الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وظهروا، وهو حذف على خب القبر شرقي بريدة، ولما وصله وصاروا قومه يجدون بالنخل وإذا هم يفيضون عليه يوم ثوروا أول هيق، والثاني: انسحبوا قومه وخلوا الطايح من القش بالأرض ورجع على الطرفية.
إلى أن قال: فشد ابن رشيد وانكف على ديرته في سلخ شوال (1).
ثروة فهد بن علي الرشودي:
فهد الرشودي حصل على ثروة عظيمة بمقاييس ذلك العصر، وكان حريصًا على المحافظة عليها حتى أخبرني الثقات من ذريته، أنه كان يقسم ماله ثلاثة أقسام:
قسم منه وهو ثلثه يدخره ولا ينفق منه شيئًا حذرًا من أن يحوجه الدهر إليه.
والقسم الثاني يبضع به الناس الذين يذهبون إلى الخارج كالعراق والشام وبخاصة من عقيل.
واشتهر عند الناس ونحن صغار أن (فهد بن علي الرشودي) لا يبضع كل شخص، وإنما يبضع من يصفه هو بأنه كسيب بكسر الكاف وتشديد السين المكسورة أيضًا، وهذه كلمة معروفة لهذا المعنى ولكنه كان يستعملها.
ومعلوم أن تبضيع البضاعة هي أن يدفع الشخص المقيم في بريدة - مثلًا - مبلغًا من المال الذي عنده لمن يشتري بضائع أغلبها الإبل والمواشي فيذهب بها إلى الشام، أو مصر، وما تحقق من ربح يكون بينه وبين صاحب الدراهم مناصفة في الغالب وقد يكون لصاحب رأس المال الثلث إذا كان التاجر لا يأكل من هذه الدراهم بالمعروف مدة بقائها معه، والأكل هنا معناه، المعيشة بالمعروف أي أن يتناول ما يحتاج إلى طعامه منها، ويتطلب ذلك أن يكون
(1) من تاريخ إبراهيم بن محمد القاضي (خزانة التواريخ، ج 8)، ص 134.
الذي يأخذ البضاعة ويتاجر بها ثقة - والثقات كثير.
وقد قدر ما خلفه فهد الرشودي عند وفاته في عام 1367 هـ بثمانمائة ألف ريال أو نحوها، وهي مبلغ ضخم في ذلك الوقت.
والقسم الثالث: يستعمله في المداينات والإتجار في المواشي، وبخاصة الإبل.
وكن فهد الرشودي يطلق عليه أهل بريدة لقب العم فهد، فإذا قيل ذلك عرف بأنه فهد بن علي الرشودي ولا يحتاج الأمر إلى إيضاح آخر.
و(العم) هنا هي السيد بمعنى أنّه الذي ينبغي أن يطاع ويقدر من الجميع.
وقد اكتسب المنزلة الرفيعة في نفوس أهل بريدة لعقله وإتزانه وإنصافه، حتى كان كثير من النّاس إذا تخاصموا فيما بينهم خصومة لا تصل إلى القاضي، ذهبوا إليه وأصلح بينهم.
وقد رأيته يفعل ذلك أكثر من مرة، رغم سني آنذاك فقد عرفته معرفة حقيقية، وإن لم تكن بيني وبينه محادثة أو تعامل لأنه من طبقة والدي، بل كان أكبر منه سنًّا.
ولكنني عرفته في مواطن منها أنّه كان الوحيد من بين جماعة بريدة الذي يحضر حلقات الدرس الرئيسي في جامع بريدة التي تعقد في الضحى من الساعة الثامنة تقريبًا حتى العاشرة.
ويحضرها أناس ممن يحبون سماع الأحاديث النبوية ويطلبون التقرب إلى الله بأداء صلاة السنة التي هي ركعتان أو أربع في المسجد، ثم حضور حلقة طلبة العلم.
فكنا نقرأ الدروس على شيخنا الشيخ عبد الله بن حميد في عام 1364 هـ على هيئة حلقة تكون كالهلال أمام الشيخ فيقرأ كل طالب في الحلقة شيئًا من كتاب معه كان اتفق مع الشيخ على القراءة فيه ويتكلم الشيخ على ما يقرأه الطالب سواء
أكان ذلك أثناء القراءة حيث يتوقف الطالب عن القراءة إذا أراد الشيخ التعليق على ما يقرأه أو بعد أن ينتهي كليا من الحصة المقررة لذلك اليوم.
ثم يبدأ الطالب الذي يليه في الحلقة في القرائة.
وتتنوع الكتب وموضوعات البحث من موضوعات التوحيد والعقيدة، إلى الحديث والتفسير والفقه وأصوله.
