المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌34 - (باب القراءة في الصلاة خلف الإمام - التعليق الممجد على موطأ محمد - جـ ١

[أبو الحسنات اللكنوي - محمد بن الحسن الشيباني]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمات الطبع والتحقيق]

- ‌تقدِيم بقَلم سَمَاحَةِ الشَّيخ أبي الحَسَن عَلي الحَسَني النَّدوي

- ‌تَقدمة بقلم الأستاذ عَبد الفتاح أبو غُدّة

- ‌حفظ الله تعالى للسنة:

- ‌نصيب المدينة من السنة أوفى نصيب وسَبْقُها في تدوين السنة:

- ‌تأليف مالك الموطأ:

- ‌تأريخ تأليف الموطأ:

- ‌الموطأ أوَّلُ ما صُنِّف في الصحيح:

- ‌مكانة "الموطأ" وصعوبة الجمع بين الفقه والحديث:

- ‌كبار الحفاظ الأقدمين وحدود معرفتهم بالفقه:

- ‌الإمامة في علم تجتمع معها العامية في علم آخر:

- ‌يُسر الرواية وصعوبة الفقه والاجتهاد:

- ‌مزايا "الموطأ

- ‌كلمةٌ عن روايات الموطأ عن مالك:

- ‌كلمات في ترجمة محمد بن الحسن راوي الموطأ وكلمات في العمل بالرأي الذي يُغمَزُ به:

- ‌كلماتٌ في العمل بالرأي الذي يُغمزُ به محمد بن الحسن والحنفيةُ وغيرهم:

- ‌ظلم جملة من المحدثين لأبي يوسف ومحمد الفقيهين المحدثين:

- ‌كلمات للإمام ابن تيمية في دفع الجرح بالعمل بالرأي:

- ‌تحجُّر الرواة وضيقهم من المشتغل بغير الحديث:

- ‌الردُّ على من قدح في أبي حنيفة بدعوى تقديمه القياس على السنة:

- ‌كلمات في ترجمة الشارح الإمام اللكنوي:

- ‌أهميةُ طبع كتاب التعليق الممجد:

- ‌مقدمة المحقِّق [د. تقي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف بجامعة الإمارات العربية المتحدة]

- ‌تَرجمَة "العَلاّمة فَخر الهِند عبد الحَي اللَّكنَوي" (من "نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواطر"، للشيخ السيد عبد الحيّ الحَسَني (م 1341 هـ) : 8/234)

- ‌مقَدِّمَة الشَّارح

- ‌مقَدمة: فيهَا فوائد مُهمَّة

- ‌[الفائدة] الأولى: في كيفية شيوع كتابة الأحاديث وبَدْء تدوين التصانيف، وذكر اختلافها مَقصِداً، وتنوّعها مسلكاً، وبيان أقسامها وأطوارها

- ‌الفائدة الثانية: في ترجمة الإمام مالك

- ‌الفائدة الثالثة: في ذكر فضائل الموطّأ وسبب تسميته به وما اشتمل عليه

- ‌الفائدة الرابعة: قد يُتَوَهَّم التعارض بين ما مرَّ نقله عن الشافعي

- ‌الفائدة الخامسة: من فضائل الموطّأ اشتماله كثيراً على الأسانيد التى حكم المحدثون عليها بالأصحية

- ‌الفائدة السادسة: قال السيوطي: في "تنوير الحوالك

- ‌الفائدة السابعة: [نسخ الموطأ]

- ‌الفائدة الثامنة: [عدد أحاديثه]

- ‌الفائدة التاسعة: في ذكر من علق على موطّأ الإمام مالك

- ‌الفائدة العاشرة: في نشر مآثر الإِمام محمد وشيخيه أبي يوسف وأبي حنيفة:

- ‌الفائدة الحادية عشرة: [أهمية رواية محمد، وترجيحها على رواية يحيى المشهورة]

- ‌الفائدة الثانية عشرة: في تعداد الأحاديث والآثار التي في موطأ الإمام محمد [بالتفصيل] :

- ‌خاتمة:

- ‌أبواب الصلاة

- ‌2 - (بَابُ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ)

- ‌5 - (بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ مسِّ الذَّكر)

- ‌8 - (بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الرُّعاف)

- ‌10 - (بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَذْيِ)

- ‌12 - (بَابُ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ)

- ‌15 - (بَابُ الاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ)

- ‌17 - (بَابُ الاغْتِسَالِ يَوْمِ الجُمُعة)

- ‌18 - (بَابُ الاغْتِسَالِ يومَ الْعِيدَيْنِ)

- ‌24 - (بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ

- ‌25 - (باب المرأة ترى الصُّفرة والكُدْرة

- ‌26 - (بَابُ الْمَرْأَةِ تَغْسِل بعضَ أعضاءِ الرَّجُلِ وَهِيَ حَائِضٌ)

- ‌27 - (باب الرجل يغتسلُ أو يتوضأ بِسُؤْرِ الْمَرْأَةِ

- ‌28 - (بَابُ الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الهِرّة)

- ‌29 - (باب الأَذَانِ وَالتَّثْوِيبِ

- ‌30 - (بَابُ الْمَشْيِ إِلَى الصَّلاةِ وَفَضْلِ الْمَسَاجِدِ)

- ‌34 - (باب القراءة في الصلاة خلف الإمام

- ‌39 - (باب السهو في الصلاة)

- ‌42 - (بَابُ السُّنَّةِ فِي السُّجُودِ)

- ‌43 - (بَابُ الْجُلُوسِ فِي الصَّلاةِ)

- ‌44 - (بَابُ صَلاةِ الْقَاعِدِ)

- ‌45 - (بَابُ الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ)

- ‌46 - (بَابُ صَلاةِ اللَّيْلِ)

- ‌7 - (بابُ الحدَثِ فِي الصَّلاةِ)

- ‌8 - (بَابُ فَضْلِ الْقُرْآنِ وَمَا يُستحبُّ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عز وجل

- ‌50 - (باب الرجلان يصلِّيانِ جَمَاعَةً)

- ‌52 - (بَابُ الصلاةِ عِنْدَ طلوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا)

- ‌53 - (بابُ الصلاةِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ)

- ‌54 - (بَابُ الرَّجُل يَنْسَى الصلاةَ أَوْ تفوتُهُ عَنْ وَقْتِهَا)

- ‌56 - (بَابُ قَصْرِ الصَّلاةِ فِي السَّفَرِ)

- ‌57 - (بَابُ الْمُسَافِرِ يَدْخُلُ المِصْرَ أَوْ غيرَه مَتَى يُتِمّ الصلاةَ)

- ‌58 - (باب الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاةِ فِي السَّفَرِ)

- ‌59 - (بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْمَطَرِ)

- ‌60 - (بَابُ الصَّلاةِ عَلَى الدَّابَةِ فِي السَّفَرِ)

- ‌61 - (بَابُ الرَّجُلِ يصلِّي فَيَذْكُرُ أنَّ عَلَيْهِ صَلاةً فَائِتَةً)

- ‌64 - (بَابُ فَضْلِ الْعَصْرِ وَالصَّلاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ)

- ‌65 - (بَابُ وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الطِّيبِ وَالدِّهَانِ

- ‌66 - (بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي صَلاةِ الْجُمُعَةِ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الصَّمْتِ

- ‌67 - (بَابُ صَلاةِ الْعِيدَيْنِ وَأَمْرِ الْخُطْبَةِ)

- ‌68 - (بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ العيد أبو بَعْدَهُ)

- ‌69 - (بَابُ القراءةِ فِي صَلاةِ الْعِيدَيْنِ)

- ‌70 - (بَابُ التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ

- ‌72 - (بابُ القنوتِ فِي الْفَجْرِ)

- ‌73 - (بَابُ فضلِ صلاةِ الْفَجْرِ فِي الْجَمَاعَةِ وَأَمْرِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ)

- ‌74 - (بَابُ طولِ القراءةِ فِي الصَّلاةِ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنَ التَّخْفِيفِ)

- ‌75 - (بابُ صلاةِ المغربِ وترُ صلاةِ النَّهار)

الفصل: ‌34 - (باب القراءة في الصلاة خلف الإمام

‌34 - (باب القراءة في الصلاة خلف الإمام

(1))

فائدة: قال صاحب "الكنز المدفون والفلك المشحون": وقفت على كتاب لبعض المشايخ الحنفية ذكر فيها مسائل خلاف، ومن عجائب ما فيه الاستدلال على ترك رفع اليدين في الانتقالات بقوله تعالى:{ألم ترَ إلى الذين قِيلَ لَهُم كُفّوا أَيْدِيَكُمْ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ} (سورة النساء: آية 77) وما زلتُ أحكي ذلك لأصحابنا على سبيل التعجب إلى أن ظفرت في "تفسير الثعلبي" بما يهوِّن عنده هذا العظيم، وذلك أنه حكى في سورة الأعراف، عن التنّوخي القاضي أنه قال في قوله تعالى:{خُذُوا زِيْنَتَكُمُ عنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (سورة الأعراف: آية 31) : إن المراد بالزينة رفع اليدين في الصلاة. فهذا في هذا الطرف، وذاك في الطرف الآخر.

(1)

قوله: خلف الإمام، اختلف فيه العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أقوال: الأول: أنه يقرأ مع الإمام في ما أسرّ، ولا يقرأ في ما جهر، وإليه ذهب مالك، وبه قال سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود وسالم بن عبد الله بن عمر، وابن شهاب، وقتادة، وعبد الله بن المبارك، وأحمد وإسحاق، والطبري، إلا أن أحمد قال: إن سمع في الجهرية لا يقرأ وإلاّ قرأ. واختُلف عن علي وعمر وابن مسعود، فرُوي عنهم أن المأموم لا يقرأ وراء الإمام لا في ما أسرَّ ولا في ما جهر، وروي عنهم أنه يقرأ في ما أسرّ لا في ما جهر، وهو أحد قولي الشافعي كان يقوله بالعراق، وهو المرويّ عن أبي بن كعب وعبد الله بن عمر.

والثاني: أنه يقرأ بأم الكتاب في ما جهر وفي ما أسرّ، وبه قال الشافعي بمصر، وعليه أكثر أصحابه، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو ثور. وهو قول عبادة بن الصامت، وعبد الله بن عباس، واختُلف فيه عن أبي هريرة، وبه قال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير والحسن البصري ومكحول.

ص: 400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

والثالث: أنه لا يقرأ شيئاً في ما جهر ولا في ما أسرَّ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول جابر بن عبد الله وزيد بن ثابت، ورُوي ذلك عن علي وابن مسعود. وبه قال الثوري وابن عيينة وابن أبي ليلى والحسن بن صالح بن حَيّ وإبراهيم النخعي وأصحاب ابن مسعود، كذا ذكره ابن عبد البر في "الاستذكار" و"التمهيد".

وأما حجة أصحاب القول الأول، فاستدلوا بقوله تعالى:{وإذَا قُرئ القُرْآنُ فَاستَمِعُوا لهُ وأنْصِتُوا} (سورة الأعراف: رقم الآية 204)، وقالوا: إن نزوله كان في شأن القراءة خلف الإمام (وذكر الزيلعي أخباراً في أنَّ هذه الأية نزلت في القراءة خلف الإمام 1/432) ، فقد أخرج ابن مردويه والبيهقيّ، عن ابن عباس، قال: صلّى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ خلفه قوم، فخلطوا عليه، فنزلت هذه الآية. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والبيهقي، عن محمد بن كعب القُرَظي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ في الصلاة أجابه من وراءه، إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا مثلَ ما يقول حتى تنقضي فاتحة الكتاب والسورة، فنزلت. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي، عن مجاهد قال: قرأ رجل من الأنصار خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في كتاب "القراءة"، عن عبد الله بن مغفَّل: أنه سُئل: أكلّ من سمع القرآن وجب عليه الاستماع والإنصات؟ قال: إنما أُنزلت هذه الآية: {فَاستَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا} في قراءة الإمام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والبيهقي، عن ابن مسعود: أنه صلّى بأصحابه، فسمع ناساً يقرؤون خلفه، فقال: أما أن لكم أن تفهمون؟ أما آن لكم أن تعقلون؟ {وإذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَه} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر عن أبي هريرة أنه قال: نزلت هذه الآية في رفع الأصوات، وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة. وأخرج ابن جرير والبيهقي عن الزهري: نزلت هذه الآية في فتىً من الأنصار كان رسولُ الله كلما قرأ شيئاً قرأه.

ص: 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي، عن أبي العالية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلّى بأصحابه، فقرأ، فقرأ أصحابه، فنزلت. وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنَّف"، عن أبراهيم: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ، ورجل يقرأ، فنزلت.

وإذا ثبت هذا، فنقول: من المعلوم أن الاستماع إنما يكون في ما جهر به الإمام، فيَتْرُك المؤتمّ فيه القراءة، ويؤيده من الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم:"وإذَا قَرَأَ الإمام فأنْصِتُوا"، أخرجه أبو داود وابن ماجه والبزار وابن عديّ من حديث أبي موسى، والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة، وأخرجهما ابن عبد البر في "التمهيد"، ونقل عن أحمد أنه صححه، ولأبي داود وغيره في صحته كلام، قد تعقَّبه المنذري وغيره. فهذا في ما جهر الإمام، وأما في ما أسرَّ، فيقرأ أخذاً بعموم لا صلاة إلَاّ بفاتحة الكتاب، وغير ذلك من الأحاديث.

وأما أصحاب القول الثاني، فأقوى حججهم حديث عبادة: كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر، فقرأ فثَقُلَتْ عليه القراءة، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم، يا رسول الله، فقال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها. أخرجه أبو داود والترمذي وحسَّنه والنسائي والدارقطني وأبو نعيم في "حلية الأولياء"، وابن حبان والحاكم.

وأما أصحاب القول الثالث، فاستدلوا بحديث:"من كان له إمام فقراءه الإمام قراءة له" وسنذكر طرقه إن شاء الله تعالى، وبآثار الصحابة التي ستأتي.

