الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
10 - (بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَذْيِ)
(1)
42 -
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ (2)(3) أَبُو النَّضر (4) مَوْلَى عُمَرَ (5) بْنِ عُبَيْدِ بْنِ معمرِ التَّيمي (6) ، عَنْ سُلَيْمَانَ (7) بنِ يَسَار، عن المِقدادِ (8) بنِ الأسود،
(1) قوله: من المذي، بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وتخفيف الياء على الأفصح، ثم بكسر الذال وشدّ الياء، ثم الكسر مع التخفيف، ماء أبيض رقيق لَزِج يخرج عند الملاعبة، أو تذكّر الجماع، أو إرادته.
(2)
ابن أبي أمية القرشي.
(3)
قوله: سالم أبو النضر، المدني، روى عن أنس والسائب بن يزيد، وعنه مالك والليث والسفيانان، وثّقه أحمد وغيره، مات سنة 129 هـ، كذا في "الإسعاف".
(4)
بالضاد المعجمة.
(5)
بضم العين.
(6)
قوله: ابن معمر، بن عثمان بن عمرو بن سعد بن تيم القرشي، كان أحد وجوه قريش وأشرافها، مات بدمشق سنة اثنين وثمانين، وجدُّه معمر صحابي ابن عم أبي قحافة والد أبي بكر الصديق، قاله الزرقاني.
(7)
قوله: سليمان بن يسار، أحد الأعلام، قال النسائي: كان أحد الأئمة، وقال أبو زرعة: ثقة مأمون فاضل، مات سنة 107 هـ، كذا في "الإسعاف".
(8)
قوله: عن المقداد، بن عمرو بن ثعلبة الكندي، المعروف بابن الأسود كان الأسود بن عبد يغوث، قد تبناه وهو صغير فعُرف به، شهد بدراً والمشاهد كلّها، مات سنة 33 هـ كذا في "الإسعاف". وقال ابن عبد البر: هذا الإسناد ليس بمتصل لأن سليمان بن يسار لم يسمع من المقداد ولا من علي، ولم يرَ واحداً
أَنَّ عليَّ (1) بنَ أَبِي طالبٍ رضي الله عنه أَمَرَهُ (2) أنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الرَّجُلِ إِذَا دَنَا (3) مِنْ أَهْلِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ المَذْيُ مَاذَا عَلَيْهِ (4) ؟ فإن عندي (5)
منهما، فإنه ولد سنة أربع وثلاثين، ولا خلاف أن المقداد توفي سنة ثلاث وثلاثين، وبين سليمان وعلي في هذا الحديث ابن عباس أخرجه مسلم، كذا في "التنوير".
(1)
قوله: أن عليّ بن أبي طالب، اسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، نشأ عليّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى معه أول الناس، وشهد المشاهد كلها سوى تبوك، ومناقبه كثيرة، قُتل ليلة الجمعة لثلاث عشرة بقيت من رمضان سنة 40 هـ بالكوفة، كذا في "الإسعاف".
(2)
قوله: أمره، وللنسائي أن عليّاً أمر عمّاراً أن يسأل، ولابن حبان أن عليّاً، قال: سألت (وبسط العيني اختلاف الروايات في ذلك (عمدة القاري 2/36) . واختلف العلماء في الجمع بينها بأقوال: فجمع ابن حبان بأن علياً رضي الله عنه أمر عماراً أن يسأل ثم أمر المقداد بذلك ثم سأل بنفسه، قال الحافظ في الفتح (1/263) وهو جمع جيد إلا آخره فيخالفه قوله:"وأنا أستحيي" فتعيَّن حملهُ على المجاز بأن بعض الرواة أطلق أنه سأله لكونه الآمر بذلك، وبه جزم الإسماعيلي والنووي.
وجمع بعضهم بأن السؤال بالواسطة كان لخصوص نفسه وباشر بنفسه عن مطلق حكم المذي، وقيل غير ذلك. انظر "الكوكب الدرّيّ على جامع الترمذي 1/146") .
(3)
أي قرب.
(4)
أي ما يجب عليه.
(5)
أي تحت عقدي.
ابنَته (1)(2) وأنا أَستَحي (3) أَنْ أسأَلهُ، فَقَالَ المِقداد: فسألتُه، فَقَالَ: إِذَا وَجَدَ أحدُكم ذَلِكَ فلينضَح (4) فَرْجَهُ، وليتوضَّأ وُضوءَهُ (5) لِلصَّلاةِ (6) .
43 -
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي زيدُ (7) بنُ أسلَمَ،
(1) فاطمة.
