَاّ فاضربْ صفحاً عما جرى بينهم، وإياك، ثم إياك أن تصغي إلى ما اتفق بين أبي حنيفة وسفيان الثوري، أو بين مالك وابن أبي ذئب، أو بين النسائي وأحمد بن صالح، أو بين أحمد والحارث بن أسد المحاسبي، وهلمّ جرّاً، إلى زمان العز بن عبد السلام والتقيّ بن الصلاح، فإنك إذا اشتغلت بذلك وقعت على الهلاك، فالقوم أئمة أعلام، ولأقوالهم محامل، وربما لم نفهم بعضها فليس لنا إلَاّ التراضي والسكوت عما جرى بينهم، كما نفعل فيما جرى بين الصحابة. انتهى.

وفيه أيضاً في "الفصل السادس": صح كما قاله الذهبي أنه رأى أنس بن مالك وهو صغير، وفي رواية مراراً، وكان يخضب بالحمرة، وأكثر المحدثين على أن التابعي من لقي الصحابي، وإن لم يصحبه، وصححه النووي كابن الصلاح، وجاء من طرق أنه روى عن أنس أحاديث ثلاثة (انظر أسماء الصحابة الذين سمع منهم أبو حنيفة في "الجواهر المضية في طبقات الحنفية" للقرشي 1/28)، لكن قال أئمة الحديث: مدارها على من اتهمه الأئمة بالأحاديث، وفي "فتاوى شيخ الإِسلام ابن حجر" أنه أدرك جماعة من الصحابة كانوا بالكوفة، لأن مولده بها سنة ثمانين، فهو من طبقة التابعين، ولم يثبت ذلك لأحد من أئمة الأمصار المعاصرين له، كالأوزاعي بالشام، والحمّادَيْن

ص: 123

بالبصرة، والثوري بالكوفة، ومالك بالمدينة، والليث بن سعد بمصر. انتهى كلام الحافظ، فهو من أعيان التابعين الذين شملهم قوله تعالى:(والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإحْسَانٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَرَضُواعنه)(سورة التوبة: آية 100) . انتهى.

قلت: فهذه العبارات الواردة عن الثقات، لعلها لم تقرع سمع جهلاء عصرنا حيث يطعنون على أبي حنيفة ويحطّون درجته عن المراتب الشريفة، ويأبى الله إلَاّ أن يتم نوره ولو كره الكارهون:{وسيعلمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} (سورة الشعراء: آية 227) . وخلاصة ما اشتهر بينهم، والعجب أنه أدرج بعضَها بعضُهُم في تصانيفهم، أمور: منها: أنه كان يقدم القياس على السنن النبوية، وهذا فرية بلا مرية، ومن شك في ذلك، فليطالع "الخيرات الحسان" و "الميزان" يظهر له أن زعمه موقع له في خسران.

ومنها: أنه كان كثير الرأي ولذا سمَّى المحدثون أصحابه بأصحاب الرأي. وهذا ليس بطعن بالحقيقة، فإن كثرة الرأي والقياس دالّة على نباهة الرجل ووفور عقله عند الأكياس، ولا يفيد العقل بدون النقل ولا النقل بدون العقل، واعتقادنا واعتقاد كل منصف في حقه أنه لو أدرك زماناً كثرت فيه رواية الأحاديث وكشف المحدثون عن جمالها القناع بالكشف الحثيث لقل القياس في مذهبه، كما حققه عبد الوهاب الشعراني في ميزانه (1/53) ، وملاّ معين في كتابه "دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب".

ومنها: أنه قليل الرواية للأخبار النبوية، وهذا أيضاً ليس بطعن في الحقيقة، فإن مرتبته في هذا تُشابه المرتبة الصِّدِّيقّية، فإن كان هذا طعناً، كان أبو بكر الصديق أفضل البشر بعد الأنبياء بالتحقيق مطعوناً، فإنه أيضاً قليل الرواية بالنسبة إلى بقية الصحابة، حاشاهم، ثم حاشاهم عن هذه الوسمة.