والكلام في هذا المبحث طويل وموضعه شرحي لشرح الوقاية المسمَّى بـ"السعاية في كشف ما في شرح الوقاية"، وفقنا الله لاختتامه (بلغ الكتاب إلى (فروع مهمة متعلِّقة بالقراءة في الصلاة) ، وقد انتقل مؤلِّفه إلى جوار رحمة الله تعالى، وطبع الكتاب في مجلد ضخم في جزأين من باكستان سنة 1976 م) . وقد أفردتُ لهذه المسألة رسالة سميتها بـ "إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام"

ص: 402

111 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ (1) ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أُكَيْمة (2) اللَّيْثِيِّ (3)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ مِنْ صَلاةٍ (4) جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: هَلْ قَرَأَ مَعِيَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رسول، قَالَ (5) : فَقَالَ: إِنِّي أقُول (6) مَا لِي أُنازَع (7) القرآن (8) ؟

(وطُبع الكتاب من مدينة لكنؤ بالهند سنة 1304 هـ) .

(1)

قوله: مالك، قال ميرك نقلاً عن ابن الملقن: حديث أبي هريرة هذا رواه مالك والشافعي والأربعة، وصححه ابن حبان، وضعفه البيهقي والحميدي، وبهذا يُعلم أن قول النووي اتفقوا على ضعف هذا الحديث غير صحيح، كذا في "مرقاة المفاتيح شرح المشكاة".

(2)

قوله: ابن أُكيْمة، بضم الهمزة وفتح الكاف مصغر أكمة، واسمه عمارة، بضم المهملة، والتخفيف، والهاء، وقيل: عَمَار بالفتح والتخفيف، وقيل: عمرو، بفتح العين، وقيل: عامر الليثي أبو الوليد المدني، ثقة، مات سنة إحدى ومائة، قاله الزرقاني.

(3)

ولابن عبد البر من طريق سفيان، عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.

(4)

رواه أبو داود، عن سفيان، عن الزهري بسنده، فقال: نظن أنها صلاة

(5)

أي: أبو هريرة.

(6)

هو بمعنى التثريب واللوم لمن فعل ذلك.

(7)

بفتح الزاء، والقرآن منصوب على أنه مفعول ثانٍ، نقله ميرك، وفي نسخة بكسر الزاء.

(8)

قوله: مَالي أُنازَعُ القرآن، قال الخطابي: أي أُداخل فيه، وأُشارَك

ص: 403

فَانْتَهَى النَّاسُ (1) عَنِ الْقِرَاءَةِ (2) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا جَهَرَ بِهِ مِنَ الصَّلاةِ (3) حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ.

111-

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ (4) ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ (5) اللَّيْثِيِّ (6) عَنْ أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ مِنْ صَلاةٍ (7) جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: هَلْ قَرَأَ مَعِيَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ (8) : فَقَالَ: إِنِّي أَقُولُ (9) مَا لِي أُنازَع (10) الْقُرْآنَ (11) ؟ فَانْتَهَى النَّاسُ (12) عَنِ الْقِرَاءَةِ (13) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا جَهَرَ بِهِ مِنَ الصَّلاةِ (14) حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ.

112 -

أَخْبَرَنَا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أنه كَانَ إِذَا سُئِلَ هَلْ يَقْرَأُ أَحَدٌ مَعَ الإِمَامِ؟ قَالَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ مَعَ الإِمَامِ فحسبُه (15)

وأغالَب عليه، وقال في "النهاية": أي: أجاذب في قراءته كأنهم جهروا بالقراءة خلفه، فشغلوه، كذا في "مرقاة الصعود".

(1)

قوله: فانتهى الناس، أكثر رواة ابن شهاب عنه لهذا الحديث يجعلونه كلام ابن شهاب، ومنهم من يجعله من كلام أبي هريرة.

وفقه هذا الحديث الذي من أجله جيء به هو ترك القراءة مع الِإمام في كل صلاة يجهر فيها الِإمام بالقراءة، فلا يجوز أن يقرأ معه إذا جهر بأم القرآن، ولا غيرها، على ظاهر الحديث وعمومه، كذا قال ابن عبد البر.

(2)

قوله: عن القراءة، قال المجوزون لقراءة أم القرآن في الجهرية أيضاً، معناه عن الجهر بالقراءة أو عن قراءة السورة، لئلا يخالف حديث عبادة، فإنه صريح في تجويز قراءة أم القرآن في الجهرية، وقال بعضهم: انتهاء الناس إنما كان برأيهم لا بأمر الرسول، فلا حجة فيه. وفيه نظر ظاهر، لأن انتهاءهم كان بعد توبيخِ النبي صلى الله عليه وسلم لهم (1) ، والظاهر اطلاعُه عليه وإقراره بالانتهاء. وأما المانعون مطلقاً، فمنهم من أخذ بظاهر ما ورد في بعض الروايات: فانتهى الناس عن القراءة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أخذ غير ظاهر، لورود قيد "فيما جهر فيه" في بعضها، وبعض الروايات يفسر بعضاً.

والحق أن ظاهر هذا الحديث مؤيد لما اختاره مالك.

(3)

في نسخة: الصلوات.

(4)

قوله: مالك، قال ميرك نقلاً عن ابن الملقَّن: حديث أبي هريرة هذا رواه مالك والشافعي والأربعة، وصححه ابن حبان، وضعَّفه البيهقي والحميدي، وبهذا يُعلم أن قول النووي اتفقوا على ضعف هذا الحديث غير صحيح، كذا في "مرقاة المفاتيح شرح المشكاة".

(5)

قوله: ابن أٌكَيْمة، بضم الهمزة وفتح الكاف مصغر أكمة، واسمه عمارة، بضم المهملة، والتخفيف، والهاء، وقيل: عَمَار بالفتح والتخفيف، وقيل: عمرو، بفتح العين، وقيل: عامر الليثي أبو الوليد والمدني، ثقة، مات سنة إحدى ومائة، قال الزرقاني.

(6)

ولابن عبد البر من طريق سفيان، عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.

(7)

رواه أبو داود، عن سفيان، عن الزهري بسنده، فقال: نظنّ أنها صلاة الصبح.

(8)

أي: أبو هريرة.

(9)

هو بمعنى التثريب واللوم لمن فعل ذلك.

(10)

بفتح الزاء، والقرآن منصوب على أنه مفعول ثانٍ، نقله ميرك، وفي نسخة بكسر الزاء.

(11)

قوله: مَالي أُنازَعُ القرآن، قال الخطابي: أي أُداخل فيه، وأُشارَك

وأغالَب عليه، وقال في "النهاية": أي: أُجاذب في قراءته كأنهم جهروا بالقراءة خلفه، فشغلوه، كذا في "مرقاة الصعود".

(12)

قوله: فانتهى الناس، أكثر رواة ابن شهاب عنه لهذا الحديث يجعلونه كلام ابن شهاب، ومنهم من يجعله من كلام أبي هريرة.

وفقه هذا الحديث الذي من أجله جيء به هو ترك القراءة مع الإمام في كل صلاة يجهر فيها الإمام بالقراءة، فلا يجوز أن يقرأ معه إذا جهر بأم القرآن، ولا غيرها، على ظاهر الحديث وعمومه، كذا قال ابن عبد البر.

(13)

قوله: عن القراءة، قال المجوِّزون لقراءة أم القرآن في الجهرية أيضاً، معناه عن الجهر بالقراءة أو عن قراءة السورة، لئلا يخالف حديث عبادة، فإنه صريح في تجويز قراءة أم القرآن في الجهرية، وقال بعضهم: انتهاء الناس إنما كان برأيهم لا بأمر الرسول، فلا حجة فيه. وفيه نظر ظاهر، لأن انتهاءهم كان بعد توبيخ النبي صلى الله عليه وسلم لهم (في الأصل:"عليهم"، والظاهر:"لهم") ، والظاهر اطَّلاعُه عليه وإقراره بالانتهاء. وأما المانعون مطلقاً، فمنهم من أخذ بظاهر ما ورد في بعض الروايات: فانتهى الناس عن القراءة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أخذ غير ظاهر، لورود قيد "فيما جهر فيه" في بعضها، وبعض الوايات يفسِّر بعضاً.

والحق أن ظاهر الحديث مؤيِّد لما اختاره مالك.

(14)

في نسخة: الصلوات.

(15)

أي: يكفيه.

ص: 404

قِرَاءَةُ الإِمَامِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لا يَقْرَأُ مَعَ الإِمَامِ (1) .

113 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ أَنَّهُ سَمِعَ (2) جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى رَكْعَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بأمّ الْقُرْآنِ، فَلَمْ يَصُلِّ (3) إلَاّ وَرَاءَ الإِمَامِ (4) .

114 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي الْعَلاءُ (5) بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يعقوب مولى الحُرَقَة (6)

(1) قوله: لا يقرأ مع الإمام، قال ابن عبد البر: ظاهر هذا أنه كان لا يرى القراءة في سر الإمام ولا جهره، ولكنْ قيَّده مالك بترجمة الباب أن ذلك في ما جهر به الإمام بما علم من المعنى. ويدل على صحته ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن الزهري، عن سالم: أن ابن عمر كان يُنصت للإمام في ما جهر فيه، ولا يقرأ معه، وهو يدل على أنه كان يقرأ معه في ما أسرَّ فيه.

(2)

قوله: سمع، قال أبو عبد الملك: هذا الحديث موقوف، وقد أسنده بعضهم، أي: رفعه، ورواه الترمذي من طريق معن عن مالك به موقوفاً، وقال: حسن صحيح.

(3)

لأنه ترك ركناً من أركان الصلاة، وفيه وجوبها في كل ركعة.

(4)

قال أحمد: فهذا صحابي تأوَّل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" على ما إذا كان وحده، نقله الترمذي.

(5)

قوله: أخبرني العلاء، هكذا في "الموطأ" عند جميع رواته وانفرد مطرف في غير "الموطأ"، فرواه عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي السائب، وليس بمحفوظ، قاله الزرقاني.

(6)

قوله: مولى الحُرَقة، بضم الحاء المهملة، وفتح الراء المهملة بعدها قاف، قبيلة من همدان، قاله ابن حبان، أو من جهينة، قاله الدارقطني، وهو الصحيح، كذا في "أنساب السمعاني".

ص: 405

أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ (1) مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ صَلَّى صَلاةً (2) لَمْ يَقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِداج (3) هِيَ خِداج هِيَ خِداج (4)

(1) قوله: أبا السائب، قال الحافظ: يقال: اسمه عبد الله بن السائب الأنصاري، المدني، ثقة، روى له مسلم، والأربعة، والبخاري في "جزء القراءة" وهو مولى هشام بن زهرة، ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زهرة، ويقال: مولى بني زهرة.

(2)

قوله: من صلى صلاة

إلخ، فيه من الفقه إيجاب قراءة فاتحة الكتاب في كل صلاة، وأن الصلاة إذا لم يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج وإن قرئ فيها بغيرها من القرآن، والخداج، النقصان والفساد، من ذلك قولهم: أخدجت الناقة، وخدجت إذا ولدت قبل تمام وقتها، قبل تمام الخلق، وذلك نتاج فاسد، وقد زعم من لم يوجب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة أن قوله: خداج يدل على جواز الصلاة لأنه النقصان، والصلاة الناقصة جائزة. وهذا تحكُّم فاسد (والظاهر أنّ هذا رد على الحنفية لأن عامتهم يزعمون أن الحنفية قالوا بجواز الصلاة بدون الفاتحة، ولذا تعجَّب الحافظ في "الفتح" أشدّ التعجب، والحقيقة ليست كذلك لأن الحنفية قالوا بوجوب الفاتحة، انظر أوجز المسالك 2/97) ، والنظر يوجب أن لا يجوز الصلاة، لأنها صلاة لم تتم، ومن خرج من صلاته قبل أن يعيدها، فعليه إعادتها.

وأما اختلاف العلماء في هذا الباب، فإن مالكاً والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وداود قالوا: لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: إن تركها عامداً وقرأ غيرها أجزأه، على اختلاف عن الأوزاعي، وقال الطبري: يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة، فإن لم يقرأها لم يُجْز إلا مثلها من القرآن عدد آياتها وحروفها، كذا في "الاستذكار"(2/145) .

(3)

بكسر الخاء المعجمة، أي: ذات خداج، أي: نقصان.

ص: 406

غَيْرُ تَمَامٍ (1) . قَالَ (2) : قُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ؟ قَالَ: فَغَمَزَ ذِرَاعِي (3) وَقَالَ: يَا فَارِسِيُّ، اقْرَأْ بِهَا (4) فِي نَفْسِكِ (5)، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ عز وجل قُسِمت (6)

(4) ذكره ثلاثاً للتأكيد.

(1)

قوله: غير تمام، هو تأكيد، فهو حجة قوية على وجوب قراءتها في كل صلاة، لكنه محمول عند مالك ومن وافقه على الأمام والفذّ، لقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا قرأ فأنصتوا"، رواه مسلم.

(2)

أبو السائب.

(3)

قوله: فغمز ذراعي، قال الباجي: هو على معنى التأنيس له، وتنبيهه على فهم مراده والبعث له على جمع ذهنه وفهمه لجوابه.

(4)

قوله: اقرأ بها، أي سرّاً، وبه استدل من جوَّز قراءة أم القرآن خلف الإمام، في الجهرية أيضاً، وظاهر القرآن والأحاديث يردّه إلا أن يَتتَبَّع سكتات الإمام، ويقرأ بها فيها سرّاً، فحينئذٍ لا يكون مخالفاً للقرآن والحديث.

(5)

قوله: في نفسك، قال الباجي: أي بتحريك اللسان، بالتكلم، وإن لم يُسمع نفسه، رواه سحنون، عن أبي القاسم: قال: ولو أسمع نفسه يسيراً كان أحبَّ إليّ.

(6)

قوله: قُسمت الصلاة، قال العلماء: أراد بالصلاة ههنا الفاتحة، سُمِّيت بذلك لأنها لا تصح إلاّ بها، كقولهم: الحج عرفة، والمراد قسمتها من جهة المعنى لأن نصفها الأول تحميد الله وتمجيده، وثناء عليه وتفويض إليه، والثاني سؤال وتضرُّع وافتقار، واحتجَّ القائلون بأن البسملة ليست من الفاتحة بهذا الحديث، قال النووي: وهو من أوضح ما احتجوا به لأنها سبع آيات بالإجماع، فثلاث في أولها ثناء، أوَّلها الحمد، ثلاث دعاء أولها:{اهدِنا الصِّراط المُستَقيمَ}

ص: 407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

والسابعة متوسطة، وهي:{إياك نعبد وإياك نستعين} . قالوا: ولأنَّه لم يذكر البسملة في ما عدّدها، ولو كانت منها لذكرها، كذا في "التنوير". وقال الزيلعي في "نصب الراية": هذا الحديث ظاهر في أن البسملة ليست من الفاتحة وإلَاّ لابتدأ بها لأن هذا محل بيان واستقصاء لآيات السورة، والحاجة إلى قراءة البسملة أمسّ.

