الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهكذا جلب الربدي لبيته طينًا حرًّا لا تشوبه شائبة من حرام، وبني منه بيته الذي دخل الآن في جامع بريدة الكبير، ونسأل الله تعالى أن يعظم أجره في ذلك، لأن هذا المسجد الجامع يمتلئ الآن بالمصلين يوم الجمعة، فكيف في المستقبل؟
مع أن الحكومة عوضت أصحاب الدور والدكاكين التي أدخلت في توسعة الجامع تعويضًا جيدًا، ومنها (بيوت الربادي) وبيت جد والدي، حيث أخذت أكثر من نصفه للميدان الواقع شرقي الجامع، وأعطونا مليون ريال وزيادة تعويضًا عن ذلك.
وفيما يتعلق ببيت (الربدي) وسعته ومنظره ذكر أن أناسًا من أهل عنيزة بلغهم أن حلقة باب الربدي متميزة لا نظير لها، وأنها تستحق أن ترى وأشاع بعض العامة أنها من ذهب، ربما كان لذلك أصل من كونها من الصُّفر وهو النحاس الأصفر أو كان ذلك مجرد إشاعة، فجذب ذلك أناسًا من أهل عنيزة وحملهم على أن يذهبوا إلى بريدة لمشاهدة حلقة باب الربادي - جمع ربدي - فذهبوا إلى بريدة قيل: إنهم كانوا يمشون على أقدامهم وكانوا عددًا من الناس فرأوا حلقة باب الربدي في بريدة وشفوا أنفسهم من ذلك.
إن هذا قد يبدو غريبًا ولكن بعد كتابة ما ذكرته وكنت سمعت بهذا وأنا صغير رأيته مكتوبًا في كتاب للدكتور عبد العزيز الخويطر من أهل عنيزة، وكان وزيرًا للمعارف ولغيرها، وعنوان كتابه (وسم على أديم الزمن).
وقد سمى حلقة الباب (مطقة الباب) وهي التي يقرع بها الباب.
قال:
مِطقَّة باب الرّبدي:
الشباب لا شيء (يعوقهم) أو يؤخرهم عن تصرفات يرى الكبار أنها خرقاء، وأنها منافية للعقل، ولكن روح التحدي عند الشباب تغلب أي معوق لها
عن اتباع ما تقتنع به، والتحدي وقود لا يغلبه وقود، فهو طاقة الشباب، مع غياب العقل، واستصغار الجهد، والعمى عن الأخطار، ومثلما فعل الوالد بذهابه البريدة (لتطيير) الحمام ذهب آخرون يتأكدوا من أمر غريب ذكر لهم، وتضاربت الأخبار حوله، فأرادوا أن يتأكدوا بأنفسهم من حقيقة الأمر، وأن يقطعوا الشك باليقين، ويضعوا حدًّا للتخرصات.
المِطقَّة: هي حلقة، بشكل معين، توضع على الباب من الخارج، يطرق بها القادم إلى البيت الباب، لينبه من بالداخل إلى قدومه، ليفتح له الباب، في أسفلها مثل رأس المطرقة، لكي تعطي الصوت المطلوب إيصاله إلى من بالداخل، قرب أو بعُد، وقوة الطرق تكون حسب الحال، وتُضرب هذه الحلقة على قطعة حديد مثبّتة على الباب حتى لا تحفر الخشب مع مداومة الطرق.
راجت حكاية في عنيزة تقول إن مطقة باب بيت الربدي في بريدة من ذهب، وكان هناك فتية جلوس، في إحدى (القبب) في عنيزة، وأجالوا الفكر فيما سمعوه عن هذه الشائعة التي انتشرت، وصارت حديث الناس، وتجادل الفتية في الأمر ما بين مصدق ومكذب، المصدق يقول إن الربدي موسر وقادر على أن يجعل مطقة بابه من ذهب، ومكذب يقول إنه من رداءة العقل أن يفعل ذلك، فإن فعل فعليه أن يحرسها ليل نهار.
كان لهؤلاء الفتية من النشاط والعزم ما لا يمنعهم عن أن يقوموا برحلة على الأقدام حالًا إلى بريدة على الرغم من بعد المسافة والجهد والتعب لكي يقطعوا الشك باليقين بأنفسهم، ويروا هذه المطقة، فيلمسوها بأيديهم، ولو كانت آلات التصوير متوافرة حينذاك لصوروها.
