الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
24 - (بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ
(1))
82 -
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَار، عَنْ أمِّ سَلَمَةَ (2) زوجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَنَّ امْرَأَةً (3) كانت تُهراقُ (4) الدَّمَ (5) على
سياق النصوص الواردة في هذه المسألة شاهد على أن وجوب الغسل برؤية البلل لا بمجرد التذكر.
(1)
قال الجوهري: استُحيضت المرأة أي استمر بها الدم بعد أيَّامها فهي مستحاضة (إن الروايات في المستحاضة مختلفة جداً. يشكل الجمع بينها وقد جمع بينها شيخنا في "أوجز المسالك" 1/240، فارجع إليه) .
(2)
قوله: عن أم سلمة، قال ابن عبد البر: هكذا رواه مالك وأيوب، ورواه الليث بن سعد وصخر وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سليمان أن رجلاً أخبره عن أم سلمة، وقال النووي في الخلاصة: حديث صحيح رواه مالك والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي بأسانيد على شرط البخاري ومسلم فلم يعرِّج على دعوى الانقطاع.
(3)
قوله: أنَّ امرأة، قال الباجي: يقال هي فاطمة بنت أبي حُبَيْش، وقد بيَّن ذلك حماد بن زيد وسفيان بن عيينة في حديثهما عن أيوب، عن سليمان بن يسار، قلت: وكذا هو مبيَّن في "سنن أبي داود" من رواية وهيب عن أيوب، كذا في "التنوير".
(4)
قوله: تُهراق، قال الباجي: الهاء في "هراق" بدل من همزة "أراق" يقال أراق الماء يريقه وهراقه يهريقه هراقة، كذا في "التنوير".
(5)
منصوب أي تهراق هي الدم، وهي منصوبة على التمييز، قال الباجي: ويجوز رفعه على تقدير تهراق دماؤها.
عهدِ رَسُولِ اللَّهِ (1) صلى الله عليه وسلم فاستفتتْ (2) لَهَا أمُّ سلَمَة (3) رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لِتَنْظُر اللياليَ (4) وَالأَيَّامَ (5) الَّتِي كَانَتْ تحيضُ (6) مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصيبَها الَّذِي أَصَابَهَا (7) ، فلتتركْ (8) الصلاةَ (9) قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ (10) ذَلِكَ فلتغتسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِر (11) بثوبٍ فلْتُصَلِّ.
(1) أي في زمانه.
(2)
بأمرها لذلك، ففي رواية الدارقطني: فأمرت فاطمة أن تسأل لها.
(3)
وإنما لم تستفتِ بنفسها للحياء.
(4)
قوله: لتنظر الليالي والأيام
…
إلخ، احتج به من قال إن المستحاضة المعتادة تُرَدّ لعادتها ميَّزتُ أم لا، وافق تمييزُها عادَتَها أم لا، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد قولَي الشافعي، وأشهر الروايتين عن أحمد. وأصح قولَي الشافعي وهو مذهب مالك أنها تُرَدُّ لعادتها إذا لم تكن مميِّزة، وإلَاّ رُدَّت إلى تمييزها، ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم في حديث فاطمة:"إذا كان دمُ الحيض فإنه دمٌ أسودُ يُعرف" رواه أبو داود. وأجابوا عن هذا الحديث باحتمال أنه صلى الله عليه وسلم علم أنها غير مميِّزة فحكم عليها بذلك، ولعلها كانت لها أحوال كانت في بعضها مميِّزة وفي بعضها ليست بمميِّزة، كذا قال الزرقاني.
(5)
قوله: والأيام، قد يُستنبط منه أن أقل مدة الحيض ثلاثة وأكثرة عشرة، لأن أقل ما يطلق عليه لفظ الأيام ثلاثة وأكثره عشرة، وأما ما دون ثلاثة فيقال يومان، وفوق عشرة يقع التمييز يوماً، وهو استنباط لطيف لفظي.
(6)
أي في تلك الأيام.
(7)
أي من الاستحاضة.