واعترض بعض المتأخرين على هذا الحديث بوجهين:

أحدهما: قال: لا تغترّ بكون هذا الحديث في مسلم، فإن العلاء بن عبد الرحمن قد تكلم فيه ابن معين فقال: الناس يتقون حديثه وليس حديثه بحجة، مضطرب الحديث، ليس بذاك، هو ضعيف، رُوي عنه جميع هذه الألفاظ، وقال ابن عدي: ليس بالقوي، وقد انفرد بهذا الحديث، فلا يُحتج به.

الثاني: قال: وعلى تقدير صحته، فقد جاء في بعض الروايات عنه ذكر التسمية، كما أخرجه الدارقطني، عن عبيد الله بن زياد بن سمعان، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، يقول العبد إذا افتتح الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم، فيذكرني عبدي، ثم يقول: الحمد لله رب العالمين، فأقول حمدني عبدي

الحديث، وهذا القائل حمله الجهل والتعصب على أَن تَرَكَ الحديث الصحيح وضعَّفه لكونه غير موافق لمذهبه، مع أنه روى عن العلاء الأئمة الثقات، كمالك، وسفيان بن عيينة، وابن جريج، وشعبة، وعبد العزيز الدراوردي، وإسماعيل بن حفص، وغيرهم، والعلاء نفسه ثقة صدوق. وهذه الرواية مما انفرد بها ابن سمعان، وهو كذاب، ولم يخرجها أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا المصنفات المشهورة، ولا المسانيد المعروفة، وإنما رواه الدارقطني في "سننه" التي يروي فيها غرائب الحديث، وقال عَقيبه: وعبيد الله بن زياد بن سمعان متروك الحديث، وذكره في "عِلَلِه" وأطال الكلام. انتهى. وقد بسطت المسألة في رسالتي:"إحكام القنطرة في أحكام البسملة".

ص: 408

الصَّلاةَ بَيْنِي (1) وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي (2) ، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي (3) ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ (4)، قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: اقرؤا (5)، يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يَقُولُ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: الرَّحْمَنِ الرحيم، يَقُولُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي (6)، يَقُولُ الَعَبْدُ: مالِكِ يوم الدين، يَقُولُ اللَّهُ مجَّدني (7) عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: إِيَّاكَ نعبد وإياك نستعين، فهذه الآية (8) بيني ووبين عَبْدِي، وَلِعَبْدِي (9) مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ: اهْدِنَا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت

(1) قدَّم نفسه لأنه الواجب الوجود لنفسه، وإنما استفاد العبد الوجود منه.

(2)

هو: {الحمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، مَالِكِ يَومِ الدِّينِ} .

(3)

وهو من {اهدِنَا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ} إلى آخره.

(4)

أي: مني إعطاءه.

(5)

قوله: اقرؤا، لمسلم من رواية ابن عيينة، عن العلاء إسقاط هذه الجملة، وقال لعقب قوله: ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد

إلخ.

(6)

جاء جواباً لقوله: الرحمن الرحيم (في الأصل "للرحمن الرحيم" والظاهر لقوله: " الرحمن الرحيم") لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية.

(7)

قوله: مجَّدني: التمجيد الثناء بصفات الجلال، والتحميد والثناء بجميل الفعال، ويقال أثنى في ذلك كلِّه.

(8)

قوله: بيني وبين عبدي، قال الباجي: معناه أن بعض الآية تعظيم الباري وبعضها استعانة على أمر دينه ودنياه من العبد به.

(9)

من العون.

ص: 409

عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضآلين، فَهَؤُلاءِ (1) لِعَبْدِي (2) وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ (3) .

قَالَ مُحَمَّدٌ: لا قِرَاءَةَ (4) خَلْفَ الإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ وَلا فِيمَا لَمْ يَجْهَرْ، بِذَلِكَ جَاءَتْ عَامَّةُ الآثار (5) .

(1) أي: مختصه بالعبد.

(2)

قوله: لعبدي، لأنها دعاؤه بالتوفيق إلى صراط من أنعم عليهم والعصمة من صراط المغضوب عليهم ولا الضالين.

(3)

من الهداية وما بعدها.

(4)

قوله: لا قراءة

إلخ، كلام محمد هذا وكلامه في "كتاب الآثار" بعد إخراج قول إبراهيم، قال: ما قرأ علقمة بن قيس قط فيما يجهر فيه، ولا في الركعتين الأخريين أم القرآن ولا غيرها خلف الإمام، أخرجه عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، ثم قال: وبه نأخذ، لا نرى القراءة خلف الإمام في شيء من الصلاة يجهر فيه أولا يجهر فيه. انتهى. وكلامه فيه بعد ما أخرج عن أبي حنيفة، عن حماد، عن سعيد بن جبير أنه قال: اقْرأ خلف الإمام في الظهر والعصر، ولا تقرأ في ما سوى ذلك، قال محمد: لا ينبغي أن يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات. انتهى. صريح في بطلان قول عليٍّ القاري في "شرح المشكاة": الإمام محمد من أئمتنا يوافق الشافعيَّ في القراءة خلف الإمام في السرية، وهو أظهر في الجمع بين الروايات الحديثية، وهو مذهب مالك. انتهى. وقد ذكر صاحب "الهداية". و"جامع المضمرات" وغيرهما أيضاً أن على قول محمد يُستحسن قراءة أم القرآن خلف الإمام على سبيل الاحتياط، ولكن قال ابن الهُمام: الأصح أن قول محمد كقولهما، فإن عباراته في كتبه مصرِّحة بالتجافي عن خلافه، والحق أنه وإن كان ضعيفاً رواية لكنه قوي دراية.

(5)

قوله: عامة الآثار، أي: عن الصحابة والتابعين، بل وعن النبي صلى الله عليه وسلم

ص: 410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أيضاً. فمنهم: زيد بن ثابت، أخرجه مسلم في باب سجود التلاوة بسنده، عن عطاء بن يسار أنه سأل زيداً عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء. وأخرجه الطحاوي، عن عطاء أنه سمع زيد بن ثابت يقول: لا يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلاة وأخرج أيضاً عن حيوة بن شريح، عن بكر بن عمر، عن عبد الله بن مقسم أنه سأل عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وجابراً قالوا: لا يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلاة. وعارض بعضهم بما رُوي عن زيد أنه قال: من قرأ خلف الإمام فصلاته تامة، ولا إعادة عليه، وجعله دليلاً على فساد ما رُوي عنه من تركه القراءة. وفيه نظر، فإنه لا معارضة لأنه لا يلزم من كون الصلاة تامة وعدم وجوب الإعادة إلَاّ عدم كون الترك لازماً، وهو أمر آخر.

ومنهم: عليّ، كما أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق أنه قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة، وأخرجه الدارقطني من طرق، وقال: لا يصح إسناده، وقال ابن حبان في "كتاب الضعفاء": هذا يرويه ابن أبي ليلى الأنصاري، وهو باطل، ويكفي في بطلانه إجماع المسلمين، وعبد الله بن أبي ليلى هذا رجل مجهول. انتهى. وقال ابن عبد البر. هذا لو صحَّ احتُمل أن يكون في صلاة الجهر لأنه حينئذ يكون مخالفاً للكتاب والسنَّة، فكيف وهو غير ثابت عن عليّ رضي الله عنه. انتهى.

ومنهم: جابر بن عبد الله، كما ذكره محمد سابقاً، وقد أخرجه الترمذي أيضاً وقال: حسن صحيح، والطحاوي، وأخرجه الدارقطني، عن جابر مرفوعاً، وأعلَّه بأنه في سنده يحيى بن سلام، وهو ضعيف، والصواب وقفه. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنَّفه"، عن جابر قال: لا يقرأ خلف الإمام، لا إن جهر، ولا إن خافت. وأخرج عبد الرزاق، والطحاوي، عن عبد الله بن مقسم، قال: سألت جابر بن عبد الله: يقرأ خلف الإمام في الظهر العصر؟ قال: لا.

ومنهم: أبو الدرداء، أخرج النسائي بسنده، عن كثير بن مرة، عن

ص: 411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أبي الدرداء سمعه يقول: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أفي كل صلاة قراءة؟ قال نعم، قال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فالتفت إليّ، وكنت أقرب القوم منه، فقال: ما أرى الإمام إذا أمَّ القوم إلَاّ قد كفاهم، قال النسائي: هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطأ، إنما هو قول أبي الدرداء. وقال الطحاوي بعد ما أخرج عن عائشة مرفوعاً: كل صلاة لم يُقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، وعن أبي هريرة حديثه الذي مر برواية محمد: فذهب إلى هذه الآثار قوم، وأوجبوا القراءة خلف الإمام في سائر الصلوات بفاتحة الكتاب، وخالفهم في ذلك آخرون، وكان من الحجة لهم أن حديثي أبي هريرة وعائشة اللَّذين رَوَوْهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس في ذلك دليل على أنه أراد بذلك الصلاة التي تكون فيها قراءة الإمام، وقد رأينا أبا الدرداء سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك مثل هذا، فيم يكن عنده على المأموم، حدثنا بحر بن نصر، نا عبد الله بن وهب، حدَّثني معاوية بن صالحن عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرَّة الحضرمي، عن أبي الدرداء أن رجلاً قال: يا رسول الله في الصلاة قرآن؟ قال: نعم، فقال رجل من الأنصار: وجبت، قال: وقال أبو الدرداء: ما أرى أن الإمام إذا أمَّ القوم فقد كفاهم. انتهى ملخصاً.

ومنهم ابن عمر وابن مسعود وعمر وسعد، كما أخرج محمد عنهم، وسيأتي ماله وما عليه.

ومنهم: ابن عباس، كما أخرجه الطحاوي، عن أبي حمزة، قلت لابن عباس: أَقْرأُ والإمام بين يدي؟ فقال: لا. وذكر العيني في "شرح الهداية": قد رُوي منع القراءة عن ثمانين نفراً من الصحابة، منهم: المرتضى والعبادلة الثلاثة، وذكر الشيخ الإمام السبذموني في "كشف الأسرار"، عن عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه قال: عشرة من الصحابة ينهون عن القراءة خلف الإمام أشد النهي: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وابن مسعود، وزيد، وابن عمر، وابن عباس. انتهى.

ص: 412

وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ (1) رحمه الله.

115 -

قَالَ مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ (2) بْنُ عُمَرَ بْنِ حفص بن

وهذا كله محتاج إلى تحقيق الأسانيد إليهم، وقال الحافظ ابن حجر في "الدراية في تخريج أحاديث الهداية": إنما يثبت ذلك، أي: المنع، عن ابن عمر وجابر وزيد بن ثابت وابن مسعود، وجاء عن سعد وعمر وابن عباس وعلى، وقد أثبت البخاري، عن عمر وأبيّ بن كعب وحذيفة وأبي هريرة وعائشة وعبادة وأبي سعيد في آخرين أنهم كانوا يرون القراءة خلف الإمام. انتهى. وقال ابن عبد البر: ما أعلم في هذا الباب من الصحابة من صحَّ عنه ما ذهب إليه الكوفيون فيه من غير اختلاف عنه إلَاّ جابر وحده. انتهى.

(1)

قوله: وهو قول أبي حنيفة، قد مرَّ معنا ذِكْر من وافقه في هذا في ما مرَّ، وذَكَر أكثر أصحابنا أن القراءة خلف الإمام عند أبي حنيفة وأصحابه مكروه تحريماً، بل بالغ بعضهم، فقالوا بفساد الصلاة به، وهو مبالغة شنيعة يكرهها من له خبرة بالحديث، وعلَّلوا الكراهية بورود التشدد عن الصحابة، وفيه أنه إذا حقق آثار الصحابة بأسانيدها فبعد ثبوتها إنما تدل على إجزاء قراءة الإمام عن قراءة المأموم، لا على الكراهة، والآثار التي فيها التشدد لا تثبت سنداً على الطريق المحقق. فإذن القول بالإجزاء فقط من دون كراهة أو منع أسلم، وأرجو أن يكون هو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه كما قال ابن حبان في كتاب "الضعفاء": أهل الكوفة إنما اختاروا تَرْكَ القراءة لا أنهم لم يجيزوه. انتهى.

(2)

قوله: أخبرنا عبيد الله، مصغَّراً ابن عمر بن حفص بن عاصم ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أبو عثمان العمري العدوي المدني من أجلّة الثقات، روى عن أم خالد بنت خالد الصحابية حديثاً، وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعطاء، ونافع، والمَقْبُري، والزهري، وغيرهم، وعنه شعبة والسفيانان ويحيى القطان، وغيرهم، قال النسائي: ثقة

ص: 413

عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَنْ صَلَّى خَلْفَ الإمام (1) كَفَتْه قراءته.

ثبت، وقال أبو حاتم: سألت أحمد عن عبيد الله، ومالك، وأيوب: أيهم أثبت في نافع؟ فقال: عبيد الله أحفظهم وأثبتهم، وأكثرهم رواية، وقال أحمد بن صالح: عبيد الله أحبّ إليّ من مالك في نافع، مات سنة 147 هـ بالمدينة، كذا ذكر الذهبي في "تذكرة الحفاظ".

(1)

قوله: خلف الإمام

إلخ، ظاهرُ هذا وما بعده، وما أخرجه سابقاً من طريق مالك: أن ابن عمر كان لا يرى القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية كليهما. لكن أخرج عبد الرزاق عن سالم أن ابن عمر كان ينصت للإمام في ما جهر فيه، ولا يقرأ معه، أخرج الطحاوي عن مجاهد قال: سمعت عبد الله بن عمر يقرأ خلف الإمام في صلاة الظهر من سورة مريم. وأخرج أيضاً عنه: صليت مع ابن عمر الظهر والعصر، وكان يقرأ خلف الإمام، وهذا دالّ صريحاً على أنه ممّن يرى القراءة في السرية دون الجهرية، ويمكن الجمع بأن كفاية قراءة الإمام لا يستلزم أن تمتنع، فيجوز أن يكون رأيه كفاية القراءة من الإمام في الجهرية والسرية كليهما، وجوازها في السرية دون الجهرية لئلا تُخلّ بالاستماع.