(2)
علة لأمره بالسؤال وعدم سؤاله بنفسه.
(3)
قوله: وأنا أستحيي
…
إلخ، ذكر اليافعي في "الإرشاد والتطريز بفضل تلاوة القرآن العزيز" أن الحياء على أقسام: حياء جناية كآدم لما قيل له أفِراراً منا؟ قال: بل حياء منك، وحياء التقصير كحياء الملائكة يقولون: ما عبدناك حق؟؟ عبادتك، وحياء الإجلال كإسرافيل تسربل بجناحه حياءً من الله، وحياء الكرم كحياء النبي عليه السلام كان يستحيي من أمته أن يقول: اخرجوا، فقال الله:{ولَا مُسْتَأنسين لِحَديثٍ} . وحياء حشمة كحياء عليّ حين أمر المقداد بالسؤال عن المذي لمكان فاطمة. وحياء الاستحقار كموسى قال: لتعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحيي أن أسألك يارب. فقال له: سلني حتى ملح عجينك وعلف شاتك. وحياء هو حياء الرب جل جلاله حين يستر على عبده يوم القيامة. هذا ما نقله اليافعي، عن "رساله" القشيري.
(4)
قوله: فلينضح، ضبطه النووي بكسر الضاد، وقال الزركشي: كلام الجوهري يشهد له (في الأصل: "يشهده"، والظاهر: "يشهد له") ، لكن نقل عن صاحب الجامع أن الكسر لغة والأفصح الفتح.
(5)
أي مثل وضوئه.
(6)
قوله: للصلاة، قال الرافعي: لقطع احتمال حمل التوضؤ على الوضاءة الحاصلة بغسل الفرج.
(7)
قوله: زيد، أبو عبد الله، قال يعقوب بن شيبة: ثقة من أهل الفقه والعلم، كان عالماً بالتفسير له فيه كتاب، توفي سنة 136 هـ، كذا في "الإسعاف".
عَنْ أَبِيهِ (1) ، عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، قَالَ: إِنِّي لأَجِدُهُ (2) يتحدَّرُ (3) مِنِّي مثلَ الخُرَيْزة (4) ، فَإِذَا وَجَدَ أَحدُكم ذَلِكَ فليَغْسِلْ فَرْجَهُ وليتوضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ: يَغْسِلُ موضعَ (5) المذْيِ (6) وَيَتَوَضَّأُ (7) وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله.
(1) أسلم، مولى عمر ثقة مخضرم، مات سنة 87 هـ، كذا في "الإسعاف" وغيره.
(2)
أي المذي.
(3)
من الحدور ضد الصعود.
(4)
تصغير الخرزة وهو الجوهرة، وفي رواية عنه مثل الجمانة وهي اللؤلؤة.
(5)
الذي خرج منه المذي.
(6)
قوله: موضع المذي، يشير إلى أن المراد بغسل الفرج هو موضع المذي لا غسل الفرج كاملاً (قد ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد إلى غسل موضع النجاسة من الذكر، وعن مالك وأحمد رواية غسل كل الذكر، وعن أحمد رواية ودوب غسل الذكر والإنثيين كما في "المغني" (1/166) و"شرح المهذب"(2/144)) ، وإنما أطلق بناءً على أنه غالباً يتفرّق في مواضع من الذكر فيغسل كله احتياطاً، وأما إذا علم موضعه فيكتفي بغسله.
(7)
قوله: ويتوضأ، لا رخصة لأحد من علماء المسلمين في المذي الخارج على الصحة، وكلهم يوجب الوضوء منه، وهي سنة مجمع عليها بلا خلاف، فإذا كان خروجه لفساد أو علة فلا وضوء فيه عند مالك (خلافاً للأئمة الثلاثة إذ قالوا بنقض الوضوء إلَاّ أن الشافعي يقول: يتوضأ لكل صلاة، وقالت الحنفية: يتوضأ لوقت كل صلاة. انظر (أوجز المسالك 1/267)) ولا عند سلفه وعلماء بلده لأن ما لا يرقأ ولا ينقطع فلا وجه للوضوء منه، كذا في "الاستذكار".
44 -
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا الصَّلْتُ (1) بنُ زُيَيْد أَنَّهُ سَأَلَ سليمانَ (2) بنَ يَسَارٍ عَنْ بللٍ (3) يَجِدُهُ فَقَالَ: انْضَحْ (4) مَا تَحْتَ ثوبِكَ (5) والْهَ (6) عَنْهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا (7) نَأْخُذُ، إِذَا كَثُرَ ذَلِكَ (8) مِنَ الإِنْسَانِ، وَأَدْخَلَ الشيطانُ عَلَيْهِ فِي الشَّكِّ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله.