ذهب هؤلاء الشباب إلى بريدة، وقطعوا المسافة الطويلة، آملين أن يروا هذه المطقة التي شغلت الناس، وقد أنساهم هذا الأمل المسافة والتعب، وبعد أن وصلوا إلى
بريدة ذهبوا إلى بيت الربدي وراوا المطقة وفحصوها وتأكدوا أنها ليست من ذهب، وإنما من صفر لامع، وهذا هو الذي دعا الناس أن يقولوا إنها من ذهب، وبهذه الزيارة انقطعت الشائعة، واستراحت الألسن، وبارك الله في نشاط الشباب وهمتهم (1).
ومن النكت السائرة حول (الرُّبادي) ما بلغنا أن فلانًا وذكروا لنا اسمه رأي وهو مع حجاج من أهل بريدة جبلًا صغيرًا على هيئة صخرة منفردة عظيمة، فقال للذين معه: أتدرون وش أنا أفكر به؟ قالوا: لا، قال: أتمنى أن هذا الجبل ينقلب دمالة لعمومتي الربادي حتى أبي أنقلها لحائطهم، أو قال لحوائطهم، لأنهم كانوا يملكون حيطانًا كثيرة.
وسئل رجل آخر عما إذا كان سيصوم غدًا؟ فقال: ابي أنوي الصيام إلا إن جَدَّوْا (الربادي).
وذلك أن الجداد يتيح له ولأمثاله أن يشبعوا من التمر والرطب بغير حساب.
والجداد هو صرام النخل أي أخذ التمر منه.
ولم يقتصر تميز (الربادي): جمع ربدي على الحصول على الثروة، بل كانت لهم مكانة سياسية في نجد، وقد اشتهروا بالإسراع في حث أهل القصيم على محاربة عبد العزيز بن رشيد في وقعة الطرفية التي كان بعض الناس يسميها وقعة الصريف أيضًا لأنها حدثت في موضع بين الصريف والطرفية عام 1318 هـ.
ولذلك حَمَّل حمود العبيد بن رشيد الربدي الذي يريد به عبد الرحمن الربدي الذي اشتهر باسم (دحيم) ما حصل لأبنائه الثلاثة في وقعة الطرفية حيث قتل اثنان منهم وهما سالم ومهنا الذي أخواله آل مهنا.
(1) وسم على أديم الزمن، ج 1، ص 119 - 123.
أما الثالث وهو (ماجد) فقد جرح جرحًا بليغا فصار والده يتألم لجرحه وقال قصيدة في ذلك سمي ابنه الجريح (ماجد) بالوجعان، أي المريض من الإصابة، وذلك أن ابنيه الآخرين سالم ومهنا واسماها الطريحين أي القتيلين في ميدان المعركة، وذكر أن ذلك كله سبايبه أي أسبابه (الربدي) الذي هو دحيم (الربدي) كما يقول وهو الذي قتله عبد العزيز بن متعب بن رشيد مع ابنه سليمان بعد وقعة الطرفية كما سيأتي.
قال حمود العبيد من قصيدة له سيأتي نص ما وقفنا عليه منها في ترجمة (العلوان) في حرف العين.
قال حمود العبيد الرشيد إبان وقعة الطرفية:
هلا هلا فيك يا الوجعان
…
يا للي صوابك جرح كبدي
يا اخو الطريحين بالميدان
…
اللي سبايبهم (الربدي)
وقد بالغ عبد العزيز بن رشيد في الانتقام من أهل بريدة وأخذ أموالهم بعد وقعة الطرفية، فصادر من أموال الربدي مبالغ كثيرة من النقود لم يكن يوجد مثلها في خزائن الحكام.
والذين ليست لديهم ثروات نقدية بالغ في أخذ التمر والقمح منهم، ومن المبالغة في الظلم أن رجاله إذا طلبوا من أحد الأشخاص مائة صاع من العيش - مثلا - طلبوا منه أن يطحنها لهم فلا يقبلونها منه إلا مطحونة، لأنهم ليست عندهم أرحاء فهم يأخذون هذا القمح لإطعام الجند الذين مع ابن رشيد.
وبعضهم إذا أجبروه على أن يعطيهم أصواعًا من اللقيمي الذي يطبخ جريشًا طلبوا منه أن يجرشه لهم.