وهذا هو الذي أميل إليه وإلى أنه يُعمل بالقراءة في الجهرية لو وجد سكتات الإمام، وبهذا تجتمع الأخبار المرفوعة، فإن حديث:"وإذا قرأ فأنصتوا" مع قوله تعالى: {فاستمعوا له وأنصتوا} صريح في منع القراءة خلف الإمام حين قراءته لإخلاله بالاستماع، وحديث عبادة صريح في تجويز قراءة أم القرآن في الجهرية، وحديث" قراءة الإمام قراءة له" صريح في كفاية قراءة الإمام، فالأَولى أن يُختار طريق الجمع، ويُقال: تجوز القراءة خلف الإمام في السرية، وفي الجهرية إن وجد الفرصة بين السكتات، وإلا لا، لئلا يُخِلَّ بالاستماع المفروض، ومع ذلك لو لم يقرأ فيهما أجزأ لكفاية قراءة الإمام. والحقّ أن المسألة مختلَفٌ فيها بين الصحابة والتابعين، واختلاف الأئمة مأخوذ من اختلافهم، فكُلُّ اختار ما ترجّح عنده، ولكلٍّ وجهة هو مولّيها فاستبقوا الخيرات.

ص: 414

116 -

قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْعُودِيُّ (1) ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ (2)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ سَأَلَ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الإِمَامِ، قَالَ: تَكْفِيكَ قِرَاءَةُ الإِمَامِ (3) .

117 -

قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ

(1) قوله: المسعودي نسبة إلى مسعود والد عبد الله بن مسعود، وقد اشتهر به جماعة من أولاده كما ذكره السمعاني، منهم: عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي، روى عن أبيه وعليّ والأشعث بن قيس ومسروق، وعنه أبناه القاسم ومعاً، وسماك بن حرب، وأبو إسحاق السبيعي، وغيرهم، قال يعقوب بن شيبة: كان ثقة، قليل الحديث، مات سنة 79 هـ، ومنهم: وهو المذكور ههنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي المسعودي هكذا ذكر في نسبه في "تهذيب التهذيب" و"تذكرة الحفاظ" والذي في "التقريب"، و"الأنساب": عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، روى عن أبي إسحاق السبيعي وأبي إسحاق الشيباني والقاسم بن عبد الرحمن المسعودي وعلي بن الأقمر وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وغيرهم، وعنه السفيانان، وشعبة، وجعفر بن عون، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم، وثَّقه ابن معين وابن المديني وأحمد وغيرهم، وكان قد اختلط في آخر عمره، توفي في سنة 160 هـ.

(2)

قوله: أنس بن سيرين، هو أبو موسى، أنس بن سيرين الأنصاري المدني، مولى أنس أخو محمد بن سيرين، روى عن مولاه وابن عباس، وابن عمر، وجماعة، وعنه شعبة، والحمّادان، وثّقه ابن معين، والنسائي، وأبو حاتم، وابن سعد، والعِجلي، مات سنة 118 هـ، وقيل: 125 هـ، كذا في "تهذيب التهذيب".

(3)

كذا أخرجه الطحاوي من طريق شعبة عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.

ص: 415

مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ (1) ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ (2) ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ:(3) مَنْ صَلَّى خَلْفَ الإِمَامِ

(1) قوله: أبو الحسن موسى بن أبي عائشة، قال القاري في"سند الأنام شرح مسند الإمام": وهو من أكابر التابعين. انتهى. وفي "تقريب التهذيب": موسى بن أبي عائشة الهَمداني، بسكون الميم، مولاهم أبو الحسن الكوفي، ثقة عابد، وفي"الكاشف" موسى بن أبي عائشة الهَمداني الكوفي، عن سعيد بن جبير، وعبد الله بن شدّاد وعنه شعبة وجرير، وعبيدة، وكان إذا رئي ذُكرَ الله. انتهى.

(2)

قوله: عن عبد الله بن شداد، هو أبو الوليد الليثي المدني عبد الله بن شداد بتشديد الدال الأولى قيل: اسمه أسامة، وشداد، ولقبه ابن الهاد، اسمه عمرو، ولقبه الهادي، وقيل: اسمه أسامة بن عمرو بن عبد الله بن جابر بن بشر، روى شداد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وله صحبة، ذكره ابن سعد في من شهد الخندق، وكان سكن المدينة ثم تحول إلى الكوفة وابنه عبد الله روى عن أبيه وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وخالته أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر الصديق، وخالته لأمه ميمونة أم المؤمنين، وعائشة، وأم سلمة وغيرهم، وعنه جماعة، قال العِجلي والخطيب: هو من كبار التابعين، وثقاتهم، وقال أبو زرعة والنسائي وابن سعد: ثقة. وذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب" أنه ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الميموني: سئل أحمد هل سمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً؟ قال: لا، مات سنة 81 هـ، وقيل سنة 82 هـ، كذا في "تهذيب التهذيب".

(3)

قوله: أنه قال

إلخ، هذا الحديث قد روي عن طريق جماعة من الصحابة: فمنهم أبو سعيد الخدري. أخرج ابن عدي في" الكامل"، عن اسماعيل بن عمرو بن نجيح، عن الحسن بن صالح، عن أبي هارون العبدي عنه مرفوعاً "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة". وأعله ابن عدي بأنه لا يُتابع عليه اسماعيل، وهو ضعيف. وردَّه الزيلعي بأنه قد تابعه النضر بن عبد الله، أخرجه الطبراني في "الأوسط"، عن محمد بن إبراهيم بن عامر بن إبراهيم الأصبهاني، قال: حدثني أبي عن جدي، عن النضر بن عبد الله، عن الحسن بن صالح، به سنداً ومتناً.

ص: 416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ومنهم: أنس. روى ابن حبان في "كتاب الضعفاء"، عن ابن سالم، عن أنس مرفوعاً:"من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له". وأعلَّه بابن سالم، وقال: إنه يخالف الثقات، ولا يعجبني الرواية عنه، فكيف الاحتجاج به، وروى عنه المجاهيل والضعفاء.

ومنهم: أبو هريرة. أخرج الدارقطني في "سننه"، عن محمد، عن عبّاد الرازي، عن إسماعيل بن إبراهيم التيمي، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة نحوه مرفوعاً. قال الدارقطني: تفرد به محمد بن عباد الرازي، وهو ضعيف.

ومنهم: ابن عباس. أخرج الدارقطني، عن عاصم بن عبد العزيز المدني، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عنه مرفوعاً:"تكفيك قراءة الإمم خافت أو جهر". قال الدارقطني: قال أبو موسى: قلت لأحمد في حديث ابن عباس هذا، فقال: حديث منكر، ثم قال الداقطني في موضع آخر: عاصم بن عبد العزيز ليس بالقوي ورفْعُه وهم.

ومنهم: ابن عمر. أخرج الدارقطني، عن محمد بن الفضل بن عطية، عن أبيه، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه مرفوعاً:"من كان له إمام فقراءته له قراءة". وأعلَّه بأن محمد بن الفضل متروك. ثم أخرجه عن خارجة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً، وقال: رفْعُه وهم. ثم أخرجه عن أحمد بن حنبل: نا إسماعيل بن علية، عن نافع، عن ابن عمر موقوفاً عليه:"يكفيك قراءة الإمام"، وقال الوقف هو الصواب.

ومنهم: جابر بن عبد الله، ولحديثه طرق منها: طريق محمد، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن ابن شدّاد، عن جابر، وهو أحسن طرقه، حكم عليه ابن الهُمام بأنه صحيح، على شرط الشيخين، وقال العيني: هو حديث صحيح، أما أبو حنيفة فأبو حنيفة، وموسى بن أبي عائشة الكوفي من الثقات الأثبات من رجال الصحيحين، وعبد الله بن شدّاد من كبار الشاميين وثقاتهم، وهو

ص: 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حديث صحيح. انتهى. وأخرجه الدارقطني من طريق أبي حنيفة، وعن الحسن بن عمارة بسنده، عن جابر مرفوعاً، وقال: هذا الحديث لم يسنده، عن جابر غير أبي حنيفة، وابن عمارة، وهما ضعيفان، وقدر رواه الثوري، وأبو الأحوص، وشعبة، وإسرائيل، وشريك، وأبو خالد، وابن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم، عن موسى مرسلاً، وهو الصواب. انتهى. وردّه العيني بأن الزيادة من الثقة مقبولة، والمراسيل عندنا حجة، وسئل يحيى بن معين عن أبي حنيفة؟ فقال: ما سمعت أحداً ضعَّفه، فقد ظهر لنا من هذا تحامل الداقطني، وتعصبه، ومن أين له تضعيف أبي حنيفة، وهو مستحق التضعيف، وقد روى في "مسنده" أحاديث سقيمة ومعلولة، ومنكرة وموضوعة. انتهى. وقال ابن الهُمام في "فتح القدير": قولهم: الحفاظ الذين عدّوهم لم يرفعوه غير صحيح، قال أحمد بن منيع في "مسنده": نا إسحاق الأزرق، نا سفيان الأزرق، نا سفيان وشريك، عن موسى بن أبي عائشة، عن ابن شدّاد، عن جابر (قال النيموي: رجالهم كلهم ثقات فثبت متابعة الإمام أبي حنيفة باثنين، احدهما: سفيان، وثانيهما: شريك، والثقة يسند الحديث ويرسله أخرى. ولهذا الحديث طرق أخرى عند الدارقطني وغيره يشد بعضها بعضاً وإن ضعفت "آثار السنن مع التعليق الحسن"[1 - 87] ) ، قال: ونا جرير، عن موسى بن أبي عائشة مرفوعاً، ولم يذكر عن جابر ورواه عبد بن حميد، نا أبو نعيم، نا الحسن بن صالح، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً، فهؤلاء سفيان وشريك وجرير وابو الزبير رفعوه بالطرق الصحيحة، فبطل عدّهم في من لم يرفعه. انتهى. ومنها طريق محمد الذي ذكره بعد الطريق المذكور وهو طريق سهل بن العباس، عن ابن عُليَّة، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، وقد أخرجه الطبراني أيضاً في "الأوسط" من هذا الطريق، وقال: لم يرو أحدٌ عن ابن علية مرفوعاً إلَاّ سهل، ورواه غيره موقوفاً. وأخرجه الدارقطني، وأعلَّه بأن سهل متروك، ليس بثقة. وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" من طريق الحسن بن صالح، عن جابر الجعفي والليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً، وكذلك أخرجه ابن عدي، وأعلَّه

ص: 418

فإنَّ قِرَاءَةَ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ (1) .

118 -

قَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ (2) ، قَالَ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ العباس الترمذي،

الدارقطني بأن الحسن قرن جابراً بالليث، والليث ضعفه أحمد والنسائي وابن معين، ولكنه مع ضعفه يُكتب حديثه، فإن الثقات رووا عنه، كشعبة والثوري وغيرهما، وأخرجه ابن ماجه من طريق جابر الجعفي عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً:"من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له"، وفيه جابر الجعفي متكلَّم فيه، قد وثَّقه سفيان وشعبة ووكيع، وضعَّفه أبو حنيفة والنسائي وعبد الرحمن بن مهدي وأبو داود، وكما بسطه الذهبي في "ميزان الاعتدال". وأخرج الداقطني في "غرائب مالك" من طريق مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر مرفوعاً نحوه، فقال: هذا باطل عن مالك، لا يصح عنه، ولا عن وهب، وفيه عاصم بن عصام لا يُعرف.

هذا خلاصة الكلام في طرق هذا الحديث، وتلخَّص منه أن بعض طرقه صحيحة أو حسنة، ليس فيه شيء يوجب القدح عند التحقيق، وبعضها صحيحة مرسلة وإن لم تصح مسندة، والمراسيل مقبولة، وبعضها ضعيفة ينجبر ضعفها بضمّ بعضها إلى بعض، وبه ظهر أن قول الحافظ ابن حجر في "تخريج أحاديث الرافعي" أن طرقه كلها معلولة ليس على ما ينبغي، وكذا قال البخاري في رسالة "القراءة خلف الإمام" أنه حديث لم يثبت عند أخل العلم من أهل الحجاز والعراق، لإرساله، وانقطاعه، أما إرساله، فرواه عبد الله بن شدّاد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما انقطاعه فرواه الحسن بن صالح، عن جابر (الجعفي) ، عن أبي الزبير، عن جابر، ولا يُدرى أسمع من أبي الزبير أم لا؟ انتهى. ولا يخلو عن خدشات واضحة.

(1)

فلا يحتاج المؤتم أن يقرأ خلف الإمام، لأن الإمام قد قام مقامه.

(2)

حدثنا الشيخ أبو علي

إلخ، رجال هذا السند من إسماعيل إلى جابر

ص: 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ثقات. أما جابر، فجابر من أجلَّة الصحابة، وقد مرَّت ترجمته غير مرة. وأما الراوي عنه على ما في نسخ هذا الكتاب الموجودة ابن الزبير، والمشهور الموجود في غير هذا الكتاب أبو الزبير وهو محمد بن مسلم بن تّدْرُس، بفتح التاء وسكون الدال على صيغة المصارع، المكي، مولى حكيم بن حزام، من تابعي مكة، سمع جابراً، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم، وعنه مالك، والسفيانان، وأيوب السختياني، وابن جريج، وشعبة، والثوري، وغيرهم، حافظ ثقة، توفي سنة 128 هـ، كذا في "جامع الأصول" و"الكاشف". وأما الراوي عنه، فهو أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني أبو بكر البصري، رأى أَنساً، وروى عن عطاء وعكرمة وعمرو بن دينار والقاسم بن محمد وعبد الرحمن بن القاسم وغيرهم، وعنه شعبة والحمّادان والسفيانان ومالك وابن علية وغيرهم، قال ابن سعد: كان ثقةً ثبتاً في الحديث، جامعاً، كبيرَ العلم، حجةً، عدلاً، وقال أبو حاتم: هو ثقة لا يُسأل عن مثله، وقال علي: أثبت الناس في نافع أيوب وعبيد الله ومالك، وقد أكثر الثقات في الثناء عليه كما بسطه في "تهذيب الكمال" و"تهذيب التهذيب" و"تذكرة الحفاظ"، مات سنة 131 هـ. وأما الراوي عنه، فهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم أبو بشر البصري، واشتهر بابن علية، وهو بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء، مصغراً اسم أمه، وقيل: جدته أم أمه، وكان يكره أن يقال له ذلك حتى كان يقول: من قال لي: ابن علية فقد اغتابني. ورى عن عبد العزيز بن صهيب، وحُمَيْد الطويل، وأيوب وابن عون وغيرهم، وعنه شعبة، وابن جريج، وغيرهم، وثَّقه ابن سعد والنسائي وغيرهما، مات سنة 93 هـ، وله ترجمة طويلة مشتملة على ثناءٍ كبير في "تهذيب التهذيب" وغيره. وأما الراوي عن إسماعيل بن علية يعني سهل بن العباس الترمذي نسبة إلى ترمذ بكسر التاء والميم بينهما راء ساكنة أو بضم التاء أو بفتحها والأول هو المشهور، مدينه مما يلي (في الأصل:"يلي"، والصواب "مما يلي") بلخ، قاله السمعاني. فقد قال الذهبي في "ميزان الاعتدال": تركه الدارقطني، وقال: ليس بثقة، انتهى.