(1) الصلت، بفتح الصاد المهملة وسكون اللام ابن زُيَيْد مصغر زيد أو زياد الكندي، وثقه العجلي وغيره. قاله الزرقاني.
(2)
أبو أيوب الهلالي المدني.
(3)
أراد به المذي. وفي نسخة: البلل.
(4)
أي اغسل.
(5)
أي إزارك أو سروالك.
(6)
قوله: والْهَ، أمر من لهي يلهى كرضي يرضى: اشتغل عنه بغيره دفعاً للوسواس، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"إذا توضأت فانتضح". رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، أي لدفع الوسواس حتى إذا أحسّ ببلل قدّر أنه بقية الماء لئلا يشوِّش الشيطان فكره ويتسلّط عليه بالوسوسة.
(7)
أي بنضح الماء والإعراض عنه.
(8)
أي خروج المذي.
11 -
(بَابُ الْوُضُوءِ مِمَّا يَشْرَبُ مِنْهُ السِّبَاعُ (1) وَتَلِغُ فِيهِ) (2)
45 -
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (3) ، عَنْ محمدِ بنِ إبراهيمَ (4) بنِ الْحَارِثِ التَّيْمي، عَنْ يَحْيَى (5) بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حاطبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ (6) أنَّ عُمَرَ (7) بنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه خرج في ركبٍ (8)
(1) قوله: السباع، هي ما يفترس الحيوان ويأكله قهراً كالأسد والنمر والذئب ونحوها، كذا في "النهاية".
(2)
يقال: ولغ يلغ ولغاً وولوغاً أي شرب منه بلسانه وأكثر ما يكون الولوغ في السباع، كذا في "النهاية".
(3)
قوله: يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري أبو سعيد المدني قاضيها، عن أنس وعدي بن ثابت وعلى بن الحسين، وعنه وأبو حنيفة ومالك وشعبة، قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، حجة ثبت، مات سنة 143 هـ، كذا في "الإسعاف".
(4)
قوله: محمد بن إبراهيم، وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، وقال أحمد: في حديثه شيء، يروي مناكير، مات سنة 120 هـ، وهو راوي حديث:"إنما الأعمال بالنيات" في رواية محمد بن الحسن، كذا في "الإسعاف".
(5)
ثقة من التابعين، مات سنة 104 هـ، روى له مسلم والأربعة، قاله الزرقاني.
(6)
قوله: بلتعة، بفتح الباء وسكون اللام بعده تاء فوقية مثناة مفتوحة ثم عين مهملة.
(7)
منقطع فإن يحيى لم يدرك عمر.
(8)
الركب اسم جمع كنفر ورهط، وقيل هو جمع راكب كصاحب وصحب.
فِيهِمْ عمرُو (1) بنُ الْعَاصِ، حَتَّى وَرَدُوا حَوْضًا، فَقَالَ عمرُو بنُ الْعَاصِ: يَا صاحبَ الحوضِ هل تَرِدُ (2) حوضَكَ السباع (3) ؟
(1) قوله: فيهم عمرو بن العاص، هو عَمرو - بالفتح - ابن العاص بن وائل السهمي الصحابي، أسلم عام الحديبية، وولي إمرة مصر مرتين، ومات بها سنة نيّف وأربعين، وقيل: بعد الخمسين، كذا ذكره الزرقاني في "شرح المرطأ"، وقال هو في "شرح المواهب اللدنية": العاص بالياء وحذفها، والصحيح الأول عند أهل العربية، وهو قول الجمهور، كما قال النووي وغيره.
وفي "تبصير المنتبه": قال النحاس: سمعتُ الأخفش يقول: سمعت المبرد يقول: هو بالياء لا يجوز حذفها، وقد لهجت العامة بحذفها، قال النحاس: هذا مخالف لجميع النحاة، يعني أنه من الأسماء المنقوصة، فيجوز فيه إثبات الياء وحذفها، والمبرد لم يخالف النحويين في هذا، وإنما زعم أنه سمي العاصي لأنه أعيص بالسيف، أي: أقام السيف مقام العصا، وليس هو من العصيان، كذا حكاه الآمدي هنا، قلت: وهذا إن مشى في العاصي بن وائل، لكنه لا يطرّد لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم غيَّر اسم العاصي بن الأسود والد عبد الله، فسمَّاه مطيعاً، فهذا يدل على أنه من العصيان، وقال جماعة: لم يسلم من عصاة قريش غيره، فهذا يدل لذلك أيضاً.