ومنها: أنه كان كثير التعبُّد حتى إنه كان يُحيي الليل كلَّه، وهو بدعة ضلالة،

ص: 124

وهذا قول صدر عن غفلة، ولقد قفَّ شعري من سماعه، ووقعت في التعجب من قائله، فإن كثرة العبادة حسب الطاقة كإحياء الليلة كلها وختم القرآن في ليلة، وأداء ألف ركعة، ونحو ذلك منقول بالنقول الصحيحة عن كثير من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الفقهاء والمحدثين، كعثمان، وعمر، وابن عمر، وتميم الداري، وعلي، وشداد بن أوس رضي الله عنهم، ومسروق، والأسود النخعي، وعروة بن الزبير، وثابت البناني، وزين العابدين علي بن الحسين، وقتادة، ومحمد بن واسع، ومنصور بن زاذان، وعلي بن عبد الله بن عباس، والإِمام الشافعي، وسعد بن إبراهيم الزهري، وشعبة بن الحجاج، والخطيب البغدادي، وغيرهم ممن لا يُحصى عددهم، فيلزم أن يكون هؤلاء كلُّهم من المبتدعين، ومن التزمه فهو أكبر المبتدعين الضالِّين، وقد حققت المسألة مع ما لها وما عليها في "إقامة الحجة" (طبع من حلب: كتاب "إقامة الحجة على أن الإكثار في التعبُّد ليس ببدعة" بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة) .

ومنها: أنه قد جرحه سفيان الثوري والدارقطني والخطيب والذهبي وغيرهم من المحدثين. وهذا قول صدر عن الغافلين، فإن مطلق الجرح إن كان عيباً يُترك به المجروح، فليترك البخاري ومسلم والشافعي، وأحمد ومالك ومحمد بن إسحق صاحب المغازي، وغيرهم من أجلّة أصحاب المعاني، فإن كلاًّ منهم مجروح ومقدوح، بل لم يسلم من الجرح أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، فهل يقول قائل: بقبول الجرح فيهم؟ كلا، والله لا يقول به من هو من أرباب العقول، وإن كان بعض أقسام الجرح موجباً لترك المجروح، فالإِمام بريء عنه عند أرباب الإِنصاف والنصوح، فإن بعض الجروح التي جرح بها (في الأصل:"به"، وهو تحريف) مبهم، كقول الذهبي في "ميزان الاعتدال" (ميزان الاعتدال: 1/226) : إسماعيل بن حماد بن الإِمام أبي حنيفة ثلاثتهم ضعفاء. انتهى.

وقد تقرر في الأصول أنه لا يُقبل الجرح المبهم، لا سيما في حق من ثبتت عدالته، وفسرت تعديلاته، واستقرت إمامته، وقد بسطت الكلام في هذه المسألة

ص: 125

في رسالتي "الكلام المبرور والسعي المشكور على رغم أنف من خالق الصحيح والجمهور"، وبعض الجروح صدر من معاصريه وقد تقرر في مقرِّه أن جرح المعاصر لا يُقبل في حق المعاصر، لا سيما إذا كانت لتعصب أو عداوة (قد بسطه المؤلف في كتابه الجرح والتعديل ص 189) ، وإلَاّ فليقبل جرح ابن معين في الشافعي، وأحمد في الحارث المحاسبي، والحارث في أحمد، ومالك في محمد بن إسحق صاحب حديث القُلّتين (قد استوفى المؤلف رحمه الله توثيق (محمد بن إسحاق) في كتابه (إمام الكلام) كل الاستيفاء حتى استوعب عشر صفحات:(ص 192 - 201)) ، والقراءة خلف الإِمام وغيرهم. كلا، والله لا نقبل كلامهم فيهم ونوفيهم حظهم، وبعض الجروح صدر من المتأخرين المتعصِّبين كالدارقطني، وابن عدي، وغيرهما، ممن تشهد القرائن الجلية بأنه في هذا الجرح من المتعسفين، والتعصب أمر لا يخلو منه البشر إلَاّ من حفظه خالق القُوى والقُدَر، وقد تقرر أن مثل ذلك غير مقبول من قائله، بل هو موجب لجرح نفسه، ولقد صدق شيخ الإِسلام بدر الدين محمود العيني في قوله في بحث قراءة الفاتحة من "البناية شرح الهداية"، في حق الدارقطني: من أين له تضعيف أبي حنيفة؟ وهو مستحِقّ للتضعيف، فإنه روى في "مسنده" أحاديث سقيمة، ومعلولة، ومنكرة، وغريبة، وموضوعة. انتهى،

وفي قوله في بحث إجارة أرض مكة ودورها: وأما قول ابن القطان: وعلّته ضعف أبي حنيفة، فإساءة أدب، وقلة حياء منه، فإن مثل الإِمام الثوري، وابن المبارك وأضرابهما وثّقوه وأثَنْوا عليه خيراً فما مقدار من يضعّفه عند هؤلاء الأعلام. انتهى.