ص: 420

قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عليَّة، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ صَلَّى خَلْفَ الإِمَامِ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ.

119 -

قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا أسامة بن زيد المدني (1) ، حدثنا

وأما الراوي عنه محمود بن محمد المروزي نسبة إلى مرو، بفتح الميم وسكون الراء، وألحقوا الزاء المعجمة في النسبة إليها، للفرق بينهما وبين المروي، وهو ثوب مشهور بالعراق، منسوب إلى قرية بالكوفة، كذا قال المسعاني، والراوي عنه أبو علي شيخ صاحب الكتاب، فلم أقف إلى الآن على تشخيصهما حتى يعرف توثيقهما أو تضعيفهما، ولعل الله يتفضَّل عليَّ بالاطّلاع عليه بعد ذلك (قلت: إن هذا الحديث ليس من رواية محمد بن الحسن، ولا وجود له في النسخ الصحيحة، وقد خلت منه النسخة المنقولة عن نسخة الإتقاني (المحفوطة في دار الكتب المصرية رقم ج 439) ، وإنما هو حديث كان بنسخة أبي علي الصواف فأدخل في الصلب خطأ من بعض الناسخين، وليس أبو علي هذا بشيخ المصنف، بل هو الصواف، محمد بن أحمد بن الحسن الصواف من رجال القرن الرابع، وشيخه المروزي، مترجم له في تاريخ بغداد للخطيب 13/94، ويسوق الخطيب هذا الحديث: وليس للإمام محمد بن الحسن دخل في هذا الحديث أصلاً، (بلوغ الأماني: 2/181)) .

(1)

قوله: أخبرنا أسامة بن زيد المدني، قال الذهبي في "ميزان الاعتدال": أسامة بن زيد الليثي مولاهم المدني، عن طاووس، وطبقته، وعنه ابن وهب، وزيد بن الحباب، وعبيد الله بن موسى، قال أحمد: ليس بشيء، فراجعه ابنه فيه، فقال: إذا تدبَّرتَ حديثه تعرف فيه النُّكرة، وقال يحيى بن معين: ثقة، وكان يحيى القطان يضعِّفه، وقال النسائي: ليس بالقويّ، وقال ابن عدي: ليس به بأس، وروى عباس، وأحمد بن أبي مريم، عن يحيى: ثقة، زاد ابن مريم عنه: حجة، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتج به، مات سنة 153 هـ. انتهى ملخَّصاً. وفي "التقريب" هو صدوق، يهم. انتهى وله ترجمة طويلة في "تهذيب التهذيب".

ص: 421

سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لا يَقْرَأُ خَلْفَ الإِمَامِ، قَالَ:(1) فَسَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إنْ تركتَ (2) فَقَدْ تَرَكَهُ نَاسٌ (3) يُقتدى بِهِمْ، وَإِنْ قَرَأْتَ فَقَدْ قَرَأَهُ نَاسٌ يُقتدى بِهِمْ. وَكَانَ (4) الْقَاسِمُ مِمَّنْ لا يَقْرَأُ (5) .

120 -

قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (6) ، عَنْ مَنْصُورِ بن

(1) أي: أسامة.

(2)

يشير إلى سعة الأمر في ذلك، وأنه أمر مختلف فيه بين الصحابة، وكلّهم على هدى، فبأيِّهم اقتدى اهتدى.

(3)

أي: من الصحابة.

(4)

هو قول أسامة.

(5)

قال القاري: ولكن كان يجوِّز القراءة.

(6)

قوله: سفيان بن عيينة، بضم العين وفتح الياء الأولى بعد الياء الساكنة الثانية نون، مصغراً، هو الحافظ شيخ الإسلام، أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي، محدِّث الحرم المكي، ولد سنة 107 هـ، وسمع من الزهري وزيد بن أسلم، ومنصور بن المعتمر وغيرهم، وعنه الأعمش وشعبة وابن جريج وابن المبارك والشافعي وأحمد ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وخلق لا يُحْصَوْن، قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ": كان إماماً، حجةً، حافظاً، واسع العلم، كبير القدر، قال الشافعي: لولا مالكٌ وسفيان لذهب علم الحجاز، وقال العِجْلي: كان ثبتاً في الحديث، وقال ابن معين: هو أثبت الناس في عمرو بن دينار، واتفقت الأئمة على الاحتجاج به، وقد حجَّ سبعين حجة، مات سنة 198 هـ. انتهى ملخصاً.

ص: 422

الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ (1)، قَالَ: سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الإِمَامِ، قَالَ: أَنْصِتْ (2) ، فإنَّ فِي الصَّلاةِ شُغْلا (3) سَيْكَفِيكَ (4) ذاك (5) الإمام.

(1) قوله: عن أبي وائل، هو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، قال الذهبي في "التذكرة": مخضرم، جليل، روى عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وعائشة وجماعة، وعنه الأعمش ومنصور وحصين، يقال: أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، قال النخعي: إني لأحسب أبا وائل ممن يُدفع عنّا به، مات سنة 82 هـ. انتهى.

(2)

أي اسكت، قوله: أنصت، كذا أخرجه ابن أبي شيبة والطحاوي عنه وأخرج الطحاوي، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: ليتَ الذي يقرأ خلف الإمام مُلئ فوه تراباً.

(3)

شغلاً: قال القاري: بفتحتين، وبضم وسكون وقد يفتح، فيسكن، أي: اشتغالاً للبال في تلك الحال مع الملك المتعال يمنعها القيل والقال.

(4)

يشير إلى حديث "قراءة الإمام قراءة له"، أي: كافية له (وأُورد عليه ما رواه البيهقي، عن أشعث بن سليم، عن عبد الله بن زياد الأسدي، قال: صليت إلى جنب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه خلف الإمام فسمعته يقرأ في الظهر والعصر، (جزء القراءة خلف الإمام، ص 64) . قلتُ: ويعارضه ما سيأتي، عن علقمة أن عبد الله بن مسعود كان لا يقرأ خلف الإمام فيما يجهر به وفيما يخافت فيه في الأوليين ولا في الأخريين، ورجاله ثقات إلى محمد بن أبان ضعفه بعضهم، ولكن احتج محمد بن الحسن بحديثه وهو إمام مجتهد واحتجاج المجتهد بحديث تصحيح له، والمشهور الثابت عن ابن مسعود أنه كان لا يقرأ خلف الإمام وينهى عنها، وعلى ذلك كان أصحابه. وما روي عنه قرأ في الظهر والعصر خلف الإمام محمول على أن الإمام كان لحّاناً، لا يقرأ بالصحة. (عمدة القاري: 3/69)) .

(5)

أي: القراءة.

ص: 423

121 -

قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ الْقُرَشِيُّ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لا يَقْرَأُ خَلْفَ الإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ (1) وَفِيمَا يُخَافِتُ فِيهِ (2) فِي الأُولَيَيْن، وَلا فِي الأُخْرَيَيْن، وَإِذَا صلَّى وحدَه (3) قَرَأَ فِي الأُولَيَيْن بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، وَلَمْ يَقْرَأْ (4) فِي الأُخْرَيَيْن شَيْئًا (5) .

122 -

قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، حدَّثنا مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَنْصِتْ لِلْقِرَاءَةِ (6) ، فَإِنَّ فِي الصَّلاةِ شُغْلا، وَسَيَكْفِيكَ الإِمَامُ.

123 -

قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا بُكَيْرُ بْنُ عَامِرٍ (7) ، حَدَّثَنَا إبراهيم

(1) أي: في الفجر والعشاء والمغرب.

(2)

أي: العصر والعصر الظهر.

(3)

أي: منفرداً.

(4)

قوله: ولم يقرأ، به أخذ أصحابنا، فقالوا: لا تجب قراءة في الأُخريين في الفرائض، فإن سبَّح فيهما أو قام ساكتاً أجزأه، به قال الثوري والأوزاعي وإبراهيم النخعي وسلف أهل العراق، وأما مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود فقالوا: إن القراءة فيهما بفاتحة الكتاب واجب على الإمام والمنفرد، كذا ذكره ابن عبد البر، وسيجيء تفصيله إن شاء الله تعالى في موضعه.

(5)

أي: من القرآن.

(6)

أي: لاستماع قراءة الإمام.

(7)

قوله: أخبرنا بكير بن عامر، هو أبو إسماعيل بكير، مصغراً، بن عامر البجلي الكوفي، مختلف فيه، روى عن قيس بن أبي حازم وأبي زرعة بن

ص: 424

النَّخَعِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنَ قَيْسٍ، قَالَ: لأَنْ أَعُضَّ (1) عَلَى جَمْرَةٍ أَحَبُّ إِلَى مِنْ أَنْ أَقْرَأَ خَلْفَ الإِمَامِ.

124 -

قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ بن يونس (2) ، حدثنا منصور (3) ،

عمرو بن جرير، وغيرهما، وعنه الثوري ووكيع وغيرهما، قال أحمد مرة: صالح الحديث ليس به بأس، ومرة: ليس القوي (في نسخة: ليس بقوي) ، وضعَّفه النسائي، وأبو زرعة، وابن معين، وقال ابن عدي: ليس كثير الرواية وروايته قليلة، ولم أجد له متناً منكراً، وهو ممن يُكتب حديثه، وقال ابن سعد والحاكم: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات" كذا في "تهذيب التهذيت".

(1)

قوله: لأن أعضّ على جمرة، الجمرة بالفتح قطعة النار، والعضّ بافتح أصله عضض الإمساك بالأسنان والفم، يقال: عضّ بالنواجذ، أي: أمسك بجميع الفم والأسنان، كذا في "النهاية" وغيره. والمعنى عضّي بفمي وأسناني قطعة من نار مع كونه مؤلماً ومحرقاً أحبّ إليّ من القراءة خلف الإمام. وهذا تشديد بليغ على القراءة خلف الإمام، ولا بد أن يُحمل على القراءة المشوِّشة لقراءة الإمام والقراءة المفوِّتة لاستماعها، وإلَاّ فهو مردود، مخالف لأقوال جمع من الصحابة والأخبار المرفوعة من تجويز الفاتحة خلف الإمام.

(2)

قوله: إسرائيل بن يونس، هو أبو يوسف إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، روى عن جده، وقد مرَّ ذكره سابقاً، وزياد بن علاقة وعاصم الأحوال وغيرهم، وعنه عبد الرزاق ووكيع وجماعة، قال أحمد: كان شيخاً ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، ووثقه العجلي ويعقوب بن شيبة وأبو داود والنسائي وغيرهم، مات سنة 162 هـ أو سنة 165 هـ أو سنة 161 هـ على اختلاف الأقوال، كذا في "تهذيب التهذيب"

(3)

هو منصور بن المعتمر.

ص: 425

عَنْ إِبْرَاهِيمَ (1) قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ (2) مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الإِمَامِ رَجُلٌ اتُّهم (3) .

125 -

قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ (4) قَالَ: أمَّ (5)

(1) هو إبراهيم بن يزيد النخعي.

(2)

يشير إلى أن القراءة خلف الإمام بدعة محدثة، وفيه ما فيه.

(3)

قوله: رجل اتّهم، قال القاري: بصيغة المجهول، أي: نسب إلى بدعة أو سمعة، وقد أخرج عبد الرزاق، عن علي، قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة، ذكره ابن الهمام.

(4)

في نسخة: الهادي بالياء، وهما لغتان، كالعاص والعاصي (قال العلامة محمد طاهر الفتني: يقول المحدثون بحذف الياء، والمختار في العربية إثباته. المغني (ص 83)) .

(5)

قوله: قال أمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم

إلخ، هكذا وجدنا في نسخ الموطَّأ مرسلاً، وهو الأصح، وأخرجه في "كتاب الآثار"، عن أبي حنيفة، نا أبو الحسن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شدّاد، عن جابر بن عبد الله قال: صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل خلفه يقرأ، فجعل رجل من أصحاب رسول الله ينهاه عن القراءة في الصلاة، فقال: أتنهاني عن الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنازعا حتى سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من صلّى خلف الإمام، فإن قراءة الإمام قراءة له. وأخرجه الدارقطني من طريق أبي حنيفة، وقال: زاد فيه أبو حنيفة، عن جابر بن عبد الله، وقد رواه جرير والسفيانان وأبو الأحوص وشعبة وزائدة وزهير وأبو عوانة وابن أبي ليلى وقيس وشريك وغيرهم، فأرسلوه، ورواه الحسن بن عُمارة كما رواه أبو حنيفة: وهو يضعَّف. انتهى. وفي "فتح القدير" بعد ذكر رواية أبي حنيفة: هذا يفيد أن أصل الحديث هذا، غير أن جابراً روى منه محل الحكم تارةً، والمجموع

ص: 426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تارةً، ويتضمَّن ردّ القراءة خلف الإمام، لأنه خرج تأييداً لنهي ذلك، خصوصاً في رواية أبي حنيفة أن القصة كانت في الظهر والعصر، فيعارض ما رُوي في بعض روايات حديث. ما لي أنازَع القرآن؟ قال: إن كان لا بد فبالفاتحة. وكذا ما رواه أبو داود والترمذي، عن عبادة:"ولا تفعلوا إلَاّ بفاتحة الكتاب"، يقدَّم لتقدّم المنع على الإطلاق عند التعارض، ولقوة السند، فإن حديث:"من كان له إمام" أصح، فبطل رد المتعصبين وتضعيف بعضهم لمثل أبي حنيفة مع تضعيفه في الرواية إلى الغاية حتى إنه شرط التذكُّر لجواز الرواية بعد علمه أنه خطه، ولم يشترط الحفاظ هذا، ثم قد عُضِّد بطرق كثيرة، عن جابر غير هذه، وإن ضُعِّفت، وبمذاهب الصحابة حتى قال المصنف: إن عليه إجماع الصحابة. انتهى. وفيه نظر، وهو أنه لم يَرِد في حديث مرفوع صحيح النهي عن قراءة الفاتحة خلف الإمام، وكل ما ذكروه مرفوعاً فيه إما لا أصل له، وإما لا يصح.