(2)
قوله: هل ترد، أي: هل تأتي إليه فتشرب منه سباع البهائم كالذئب، والضبع، والثعلب، ونحوها، فإن سؤرها نجس كسؤر الكلب لاختلاطه بلعاب نجس متولِّد من لحمٍ حرامٍ أكلُهُ، ولعله كان حوضاً صغيراً يتنجَّس بملاقاة النجاسة، وإلَاّ فلو كان كبيراً لما سأل، ومعنى قوله "لا تخبرنا"، أي: ولو كنتَ تعلم أنه ترده السباع، لأنّا نحن لا نعلم ذلك، فالماء طاهر عندنا، فلو استعملناه استعملنا ماءً طاهراً، كذا في "الحديقة النديَّة" لعبد الغني النابلسي شرح "الطريقة المحمدية" للبركلي.
(3)
لأجل الشرب حتى تمتنع منه.
فَقَالَ عمرُ بْنُ الخطابْ: يَا صاحبَ الْحَوْضِ، لا تُخْبِرْنا (1) ، فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّباع (2) وتَرِدُ علينا (3) .
(1) قوله: لا تخبرنا، الأظهر أن يُحمل على إرادة عدم التنجيس وبقاء الماء على طهارته الأصلية، ويدل عليه سؤال الصحابي، وإلَاّ فيكون عبثاً، ثم تعليله بقوله:"فإنّا" إشارة إلى أنَّ هذا الحال من ضرورات السفر، وما كُلِّفنا بالتحقيق، فلو فتحنا هذا الباب على أنفسنا لوقعنا في مشقة عظيمة، كذا في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" لعلي القاري رحمه الله.
(2)
هذا بظاهره يؤيِّد مذهب مالك أن الماء طهور لا ينجسه شيء إلَاّ ما غيَّر لونه أو طعمه أو ريحه.
(3)
قوله: وترد....إلخ، قال ابن الأثير في "جامع الأصول": زاد رزين قال: زاد بعض الرواة في قول عمر: "وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لها ما أخذت في بطونها، وما بقي فهو لنا طهور وشراب. انتهى. ونظيره ما رواه ابن ماجه، عن أبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة، تَرِدُها السباع والكلاب والحمر، وعن الطهارة منها، فقال: "لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غبر (معناه:"بقي". انظر مجمع بحار الأنوار 4/3) طهور". وروى الدارقطني في سننه، عن جابر، قيل: يا رسول الله، أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: "نعم، وبما أفضلت السباع". وفي سندهما متكلم فيه.
وبهذه الأحاديث ذهب الشافعية والمالكية إلى أن سؤر السباع طاهر لا يضر مخالطته بالماء، وأما أصحابنا الحنفية فقالوا بنجاسته (سؤر السباع طاهر عند مالك، وكذلك عند الشافعي، وسؤر سباع الوحش نجس عند الإمام وهما روايتان عن الحنابلة (أوجز المسالك: 1/211)) ، وحملو أثر عمر على أن غرضه من قوله:"لا تخبرنا" أنك لو أخبرتنا لضاق الحال فلا تخبرنا، فإنا نرد على
قَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا كَانَ الحوضُ عَظِيمَا إنْ (1) حُرِّكتْ (2) مِنْهُ ناحيةٌ (3) لَمْ تتحرَّكْ بِهِ الناحيةُ الأُخْرَى لَمْ يُفسِدْ (4) ذَلِكَ الماءَ مَا وَلِغَ فِيهِ مِنْ سَبُع، وَلا مَا وَقَعَ فِيهِ من قَذَر (5)
السباع وترد علينا، ولا يضرنا ورودها عند عدم علمنا، ولا يلزمنا الاستفسار عن ذلك. ولو كان سؤر السبع طاهراً لما منع صاحب الحوض عن الإخبار، لأن إخباره حينئذٍ لا يضر، وأما حمله على أن كل ذلك عندنا سواء أخبرتنا أو لم تخبرنا، فلا حاجة إلى إخبارك كما ذكره المالكية والشافعية فهو وإن كان محتملاً لكن ظاهر سياق الكلام يأباه.