وهناك خلق لهم تشدّد في جرح الرواة يجرحون الرواة من غير مبالاة ويدرجون الأحاديث الغير الموضوعة في الموضوعات، منهم: ابن الجوزي، والصغاني، والجوزقاني، والمجد الفيروزآبادي، وابن تيمية الحَرَّاني الدمشقي، وأبو الحسن بن القطان وغيرهم كما بسطته في "الكلام المبرم" و "الأجوبة الفاضلة" فلا يجترئ على قبول قولهم من دون التحقيق إلَاّ من هو غافل عن أحوالهم، ومنهم من عادتُهُ في تصانيفه كابن عدي في "كامله"، والذهبي في "ميزانه" أنه يذكر كل ما قيل في الرجل من دون الفصل بين المقبول والمهمل، فإيّاك، ثم إيّاك أن تجرح أحداً

ص: 126

بمجرد قولهم من دون تنقيده بأقوال غيرهم، كما ذكرتُ كل ذلك في "السعي المشكور في ردّ المذهب المأثور"، وبعض الجروح لا تثبت برواية معتبرة كروايات الخطيب في جرحه، وأكثر من جاء بعده عيال على روايته، فهي مردودة ومجروحة.

ومنها: أن كثيراً من تلامذته كانوا من الوضّاعين والمجروحين: كنوح الجامع، وأبي مطيع البلخي، والحسن اللؤلؤي. وهذا جرح مخالف لقوله تعالى:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ولو كان هذا جرحاً لكان كثير من سادات أهل البيت كجعفر الصادق، ومحمد الباقر، ومن فوقهما من المجروحين، فإن كثيراً من تلامذتهم كانوا رفاضاً كذابين.

ومنها: أنه روى كثيراً عن الضعفاء. وهذا أمر مشترك بين العلماء، فإن كثيراً من رواة الشافعي ومالك وأحمد والبخاري ومسلم ومن يحذو حذوهم كانوا ضعفاء.

ومنها: أنه كان قليل العربية، وهذا الطعن أدرجه بعضهم في تصانيفهم، مع كونه غير قادح عند أهل الحديث وحَمَلة الأخبار، ومع تصريح الثقات بجوابه والاعتذار كما في "تاريخ" ابن خَلَّكان بعد ذكر كثير من مناقبه، وكثير من مدائحه: وقد ذكر الخطيب في "تاريخه" شيئاً كثيراً منها، ثم أعقب ذلك بذكر ما كان الأليق تركه والإِضراب عنه، فمثل هذا الإِمام لا يُشَكّ في دينه، ولا في ورعه ولا تحفّظه، ولم يكن يُعاب بشيء سوى قلة العربية، فمن ذلك ما رُوي أن أبا عمرو بن العلاء المُقرئ النَّحْوي سأله عن القتل بالمُثَقَّل: هل يوجب القَوَد أم لا؟ كما هو عادة مذهبه خلافاً للشافعي، فقال له أبو عمرو: ولو قتله بحجر المنجنيق؟ فقال: ولو قتله بأبا قبيس يعني الجبل المُطِلّ بمكة، وقد اعتذروا عن أبي حنيفة أنه قال ذلك على لغة من يقول: إن الكلمات الست المعربة بالحروف وهي أبوه وأخوه وحَمُوه وهَنُوه وفُوه وذو مال، إعرابها يكون في الأحوال الثلاث بالألف، وأنشدوا في ذلك:

إن أباها وأبا أباها * قد بلغا في المجد غايتاها

انتهى.

وبالجملة فمناقب الإِمام لا تُحصى ولا تعد، ومعائبه وجروحه غير مقبولة على

ص: 127