كحديث: "من قرأ خلف الإمام مُلئ فوه ناراً"، أخرجه ابن حبان في "كتاب الضعفاء" واتُّهم به مأمون بن أحمد أحد الكذَّابين، وذكره ابن حجر في "تخريج أحاديث الهداية"، وكحديث:"من قرأ خلف الإمام ففي فِيه جمرة"، ذكره صاحب "النهاية" وغيره مرفوعاً ولا أصل له.

وكحديث عمران بن حصين: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس، ورجل يقرأ خلفه، فلما فرغ، قال: من ذا الذي يُخالجني سورة كذا؟ فنهاهم عن القراءة خلف الإمام، أخرجه الدارقطني وأعلَّه بأنه لم يقل هكذا غير حجَّاج بن أرطاة عن قتادة، وخالفه أصحاب قتادة، منهم: شعبة وسعيد وغيرهما، فلم يذكروا فيه النهي، وحجاج لا يُحتج به. انتهى. وقال البيهقي في كتاب "المعرفة": قد رواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى بأصحابه الظهر، فقال: أيّكم قرأ بسبِّح اسم ربك الأعلى؟ فقال رجل: أنا، فقال: قد عرفتُ أن رجلاً خالجَنيها، قال شعبة: فقلت لقتادة: كأنه كرهه، فقال: لو كرهه لنهى عنه. ففي سؤال شعبة وجواب قتادة في هذا الرواية الصحيحة يُكذَّب

ص: 427

رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصر (1) ،

من قَلَبَ الحديث، وزاد فيه، فنهى عن القراءة خلف الإمام. انتهى.

وكحديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه، فقال: أتقرؤون خلف إمامكم والإمام يقرأ؟ فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقالوا: إنا لنفعل ذلك، فقال: لا تفعلوا، فإنه

رواه ابن حبان في "صحيحه" وزاد في آخره: "وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه"، فعُلم أن رواية الطحاوي مختصرة، والحديث يفسِّر بعضه بعضاً، فظهر أنه لا يوجد معارض لأحاديث تجويز القراءة خلف الإمام مرفوعاً. فإن قلتَ: هو حديث "وإذا قرأ فأنصتوا"، قلتُ: هو لا يدل إلَاّ على عدم جواز القراءة مع قراءة الإمام في الجهرية، ولا على امتناع القراءة في السرية أو في الجهرية عند سكتات الإمام. فإن قلتَ: هو حديث من كان له إمام قلت: هو لا يدل على المنع بل على الكفاية فإن قلت: هو آثار الصحابة، قلتُ: بعضها لا تدل إلَاّ على الكفاية وبعضها لا تدل إلَاّ على المنع في الجهرية عند قراءة الإمام، فلا تعارض بها، وإنما يعارض بما كان منها دالاً على المنع مطلقاً، وهو أيضاً ليس بصالح لذلك، لأن المعارضة شرطها تساوي الحجتين في القوة، وأثر الصحابي ليس بمساوٍ في القوة لأثر النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان سند كل منهما صحيحاً. وبالجملة لا يظهر لأحاديث تجويز القراءة خلف الإمام معارض يساويها في الدرجة، ويدل على المنع حتى يُقَدَّم المنع على الإباحة. وأما ما ذكره صاحب "الهداية" في إجماع الصحابة على المنع فليس بصحيح لكون المسألة مختلَفاً فيها بين الصحابة، فمنهم من كان يجِّوز القراءة مطلقاً، ومنهم من كان يجوِّز في السرية، ومنهم من كان لا يقرأ مطلقاً، كما مرَّ سابقاً، فأين الإجماع؟! فتأمل لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.

(1)

هذا صريح في أن كفاية قراءة الإمام ليس مختصاً بالجهرية، بل هو كذلك في السرية.

ص: 428

قَالَ: فَقَرَأَ رَجُلٌ (1) خَلْفَهُ فَغَمَزَهُ (2) الَّذِي يَلِيهِ، فَلَمَّا أَنْ صَلَّى قَالَ: لِمَ غَمَزْتَنِي؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُدّامَك (3) ، فَكَرِهْتُ أَنْ تَقْرَأَ خَلْفَهُ، فَسَمِعَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قال (4) : من كان لَهُ إِمَامٌ فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ لَهُ قِرَاءَةٌ.

126 -

قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ الْفَرَّاءِ (5) الْمَدَنِيُّ (6)، أَخْبَرَنِي بَعْضُ (7) وُلْد سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أنه (8) ذكر له أن سعداً قال:

(1) في بعض رواياته أنه قرأ: {سَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} كما بسطها السيد مرتضى الزبيدي في "الجواهر المنيفة في أدلة أبي حنيفة".

(2)

أي: أشار بإصبعه أن اسكت.

(3)

قوله: قُدّامك، بضم القاف، وتشديد الدال المهملة، أي: أمامك، كذا نقله بعضهم عن ضبط خطّ القاري، ويجوز أن يكون "قد" حرفَ تحقيق و"أمَّك" ماضٍ مع كاف الخطاب.

(4)

في نسخة: فقال.

(5)

قوله: أخبرنا داود بن قيس الفرّاء، بفتح الفاء وتشديد الراء، نسبة إلى بيع الفرو وخياطته، ذكره السمعاني، وهو أبو سليمان داود بن قيس الفرّاء الدبّاغ المدني، روى عن السائب بن يزيد وزيد بن أسلم ونافع مولى ابن عمر ونافع بن جبير بن مطعم وغيرهم، وعنه السفيانان وابن المبارك ويحيى القطّان ووكيع وغيرهم، وثَّقه الشافعي وأحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والساجي وابن المديني وغيرهم. ذكر عباراتهم صاحب "التهذيب" و"تهذيبه"، وكانت وفاته في ولاية أبي جعفر.

(6)

في نسخة المديني.

(7)

قوله: بعضُ وُلْد، بضم الواو وسكون اللام، أي: أولاده، ولم يعرف اسمه، قال ابن عبد البر في "الاستذكار": هذا حديث منقطع لا يصح. انتهى.

(8)

ضمير الشأن أو هو يرجع إلى بعض ولد سعد كضمير (ذكر) ، وضمير (له) راجع إلى داود.

ص: 429

وَدِدْتُ (1) أنَّ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الإِمَامِ فِي فِيه (2) جمرةٌ.

127 -

قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ الْفَرَّاءُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلانَ (3) : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ (4) : لَيْتَ فِي فَمِ الذي

(1) أي: أحببت.

(2)

قوله: في فِيه جمرة، قال البخاري في رسالته "القراءة خلف الإمام" بعدما ذكر هذا الأثر وأثر عبد الله بن مسعود: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام مُلئ فوه نَتِناً: هذا كله ليس من كلام أهل العلم لوجهين: أحدهما: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تلاعنوا بلَعنة الله ولا بالنار، ولا تعذِّبوا بعذاب الله". فكيف يجوز لأحد أن يقول في الذي يقرأ خلف الإمام: في فمه جمرة، والجمرة من عذاب الله؟ والثاني: أنه لا يحِلّ لأحد أنْ يتمنّى أن تُملأ أفواه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل عمر، وأبيّ بن كعب، وحذيفة، وعلي، وأبي هريرة، وعائشة، وعبادة بن الصامت، وأبي سعيد، وعبد الله بن عمر في جماعة آخرين ممن رُوي عنهم القراءة خلف الإمام رضفاً ولا نتناً ولا تراباً. انتهى. وفيه أنه لا بأس بأمثال هذا الكلام للتهديد والتشديد، والتعذيب بعذاب الله ممنوع، لا التهديد به، فالأوْلَى أن يُتكلَّم في أسانيد هذه الآثار الدالة على أمثال هذه التشديدات، فإن صحَّت تُحمل على القراءة مع قراءة الإمام الذي يوجب ترك امتثال قوله تعالى:{وإذا قُرِئ القرآنُ فَاستَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا} (سورة الأعراف: رقم الآية 204) وحديث: "وإذا قرأ فأنصتوا"(أخرجه مسلم في التشهد، رقم الحديث 404) لئلا يحصل التخالف بين الآثار والأخبار.

(3)

قوله: محمد بن عجلان، قال الذهبي في "الكاشف": محمد بن عجلان المدني الفقيه الصالح، عن أبيه وأنس وخَلْق، وعنه شعبة ومالك والقطان وخلق، وثقه أحمد وابن معين، وقال غيرهما: سيِّئ الحفظ، توفي سنة 143 هـ. انتهى.

(4)

قوله: قال، يخالفه ما أخرجه الطحاوي، عن يزيد بن شريك أنه قال:

ص: 430

يَقْرَأُ خَلْفَ الإِمَامِ حَجَرًا.

128 -

قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ قَيْسٍ (1) ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، يحدِّثه عَنْ جدِّه أنه قال (2) :

سألت عمر بن الخطاب عن القراءة خلف الإمام، فقال لي: اقرأ، فقلت: وإن كنتُ خلفك؟ فقال: وإن كنتَ خلفي؟ فقلتُ: وإن قرأت، قال: وإن قرأت.

(1)

قوله: أخبرنا داود بن سعد بن قيس، هكذا في بعض النسخ المصحَّحة، وفي بعض النسخ المصححة داود بن قيس، ولعله داود بن قيس الفرّاء المدني الذي مرَّ ذكره: حدثنا عَمرو بن محمد بن زيد هكذا في بعض النسخ، وفي بعض النسخ الصحيحة عُمر بن محمد بن زيد، بضم العين، بدون الواو، وهو عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، نزيل عسقلان، روى عن أبيه وجَدَّه زيد وعمَ أبه سالم وزيد بن أسلم ونافع وغيرهم، وعن شعبة ومالك والسفيانان وابن المبارك، قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقة، ليس به بأس، وقال حنبل، عن أحمد: ثقة، وكذا قال ابن معين والعِجلي وأبو داود وأبو حاتم، كان أكثر مقامه بالشام، ثم قدم بغداد، ثم قدم الكوفة، فأخذوا عنه، مات بعد أخيه أبي بكر، ومات أبو بكر بعد خروج محمد بن عبد الله بن حسن، وكان خروجه سنة 145 هـ، كذا في "تهذيب التهذيب"، عن موسى بن سعد بن زيد بن ثابت. قال الذهبي في "الكاشف": موسى بن سعد أو سعيد عن سالم، وربيعة الرأي وعنه عمر بن محمد، وُثِّق. انتهى. وفي "التقريب": موسى بن سعد أو سعيد بن زيد بن ثابت الأنصاري المدني، مقبول.

يحدّثه، أي: يحدِّث موسى عمر بن محمد، عن جده زيد بن ثابت الصحابي الجليل كاتب الوحي والتنزيل.

(2)

قوله: أنه قال، ذكره البخاري في رسالة "القراءة"، وقال: لا يُعرف لهذا

ص: 431

مَنْ قَرَأَ (1) خَلْفَ الإِمَامِ فَلا صَلاةَ لَهُ.

35 -

(باب الرجل يُسبَق (2) ببعض الصلاة)

129 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاةِ مَعَ الإِمَامِ الَّتِي يُعلن (3) فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَإِذَا سلَّم (4) قَامَ ابْنُ عُمَرَ، فَقَرَأَ لِنَفْسِهِ فِيمَا (5) يَقْضِي.

قال محمد: وبهذا نأخذ، لأنه (6)

الإسناد سماع بعضهم عن بعض ولا يصح مثله. انتهى. وقال ابن عبد البر: قول زيد بن ثابت: "من قرأ خلف الإمام فصلاته تامة ولا إعادة" يدل على فساد ما رُوي عنه. انتهى (وقد أجاب عن هذين الإيرادين على أثر زيد بن ثابت الشيخ محمد حسن السنبلي في كتابه: "تنسيق النظام في سند الإمام"، ص 86، فارجع إليه) .

(1)

كأنه محمول على القراءة المُخِلَّة بالاستماع، والنفي محمول على نفي الكمال.

(2)

بصيغة المجهول، أي: يصير مسبوقاً بأن يفوته أول صلاة الإمام.

(3)

بصيغة المعلوم، أي: يجهر فيها الإمام، أو المجهول. وهو قيد واقعي، لا احترازي.

(4)

أي: الإمام.

(5)

أي: فيما يؤدّي من بقية صلاته.

(6)

قوله: لأنه يقضي أول صلاته، وبه قال الثوري والحسن بن حيّ ومالك على رواية، وهو المرويّ، عن عمر وعليّ وأبي الدرداء وابن عمر ومجاهد وابن سيرين، وخالفهم الشافعي وأحمد وداود والأوزاعي ومالك في المشهور عنه، وسعيد بن المسيب وعمر (في الأصل:"عمرو"، وهو تحريف) بن عبد العزيز ومكحول عطاء والزهري، فقالوا:

ص: 432

يَقْضِي أَوَّلَ صَلاتِهِ (1) ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله.

130 -

أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَاءَ إِلَى الصَّلاةِ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ رَفَعُوا (2) مِنْ رَكْعَتِهِمْ (3) سَجَدَ مَعَهُمْ.

قَالَ مُحَمَّدٌ: بِهَذَا نَأْخُذُ، وَيَسْجُدُ معهم (4) ولا يَعتدّ بها (5) وهو

المسبوق يقضي آخر صلاته، كذا في "الاستذكار" (2/95 وبسط الشيخ في "أوجز المسالك" 2/13: اختلاف العلماء في صلاة المسبوق) .