(8)
قوله: فلتترك الصلاة، فيه دلالة على ترك الصلاة للحائض ولا قضاء عليها، وهذا أمر إجماعي خلافاً للخوارج، ذكره ابن عبد البر.
(9)
والصوم ونحوهما.
(10)
أي تركتْ أيّامَ الحيض التي كانت تعهد وراءها.
(11)
قوله: ثم لتستثفر، قال في النهاية: هو أن تشدّ فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطناً وتوثق طرفَيْها في شيء تشدّه على وسطها، هو مأخوذ من ثفر الدابَّة الذي يجعل تحت ذنبها.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ (1) وتتوضَّأ لوقتِ كلِّ صَلاةٍ وتصلِّي (2) إِلَى الوقتِ الآخَرِ وَإِنْ سَالَ دمُها، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله.
83 -
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا سُميّ (3) مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ القَعْقاع (4) بنَ حَكِيمٍ وزيدَ بْنَ أَسْلَم أَرْسَلاهُ (5) إِلَى سَعِيدِ بْنِ المسيَّب يَسْأَلُهُ عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ كَيْفَ تَغْتَسِلُ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: تغتسلُ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ (6) وتتوضَّأ
(1) قوله: وبهذا نأخذ، أي بوجوب الغسل مرة عند ذهاب الأيام المعهودة، وقال قوم: يجب عليها أن تغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً، والمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وللصبح غسلاً واحداً، ورُوي مثله عن علي وابن عباس، وقال آخرون: تغتسل في كل يوم مرة في أي وقت شاءت، روي ذلك عن علي، وقال قوم تغتسل من ظهر إلى ظهر، ولكلٍّ وجهة هو مولِّيها، وقد بسط الكلام فيه ابن عبد البر في "التمهيد" وحمل أصحابنا الأخبار الواردة في الغسل لكل صلاة ونحو ذلك على الاستحباب بدليل الأخبار الدالَّة على كفاية الغسل الواحد.
(2)
ما شاءت من الفرائض والنوافل.
(3)
أبو عبد الله القرشي المخزومي المدني، وثَّقه أحمد وأبو حاتم، كذا في "الإِسعاف".
(4)
الكناني المدني، وثَّقه أحمد ويحيى وغيرهما، كذا في "الإِسعاف".
(5)
فيه جواز إرسال رسول للاستفتاء من العالم وقَبول خبر الواحد.
(6)
قوله: من طهر إلى طهر، قال ابن سيِّد الناس: اختلف فيه، فمنهم من رواه بالطاء المهملة، ومنهم من رواه بالظاء المعجمة، وقال ابن العراقي: المرويُّ إنما هو بالإِعجام، وأما الإِهمال فليس رواية مجزوماً بها، وقال ابن عبد البر: قال مالك: ما أرى الذي حدَّثني به من ظهر إلَاّ وقد وهم، قال أبو عمر: ليس ذلك
لِكُلِّ صلاةٍ (1) فإنْ غَلَبَها الدَّمُ استثفرتْ بِثَوْبٍ (2) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: تغتسلُ إِذَا مضتْ أيامُ أَقرائها (3) ثم تتوضَّأُ لكل صلاةٍ (4) وتصلِّي،
بوهم لأنه صحيح عن سعيد معروف من مذهبه. وقد رواه كذلك السفيانان، عن سميّ به بالإِعجام، وقال الخطابيّ: ما أحسن ما قاله مالك، لأنه لا معنى للاغتسال في وقت صلاة الظهر إلى مثلها من الغد ولا أعلمه قولاً لأحد، وتعقَّبه ابن العربي بأن له معنى، لأنه إذا سقط لأجل المشقة اغتسالها لكل صلاة فلا أقل من الاغتسال مرة في كل يوم للتنظيف، وقال ابن العراقي: قوله لا أعلمه قولاً لأحد، فيه نظر لأن أبا داود نقله عن جماعة من الصحابة والتابعين، كذا في "شرح الزرقاني".