وأما قول ابن عبد البر: المعروف عن عمر في احتياطه في الدَّين أنه لو كان ولوغ السباع والحمير والكلب يفسد ماء الغدير لسأل عنه، ولكنه رأى أنه لا يضرّ الماء. انتهى. فمنظور فيه بأن مقتضى الاحتياط ليس أن يسأل عن كل أمر عن نجاسته وطهارته، فإنَّ في الدين سعة (قلت: وإذا كان الغدير عظيماً فولوغ السباع لا يفسده اتفاقاً، فلا حجة فيه لهم ما لم يثبت كون الغدير صغيراً) .
(1)
الجملة صفة مبيِّنة لمعنى العِظَم.
(2)
بصيغة الخطاب العام، وما بعده مفعول، أو بصيغة المجهول وما بعده فاعل.
(3)
أي: جانباً.
(4)
قوله: لم يفسد، أي: لم ينجسه شيء من النجاسات الواقعة فيه، لأنه كالماء الجاري لعدم وصول النجاسة من جانب وقع فيه إلى جانب آخر، فيجوز الوضوء من الجانب الآخر، ووسّع متأخِّرو أصحابنا، فجوَّزوا الوضوء من كل جوانبه إلحاقاً له بالجاري.
(5)
بفتحتين، أي: عين النجاسة.
إلَاّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى رِيحٍ أَوْ طَعْمٍ (1) ، فَإِذَا كَانَ حَوْضاً صَغِيرًا إنْ حُرِّكت مِنْهُ نَاحِيَةٌ تحرَّكَتْ الناحيةُ الأُخْرَى فَوَلَغَ (2) فِيهِ السِّبَاعُ أَوْ وَقَعَ فِيهِ الْقَذَرُ لا يَتَوَضَّأُ (3) مِنْهُ، أَلا يُرَى (4)(5) أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَهُ وَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ (6) ، وَهَذَا كلُّه قولُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله (7) .
(1) قوله: أو طعم، وكذا لون لحديث:"الماء طهور لا ينجسه شيء إلَاّ ما غير طعمه أو لونه أو ريحه"، أخرجه الدارقطني والطحاوي وغيرهما من طريق راشد بن سعد مرسلاً، فإن هذا الحديث محمول عند أصحابنا على الماء الجاري أو ما في حكمه.
(2)
أي: شربت منه بلسانها.
(3)
قوله: لا يتوضأ منه، لاختلاط النجاسة به، وقد قال الله تعالى:{وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (الأعراف: آية 157) والنجاسة من الخبائث، ولم يفرِّق بين حالَتيْ انفرادها واختلاطها، فوجب تحريم استعمال كل ما تيقَّنَا فيه اختلاط النجاسة، وورد في السنَّة:"لا يبولّنَّ أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه"، ومعلوم أن البول في الماء الكثير لا يغيِّر طعمه ولونه وريحه، كذا في "البحر الرائق".
(4)
في نسخة "ألا ترى".
(5)
قوله: ألا يرى
…
إلخ، سند لعدم جواز التوضّؤ من الحوض الصغير عند وقوع النجاسة فيه بأن عمر منع صاحب الحوض عن الإخبار لئلاّ يشكل عليه الأمر، وما ذلك إلَاّ لأنه لو أخبر به لَلَزمه (في الأصل:"لزمه"، والظاهر "لَلَزمه") تركه.
(6)
أي: عن الإخبار.
(7)
قوله: قول أبي حنيفة، المذاهب في هذا الباب خمسة عشر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأول: مذهب الظاهرية: أن الماء لا يتنجَّس مطلقاً وإن تغيَّر لونه أو طعمه أو ريحه، لحديث:"الماء طهور لا ينجِّسه شيء". أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم.
والثاني: مذهب المالكية: أنه لا يتنجَّس إلَاّ ما تغيَّر لونه أو طعمه أو ريحه، لما مرَّ من حديث فيه الاستثناء.
والثالث: مذهب الشافعية: أنه إن كان قلتين لا يتنجَّس وإلَاّ يتنجَّس لحديث: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث. أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما.
هذه ثلاثة مذهب والباقية لأصحابنا.
الأول: ما ذكره محمد ههنا، وهو التحديد بالتحريك، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه القدماء، وغلط من نسب إليه غيره.
والثاني: التحديد بالكدرة.
والثالث: التحديد بالصبغ.
والرابع: التحديد بالسبع في السبع.
والخامس: التحديد بالثمانية في الثمانية.
والسادس: عشرين في عشرين.
والسابع: العشر في العشر، وهو مذهب جمهور أصحابنا المتأخِّرين.
والثامن: خمسة عشر في خمسة عشر.
والتاسع: اثنا عشر في اثنا عشر.