(1)

أي: في حق القراءة، وفي حق التشهد هو آخر صلاته.

(2)

أي: رؤوسهم.

(3)

أي: من ركوعهم.

(4)

قوله: ويسجد معهم

إلخ، لحديث أبي هريرة مرفوعاً:"إذا جئتم ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدّوها شيئاً". أخرجه أبو داود وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، وزاد: ومن أدرك الركعة فقد أرك الصلاة. وأخرج الترمذي من حديث على ومعاذ بن جبل مرفوعاً: إذا أتى أحدكم الصلاة، والإمام على حال، فليصنع كما يصنع الإمام". وفيه ضعف، وانقطاع ذكره ابن حجر في "تخريج أحاديث الرافعي"، وأخرج أبو داود وأحمد من حديث ابن ليلى، عن معاذ، قال: أُحيلت الصلاة ثلاثة أحوال:

الحديث، وفيه قال معاذ: لا أجده على حال أبداً إلا كنتُ عليها ثم قضيت ما سبقني، فجاء وقد سبقه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ببعضها، فقال: قمت معه، فلما قضى صلاته قام معاذ يقضي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قد سنَّ لكم معاذ، فهكذا فاصنعوا".

(5)

أي: لا يُعتبر بها في وجدان تلك الركعة.

ص: 433

قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله.

131 -

أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَجَدَ الإِمَامَ قَدْ صَلَّى بَعْضَ الصَّلاةِ صَلَّى (1) مَعَهُ مَا أَدْرَكَ مِنَ الصَّلاةِ، إِنْ كَانَ قَائِمًا قَامَ، وَإِنْ كَانَ قَاعِدًا قَعَدَ حَتَّى يَقْضِي الإِمَامُ صَلاتَهُ، لا يُخَالِفُ (2) فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلاةِ (3) .

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله.

132 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ (4) ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ (5)(*) ، ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (6)، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أردك (7)

(1) لإدراك زيادة الفضيلة.

(2)

أي: الإمام.

(3)

لحديث: "إنما جُعلَ الإمامُ ليؤتمّ به".

(4)

الزهري.

(5)

قوله: أبي سلمة، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته، ثقة، فقيه، كثير الحديث، وُلد سنة بضع وعشرين ومائة، ومات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومائة، كذا قال الزرقاني.

(*) في نسخة: عن أبي سلمة بن سلمة بن عبد الرحمن، وهو تحريف. وفي "تهذيب التهذيب" 12/115: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل إسماعيل، وقيل اسمه كنيته.

(6)

وهو: ابن عوف الزهري المدني.

(7)

قوله: من أدرك

إلخ، هكذا هذا الحديث في "الموطأ" عند جماعة الرواة، وروى عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي، عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الفضل". وهذا لا أعلم أحداً قاله عن مالك غيره، وقد رواه عمّار بن مطر،

ص: 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

عن مالك، عن الزهري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة ووقتها"، وهذا أيضاً لم يقله عن مالك غيره، وهو مجهول لا يحتجّ به، والصواب، عن مالك ما في "الموطأ" وكذلك رواه جماعة من رواة ابن شهاب كما رواه مالك إلا ما رواه نافع بن يزيد، عن يزيد، عن عبد الوهاب بن أبي بكر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة وفضلها:، وهذ أيضاً لم يقله أحد عن ابن شهاب غير عبد الوهاب.

وقد اختلف الفقهاء في معنى الحديث.

فقالت طائفة منهم: أراد أنه أدرك وقتها، حكى ذلك أبو عبد الله أحمد بن محمد الداوودي، عن داود بن علي وأصحابه، قال أبو عمر (في الأصل:"أبو عمرو"، والظاهر:"أبو عمر") : هؤلاء قوم جعلوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" في معنى قوله: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح"، وليس كما ظنوا، لأنهما حديثان، فكل واحد منهما بمعنى.

وقال آخرون: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك فضل الجماعة، وأصّلوا من أصولهم على ذلك أنه لا يعيد في جماعة من أدرك ركعة من الصلاة الجمعة.

وقال آخرون: معنى الحديث أن مدرك ركعة من الصلاة مدرك لحكمها كلِّه، وهو كمن أدرك جميعها من سهو الإمام وسجوده وغير ذلك، كذا في "الاستذكار"، وقال: الحافظ مُغلطاي (في الأصل "مغلطائي") : إذا حملناه على إدراك فضل الجماعة، فهل يكون ذلك مضاعفاً كما يكون لمن حضرها من أولها أو يكون غير مضاعف قولان؟ وإلى التضعيف ذهب أبو هريرة وغيره من السلف، وقال القاضي عياض: يدل على أن المراد فضل الجماعة ما في رواية ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، من زيادة قوله:"مع الإمام" وقال ابن ملك في "مبارق الأزهار شرح مشارق الأنوار": قوله: "

ص: 435

مِنَ الصَّلاةِ (1) رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ.

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله.

133 -

أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا فَاتَتْكَ الركعة (2) فاتتك السجدة (3) .

فقد أدرك الصلاة" محتاج إلى تأويل، لأن مدرك ركعة لا يكون مدركاً لكل الصلاة إجماعاً، ففيه إضمارٌ تقديره: فقد أدرك وجوب الصلاة، يعني من لم يكن أهلاً للصلاة، ثم صار أهلاً، وقد بقي من وقت الصلاة قدر ركعة لزمته تلك الصلاة، وكذا لو أدرك وقت تحريمة، فتقييده بالركعة على الغالب. وقيل: تقديره: فقد أدرك فضيلة الصلاة، يعني من كان مسبوقاً، وأدرك ركعة مع الإمام فقد أدرك فضل الجماعة. وقيل: معنى الركعة، ههنا الركوع ومعنى الصلاة الركعة يعني من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك تلك الركعة. انتهى.

(1)

أي: مع الإمام.

(2)

قوله: فاتتك: الركعة، يشير إلى أنه إذا لم تفت (في الأصل:"لم يفت"، وهو تحريف) الركعة لم تفت (في الأصل:"لم يفت"، وهو تحريف) السجدة، ويؤيده ما أخرجه مالك أنه بلغه أن ابن عمر وزيد بن ثابت كانا يقولان: من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة، وبلغه أيضاً أن أبا هريرة كان يقول: من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة، ومن فاته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير. ويخالفه ما أخرجه البخاري في رسالة "القراءة خلف الإمام"، عن أبي هريرة أنه قال: إذا أدركتَ القوم وهم ركوع لم يُعتدّ بتلك الركعة، ذكره ابن حجر في "تخريج أحاديث الرافعي" وقال ابن عبد البر (في الأصل:"ابن البر"، وهو خطأ) : هذا قول لا نعلم أحداً من فقهاء الأمصار قال به، وفي إسناده نظر. انتهى. وقد فصّلت المسألة في "إمام الكلام في ما يتعلق بالقراءة خلف الإمام".

(3)

قوله: فاتتك السجدة، معنى إدراك الركعة أن يركع المأموم قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، وروى عن جماعة من التابعين أنهم قالوا: إذا أحرم والناس في ركوع أجزأه، وإن لم يدرك الركوع، وبهذا قال ابن أبي ليلى والليث بن سعد وزفر بن الهذيل، وقال الشعبي: إذا انتهيت إلى الصف المؤخر ولم يرفعوا رؤوسهم وقد رفع الإمام رأسه، فركعت فقد أدركت. وقال جمهور الفقهاء: من أدرك الإمام راكعاً، فكبّر وركع، وأمكن يديه من ركبتيه قبل أن يرفع

ص: 436

قَالَ مُحَمَّدٌ: مَنْ سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ مَعَ الإِمَامِ لا يُعتدّ بِهِمَا (1) ، فَإِذَا سلَّم الإِمَامُ قَضَى رَكْعَةً تَامَةً بِسَجْدَتَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله.

36 -

(بَابُ الرَّجُلِ (2) يَقْرَأُ السُّورَ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْفَرِيضَةِ)

134 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا صلى وحده (3)

الإمام رأسه فقد أدرك الركعة، ومن لم يدرك ذلك فقد فاتته الركعة، ومن فاتته الركعة فقد فاتته السجدة، أي: لا يُعتد بها، ويسجدها، هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري والأَوزعي وأبي ثور وأحمد وإسحاق، وروي ذلك عن علي وابن مسعود وزيد وابن عمر، وقد ذكرت الأسانيد عنهم في "التمهيد"، كذا في "الاستذكار".

(1)

أي: لا يُعتبر بهما في وجدان الركعة.

(2)

قوله: باب الرجل، الظاهر أنه مجرور لإضافة الباب إليه، و"يقرأ" إما حال منه أو صفة، لكون اللام الداخلة على الرجل للعهد الذهبي، فيكون في حكم النكرة أي: باب حكم الرجل الذي يقرأ، أو حال كونه يقرأ. واختار القاريّ أنه مرفوع "يقرأ" خبره والباب مضاف إلى الجملة.

(3)

أي منفرداً.

ص: 437

يَقْرَأُ فِي الأَرْبَعِ (1) جَمِيعًا مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَكَانَ أَحْيَانًا يَقْرَأُ (2) بِالسُّورَتَيْنِ أَوِ الثَّلاثِ (3) فِي صَلاةِ الْفَرِيضَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ وَيَقْرَأُ في الركعتين

(1) من ركعات الصلاة (يحتمل أن يفعل ذلك عبد الله بن عمر إذا صلّى وحده حرصاً على التطويل في الصلاة إن كانت فريضة، ويحتمل أن يكون نافلة غير أن لفظ الأربع ركعات في الفريضة أظهر. 1 هـ. "المنتقى للباجي" 1/146

قلت: الظاهر كونها فريضة، والأوجه أن يقال: إن هذا مذهب ابن عمر رضي الله عنهما، وهو مجتهد، قال الزرقاني 1/165: هذا لم يوافقه مالك ولا الجمهور بل كرهوا قراءة شيء بعد الفاتحة في الأخريين وثالثة المغرب) .

(2)

بجوازه قال الأئمة الأربعة.

(3)

قوله: بالسورتين أو الثلاث، قد يعارَض بما أخرجه الطحاوي أنه قال رجل لابن عمر: إني قرأت المفصل في ركعة أو قال في ليلة، فقال ابن عمر: إن الله لو شاء لأنزله جملة، ولكن فصله لُتعطى كل سورة حظها من الركوع والسجود. ويُجاب بأن فعلَه لبيان الجواز، وقوله لبيان السنية والزجر عن الاستعجال في القراءة مع فوات التدبر والتفكر فلا منافاة، ومما يؤيد جواز القرآن في السور في ركعة ما أخرجه الطحاوي، عن نهيك بن سنان أنه أتى عبد الله بن شقيق إلى ابن مسعود، فقال: إني قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال ابن مسعود: هذا كهذّ الشعر، إنما فُصِّل ليفصلوا، لقد علمنا النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن: عشرين سورة، النجم والرحمن في ركعة، وذكر الدخان وعمّ يتساءلون في ركعة. فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يجمع أحياناً، وقد ثبت ذلك بروايات متعددة في كتب مشهورة وأما قول ابن مسعود: إنما فُصّل ليفصلوه، فقال الطحاوي: إنه لم يذكره، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يُحتمل أن يكون ذلك من رأيه، فقد خالفه في ذلك

ص: 438

الأُولَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ، كَذَلِكَ (1) بِأُمِّ الْقُرْآنِ وسورةٍ سورة.

قال محمد: السنَّة (2)

عثمان لأنه كان يختم القرآن في ركعة (وفي "المغني" لا بأس بالجمع بين السور في الصلاة النافلة، وأما الفريضة فالمستحب أن يقتصر على سورة مع الفاتحة من غير زيادة عليها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا كان يصلي أكثر صلاته. وإن جمع بين السورتين ففيه روايتان: إحداهما يُكره، والثانية لا يكره. أنظر: أوجز المسالك: 2/72.) . ثم أخرج عن ابن سيرين قال: كان تميم الداري يُحيي الليل كلّه بالقرآن كله في ركعة. وأخرج، عن مسروق قال: قال لي رجل من أهل مكة هذا مقام أخيك تميم الداري، فقد رأيته قام ليلة حتى أصبح، وكان يصبح بقراءة آية يركع فيها، ويسجد، ويبكي {أَم حَسِبَ الَّذينَ اجتَرَحُوا السَّيِّئاتِ} (الجاثية: 41) . وأخرج ابن سعيد أن عبد الله بن الزبير قرأ القرآن في ركعة، وأخرج نافع، عن ابن عمر أنه كان يجمع بي السورتين في الركعة الواحدة من صلاة المغرب. وأخرج عنه أيضاً أن ابن عمر كان يجمع بين السورتين والثلاث في ركعة، وكان يقسم السورة الطويلة في الركعتين من المكتوبة.

وبهذا يظهر أنه لا بأس بقراءة القرآن كلَّه في ركعة واحدة أيضاً، بشرط أن يُعطي حَظه من التدبر، ولقد قفَّ شعري مما قال بعض علماء عصرنا إنه بدعة ضلالة، لأنه لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ألَّفت في ردِّه رسالة شافية سمَّيتها "إقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة" فلتُطالع.

(1)

بيان للتشبيه.

(2)

قوله: السنَّة، السُّنِّيَّة راجعة إلى توحُّد السورة بعد الفاتحة في الأوليين، والاكتفاء بالفاتحة في الأُخريين، وأما نفس قراءة الفاتحة وسورة أو قدرها في الأوليين فواجب عندنا.

ص: 439

أَنْ تَقْرَأَ (1) فِي الْفَرِيضَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (2) وَسُورَةٍ، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وإن لم تقرأ فيهما (3) أجزأك (4)

(1) قوله: أن تقرأ

إلخ، هذا هو غالب ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرجه الستة إلَاّ الترمذي، عن أبي قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب. وأخرج الطبراني في معجمه، عن جاب بن عبد الله، قال: سنَّة القراءة في الصلاة أن يقرأ في الأوليين بأم القرآن وسورة، وفي الأخريين بأم القرآن. وأخرج الطحاوي، عن أبي العالية، قال: أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لكل ركعة سورة. وروى الطبراني من حديث عائشة وإسحاق بن راهويه، من حديث رفاعة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.