(1)
قوله: لكل صلاة، أي: لوقت كل صلاة، فاللام للوقت كما في قوله تعالى:{أَقِمِ الصلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} أي: وقت دلوكها.
(2)
رواه أبو داود بلفظ: "استذفرت بثوب"، فقيل: قلب الثاء ذالاً، وقيل معناه فلتستعمل طيباً.
(3)
قوله: أقرائها، بالفتح جمع قَرء بالفتح، ويُجمع على قروء أيضاً، وهو من الأضداد يقع على الطهر، وإليه ذهب الشافعي وأهل الحجاز في قوله تعالى:{ثلاثةَ قروء} ، وعلى الحيض وإليه ذهب أبو حنيفة وأهل العراق، كذا في "النهاية" لابن الأثير الجزري، والمرادُ هاهنا بأيام أقرائها أيام حيضها، كما في حديث:"تدعُ الصلاة أيّام أَقرائها".
(4)
قوله: لكل صلاة، أي: لوقت كل صلاة كما مرَّ ويأتي، ويصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، وبه قال الأَوْزاعي والليث وأحمد، ذكره عن أحمد أبو الخطاب في "الهداية"، وفي "مغني ابن قدامة": تتوضأ لكل صلاة، وبه قال الشافعي وأبو ثور، وقال ابن تيمية: هذه رواية عن أحمد، وقال مالك: لا يجب الوضوء على المستحاضة ومن به سَلِسُ البول ونحوُه، وهو قول ربيعة وعكرمة وأيوب، وإنما هو مستحب لكل صلاة عنده، كذا ذكره العيني في "البناية"، وقال
حَتَّى تأتِيَها أيامُ أَقْرَائِهَا، فَتَدَعُ (1) الصلاةَ، فَإِذَا مضَت اغتسلتْ غُسلاً وَاحِدًا، ثُمَّ توضَّأَتْ لكلِّ وقتِ صلاةٍ وَتُصَلِّي، حَتَّى يدخُلَ الوقتُ الآخَرُ (2)
ابن عبد البر في "الاستذكار": ممَّنْ أوجب الوضوء لكل صلاة سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والليث والشافعي والأوزاعي. انتهى. وفيه مسامحة حيث سوّى بين مذهبي (في الأصل: "مذاهب"، والظاهر: "مذهبي") أبي حنيفة والشافعي، وليس كذلك كما عرفت. أما الذين قالوا بالوضوء لكل صلاة، فاستدلوا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: توضَّئي لكل صلاة وصلِّي". أخرجه أبو داود في حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وهو معلق في صحيح البخاري ومخرج في سنن ابن ماجه، وصحيح ابن حبان وجامع الترمذي بألفاظ متقاربة، وأخرج أبو يعلى، والبيهقي، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة. وأما أصحابنا فاستندوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة" رواه أبو حنيفة. وذكر ابن قُدامة في "المغني" في بعض ألفاظ حديث فاطمة: "وتوضَّئي لوقت كل صلاة"، وروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده، عن حمنة بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل لوقت كل صلاة، كذا ذكره العيني، وقالوا: الأول محتمل لاحتمال أن يراد بقوله: "لكل صلاة" وقت كل صلاة، والثاني: محكم فأخذنا به، وقوّاه الطحاوي بأن الحدث إما خروج خارج وإما خروج الوقت، كما في مسح الخفين، ولم نعهد الفراغ من الصلاة حدثاً، فرجحنا هذا الأمر المختلف فيه إلى الأمر المجمع عليه.
(1)
أي: تترك.
(2)
قوله: حتى يدخل الوقت الآخر، ظاهره أن الناقض هو دخول الوقت الآخر، فلو توضأت في وقت الصبح ينبغي أن تجوز به الصلاة إلى أن يدخل وقت الظهر، لكن المذكور في كتب أصحابنا المعتمدة أن الناقض هو خروج الوقت فحسب عند أبي حنيفة ومحمد، ودُخوله فحسب عند زفر، وأيهما كان عند أبي يوسف.