(2)

قوله: بفاتحة الكتاب، ولو زاد على ذلك في الأخريين لا بأس به، لما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر في الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمسة عشر آية. وأغرب بعض أصحابنا حيث حكموا على وجوب سجود السهو بقراءة سورة في الأخريين، وقد ردَّه شراح "المنية" - إبراهيم الحلبي وابن أمير حاج الحلبي وغيرهما - بأحسن ردّ ولا أشكُّ في أن من قال بذلك لم يبلغه الحديث، ولو بلغه لم يتفوَّه به.

(3)

أي في الأخريين.

(4)

قوله: أجزاك، لما مرَّ من رواية ابن مسعود أنه كان لا يقرأ في الأخريين شيئاً، وأخرج ابن أبي شيبة، عن عليّ وابن مسعود أنهما قالا: اقْرَأْ في الأولّيَيْن وسبِّح في الأُخريين. وفي "حلية المجلّي (في الأصل: "حلية المحلي"، وهو تحريف) شرح منية المصلّي": هذا التخيير أي: بين القراءة والتسبيح والسكوت مرويّ، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة ذكره في "التحفة" و"البدائع" وغيرهما، وزاد في "البدائع": هذا جواب ظاهر الرواية وهو

ص: 440

وَإِنْ سبَّحت فِيهِمَا أَجْزَأَكَ (1) ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله.

37 -

(بَابُ الْجَهْرِ فِي الْقِرَاءَةِ في الصلاة وما يُسْتحبُّ (2) من ذلك)

قول أبي يوسف ومحمد. وهذا يفيد أنه لا حرج في ترك القراءة والتسبيح عامداً، ولا سجود سهو عليه في تركهما ساهياً، وقد نصَّ قاضيخان في "فتاواه" على أن أبا يوسف روى ذلك، عن أبي حنيفة، ثم قال قاضيخان: وعليه الاعتماد، وفي "الذخيرة": هذا هو الصحيح من الروايات، لكن في "محيط رضي الدين السرخسي" وفي "ظاهر الرواية": أن القراءة سنَّة في الأخريين، ولو سبَّح فيهما ولم يقرأ لم يكن مسيئاً لأن القراءة فيهما شُرعب على سبيل الذكر والثناء وإن سكت فيهما عمداً يكون مسيئاً لأنه ترك السنَّة. وروى الحسن، عن أبي حنيفة أنها فيهما واجبة حتى لو تركها ساهياً يلزمه سجود السهو، ثم في "البدائع": الصحيح جواب "ظاهر الرواية؟ لما روينا، عن على وابن مسعود، أنهما كانا يقولان: المصلّي بالخيار، وهذا باب لا يدرك بالقياس، فالمروي عنهما كالمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى. ويمكن أن يقال: وبهذا يندفع ترجيح رواية الحسن بما في "مسند أحمد"، عن جابر قال: "لا صلاة إلَاّ بقراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة إلَاّ وراء الإمام". وبما اتفق عليه البخاري ومسلم، عن أبي قتادة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب"، لأن كون الأول مفيداً للوجوب، والثاني مفيداً للمواظبة المفيدة للوجوب، إنما هو إذا لم يوجد صارف عنه إما إذا وُجد صارف فلا، وقد وُجد ههنا، وهو أثر علي وابن مسعود لأنه كالمرفوع، والمرفوع صورة ومعنى يصلح صارفاً، فكذا ما هو مرفوع معنى. انتهى كلام صاحب "الحَلْية" (في الأصل: "الحلية"، وهو تحريف) . وفيه شيء لا يخفى على المتفطن.

(1)

أي: كفاك.

(2)

أي: المقدار المستحب من الجهر.

ص: 441

135 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي عَمِّي أَبُو سُهَيْلٍ (1) أَنْ أَبَاهُ (2) أَخْبَرَهُ أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ (3) فِي الصَّلاةِ وَأَنَّهُ (4) كَانَ يَسْمَعُ (5) قِرَاءَةَ عُمر بْنَ الْخَطَّابِ عِنْدَ دَارِ أَبِي جَهم (6) .

(1) اسمه نافع.

(2)

مالك بن أبي عامر.

(3)

أي: في المسجد النبوي.

(4)

قوله: وأنه؛ قال القاري: بفتح الهمزة، ويجوز كسره والضمير للشأن، ويسمع بصيغة المجهول. انتهى. وهذا تكلّف بحت والصحيح أن ضمير أنه ويسمع معروفان راجعان إلى مالك بن أبي عامر الأصبحي جَدّ الإمام مالك، وأنه أخبر ابنه أبا سهيل عن سمعه قراءة عمر بدليل ما في "موطأ يحيى": مالك، عن عمّه أبي سهيل من مالك، عن أبيه، قال: كما نسمع قراءة عمر بن الخطاب عند دار أبي جهم.

(5)

كان عمر مديد الصوت، فيسمع صوته حيث ذكره (المقصود أن عمر كان جَهْوري الصوت، فيسمع صوته في هذا المحل لجهره بالقراءة، قال الباجي: يُحتمل أن عمر بن الخطاب كان الإمام في الصلاة، فلذلك كان له أن يجهر بالقراءة فيها، والصلاة التي كان يفعل ذلك فيها هي الفريضة التي كان يجتمع أهل المسجد على الاقتداء به فيها، فلا يبقى أحد ينكر أن عمر بن الخطاب قد جهر عليه بالقراءة المتقى 1/151 ويحتمل أن يكون عمر بن الخطاب كان يجهر ذلك في نافلته بالليل وتهجده فكان يسمع من ذلك الموضع 1/152) .

(6)

قوله: أبي جهم (اختلفت نسخ موطأ يحيى في ذكر هذا الاسم ففي النسخة المصرية أبو جهم وفي النسخ الهندية أبو جهيم بزيادة الياء هما صحابيان، أما في نسخة محمد فهو أبو جهم المكبّر فهو ابن حذيفة، وبهذا جزم العلاّمة الزرقاني في شرحه 1/169) ، بفتح الجيم وإسكان الهاء، واسمه عامر، وقيل:

ص: 442

قَالَ مُحَمَّدٌ: الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاةِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ حَسَنٌ (1) مَا لَمْ يُجهد (2) الرَّجُلُ نَفْسَهُ.

38 -

(بَابُ آمِينَ (3) فِي الصَّلاةِ)

136 -

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا (4) أمَّن الإمام (5)

عبيد بن حذيفة صحابي، قرشي من مُسْلمة الفتح، ومشيخة قريش، وداره بالبَلاط، بفتح الموحَّد بزنة سحاب، موضع بالمدينة، بين المسجد والسوق، كذا قال الزرقاني.

(1)

بل واجب في حالة الجماعة.

(2)

أي: لم يحمتل على نفسخ جهراً ومشقة بالجهر المفرط، لقوله تعالى:{ولَا تَجْهَر بصَلاتِكَ وَلَا تُهَافِتْ بِهَا وَابتغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} (سورة الإسراء: آية 110) .

(3)

في نسخة: التأمين، بالمد والتخفيف، ومعناه عند الجمهور: اللهم استجب، وقيل غير ذلك مما يرجع إليه (انظر عمدة القاري 3/106 و 107) .

(4)

قوله: إذا أمَّن، قال الباجي: قيل: معناه إذا بلغ موضع التأمين، وقيل: إذا دعا، والأظهر عندنا أن معناه قال: آمين كما أن معنى فأمِّنوا قولوا: آمين. انتهى. والجمهور على القول الأخير. لكن أوَّلوا قوله: إذا أمَّن على أن المراد إذا أراد التأمين ليقع تأمينُ الإمام والمأموم معاً، فإنه يُستحب فيه المقارنة، قال الشيخ أبو محمد الجويني: لا تستحب مقارنة الإمام في شيء من الصلاة غيره.

(5)

قوله: الإمام، فيه دليل على أن الإمام يقول: آمين، وهذا موضع

ص: 443

فَأمَنِّنوا (1) ، فَإِنَّهُ (2) مَنْ وَافَقَ (3) تأمينُه تأمينَ الْمَلائِكَةِ (4) غُفر له (5)

اختلف فيه العلماء، فروى ابن القاسم، عن مالك أن الإمام لا يقول: آمين، وإنما يقول: ذلك مَنْ خلفه، وهو قول المصريين من أصحاب مالك، وقال جمهور أهل العلم: يقولها كما يقول المنفرد، وهو قول مالك في رواية المدنيين، وبه قال الشافعي والثوري والأوزاعي وابن المبارك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وداود والطبري، وحجَّتهم أن ذلك ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة ووائل بن حجر وحديث بلال:"لا تسبقني بآمين"، كذا في "الاستذكار".

(1)

قوله: فأمنوا، حكي عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم بظاهر الأمر، وأوجبه الظاهرية على كل مصلٍّ، لكن جمهور العلماء على أن الأمر للندب، كذا في "فتح الباري".

(2)

في رواية الصحيحين: فإن الملائكة تؤمِّن، فمن وافق....إلخ.

(3)

قوله: من وافق، أي: في الإخلاص والخشوع، وقيل: في الإجابة، وقيل: في الوقت، وهو الصحيح، ذكره ابن ملك، كذا في "مرقاة المفاتيح".

(4)

قوله: تأمين الملائكة، ظاهره أن المراد بالملائكة جميعهم، واختاره ابن بزيزة وقيل: الحفظة منهم، وقيل: الذين يتعاقبون منهم. قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد من يشهد تلك الصلاة من في الأرض أو في السماء للحديث الآتي: إذا قال أحدكم آمين وقالت الملائكة آمين في السماء فوافقت إحداهما الأخرى، وروى عبد الرزاق، عن عكرمة قال: صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غُفر للعبد ومثله لا يٌقال بالرأي، فالمصير إليه أولى، كذا في "التنوير".

(5)

قوله: غُفر له، قال الباجي: يقتضي غفرانَ جميع ذنوبه المتقدِّمة،

ص: 444

مَا تقدَّم (1) مِنْ ذَنْبِهِ، قَالَ (2) : فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ (3) : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: آمِينَ.

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، يَنْبَغِي إِذَا فَرَغَ الإِمَامُ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ أَنْ يُؤَمِّنَ الإِمَامُ وَيُؤَمِّنَ مَنْ خَلْفَهُ، وَلا يَجْهَرُونَ (4) بذلك، فأما أبو حنيفة،

وقال غيره: هو محمول عند العلماء على الصغائر (قلت: لو حصل كمال الندم عند القيام بحضرته عزَّ شأنه وجلَّ برهانه، فلا مانع من التعميم. أوجز المسالك 2/109) .

(1)

وقع في "أمالي الجرجاني" في آخر هذا الحديث زيادة: "وما تأخر"، كذا في التنوير.

(2)

أي: مالك.

(3)

قوله: فقال ابن شهاب، هذا من مراسيل ابن شهاب، وقد أخرجه الدارقطني في "غرائب مالك" و"العلل" موصولاً من طريق حفص بن عمر العدني، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة به، وقال: تفرَّد به حفص، وهو ضعيف، وقال ابن عبد البر: لم يُتابَع حفص على هذا اللفظ بهذا الإسناد، وكذا قال السيوطي.

(4)

قوله: ولا يجهرون بذلك، به قال الشافعي في قوله الجديد، ومالك في رواية، ومذهب الشافعي وأصحابه وأحمد وعطاء وغيرهم أنهم يجهرون، كذا ذكر العيني، وحجة القائلين بالجهر حديث وائل بن حجر: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: {غَيرَ المَعْضُوبِ عَلَيْهِم وَلَا الضَّالِّينَ} ، قال: آمين، ورفع بها صوته. أخرجه أبو داود، وفي رواية الترمذي عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: {ولا الضآلين} ، قال: آمين، ومدّ بها صوته. وفي رواية النسائي عنه: صليت خلف رسول الله.. الحديث، وفيه ثم قرأ فاتحة الكتاب، فلما فرغ منها قال: آمين يرفع بها صوته.

ص: 445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وفي رواية لأبي داود والترمذي عنه: أنه صلّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجهر بأمين. وروى أبو داود وابن ماجه، عن أبي هريرة: كان رسول الله إذا تلا {غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلَا الضَّالِّينَ} ، قال: آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول، زاد ابن ماجه، فيرتجّ بها المسجد. وروى إسحاق بن راهويه عن امرأة أنها صلَّت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قال:{ولا الضآلين} قال: آمين، فسمعته، وهو في صف النساء. وروى ابن حبان في "كتاب الثقات" في ترجمة خالد بن أبي نوف، عنه، عن عطاء بن أبي رباح، قال: أدركت مائتين من أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد يَعني المسجدَ الحرام إذا قال الإمام: {ولا الضالين} رفعوا أصواتهم بأمين. وفي "صحيح البخاري"، عن عطار تعليقاً: أمَّن عبد الله بن الزبير ومَن وراءه حتى أن للمسجد لَلَجّه (قال القاري في (مرقاة المفاتيح: 2/292) : جمل أئمتنا ما ورد من رفع الصوت على أول الأمر اللتعليم، ثم لما استقرَّ الأمر عمل بالإخفاء والله أعلم.. ثم إن الأصل في الدعاء الإخفاء لقوله تعلى:{ادعوا ربكم تضرعاً وخفية} ، ولا شك أن آمين دعاء، فعند التعارض يُرجَّح الإخفاء بذلك وبالقياس على سائر الأذكار والأدعية) .

وحجة القائلين بالسر ما أخرجه أحمد وأبو يعلى والحاكم من حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ {غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلَا الضَّالِّينَ} ، قال: آمين، وأخفى صوته. ولفظ الحاكم: خفض صوته. لكن قد أجمع الحفاظ منهم البخاري وغيره أن شعبة وَهِم في قوله خفض صوته، إنما هو مدّ صوته، لأن سفيان كان أحفظ من شعبة، وهو ومحمد بن سلم وغيرهما رووه عن سلمة بن كهيل هكذا، وقد بسط الكلام في إثبات عِلَل هذا الرواية الزيلعي في "تخريج أحاديث الهداية" وابن الهُمام في "فتح القدير" وغيرهما من محدثي أصحابنا.

والإنصاف أنَّ الجهر قويّ من حيث الدليل، وقد أشار إليه ابن أمير حاج في "

ص: 446