فكان طلبة العلم يقرءون في الكتب على الشيخ، وبعض الكبار الذي لا يقرؤن في الكتب يجلسون قريبا من الحلقة ثم يشتركون في البحث حول بعض المسائل الواردة في الكتب التي قرئت ذلك اليوم، أما الذين لا يعتبرون من الطلبة فهم أناس من المحبين للخير، يحضرون هذه الحلقات ولا يشاركون في هذه البحوث.
ومنهم فهد بن علي الرشودي - كما قدمت ولم يكن يتحدث مع الطلبة ولم يكونوا يتحدثون إليه، لكونه أولًا ليس من الطلبة الذين يقرؤن على المشايخ، والثاني، لفارق السن، إضافة إلى كون أسرة الرشودي معروفة، بالتلمذة على الشيخ إبراهيم بن جاسر، ولذلك عدوا من أنصاره، أما الطلبة فكلهم من تلاميذ آل سليم الذين ينفرون من ابن جاسر، وقد تكرر ذلك أي تردده على حضور الدروس العلمية في الجامع لسنوات حتى توفي رحمه الله.
الحال الثاني الذي كنت أراه فيه، وربما كان ذلك يحدث يوميًا أنّه كان يجلس في دكان محمد بن عبد الله الأردح، وكان مقابلًا لدكان والدي في أعلى سوق بريدة الذي صار أي أعلى السوق يعرف بالقشلة.
فكانت دفاتره التي يكتب فيها معاملاته مع النّاس، في يد محمد الأردح وهو الذي يكتب له تلك المداينات، وهذا كان بطبيعة الحال في تلك المرحلة التي ربما صح تحديدها تقريبًا بأنها بدأت من عام 1359 هـ.
وبرنامجه الذي كنت أراه فيه أنّه يمر بالجردة، التي هي الميدان الرئيسي الذي تباع فيه المواشي من الإبل والغنم وهو مثل سائر عقيل ممن يتاجرون بالمواشي وبعضها تجارة غير مباشرة.
وسوق المواشي يبدأ مبكرًا وينتهي في نحو الحادية عشرة أو العاشرة والنصف ضحى، فينحدر إلى السوق فيجلس في دكان محمد الأردح ويجلس معه فيه بعض أولاده، أو الذين لهم به علاقة.
وكان يفعل ذلك أيضًا بعد العصر.
وذلك قبل أن يكون له دكان خاص به في أعلى سوق بريدة من جهة الجنوب ليس وراءه إلا الشارع الذي يذهب جنوبا ويدع (مسجد حسين) الذي كان بعض النّاس يعرفه بمسجد الجردة على يساره.
إنّ كثيرًا من رجال عقيل وأثريائهم ولو كانوا قادرين على استئجار الدكاكين لم يكونوا يفعلون ذلك، لأن تجارتهم هي في الإبل يشترونها من نجد ويذهبون بها إلى الشام ومصر ويكسبون من ذلك مكسبًا كبيرًا في بعض الأحيان، وقليلًا في أحيان أخرى.
أما الإفلاس فإنه نادر بينهم، ولا يكون إلا من جائحة عارضة كإغارة أناس من اللصوص لأعداد قليلة أو متفرقة من عقيل وأخذ ما معهم، وإلَّا فإن عقيلًا يحمون أنفسهم بأنفسهم من المعتدين عليهم من الأعراب وغيرهم كما قال النّاس في أمثالهم:(عقيل دون عِقلهَا) أي عقل إبلها وهي جمع عقال وهو الحبل القوي الذي يعقل به البعير لئلا يشرد.
وقالوا أيضًا: "عقيْل وليل، ومن جاهم ما جا أهلهِ.
لقد كان النّاس يعظمون (العم فهد الرشودي) تعظيم تقدير واحترام، وليس تعظيم خوف، لأنه أولًا عرف بالإنصاف والتدين، ولا يتصور أن يظلم أحدًا عامدًا، والثاني أنّه لم يكن له حزب مقرب منه، ويكون النّاس غيره مبعدين عنه، بل كان لكل النّاس حتى عندما افترق المشايخ وطلبة العلم في بريدة، ثم في القصيم إلى فريقين أحدهما فريق آل سليم، والثاني اتباع الشيخ ابن جاسر وعرف النّاس أن أسرة (الرشودي) مع الفريق الثاني لم يكن العم فهد متعصبا، أو منحازا إلى فريق دون فريق.
وينبغي أن ننوه هنا أن فريق الشيخ ابن جاسر هم الذين من أفكارهم أن الدولة التركية دولة مسلمة وأن ديارها وديار الأمصار الإسلامية ليست ديار مشركين، ولذلك لا بأس بالسفر إليها وكان أكثر عقيل، إنّ لم يكونوا كلهم معهم لأنهم الذين كانوا يذهبون إلى تلك الديار يتاجرون فيها، وقد يقيمون فيها أحيانا إقامة طويلة.
أما الفريق الذين هم آل سليم وأتباعهم فإنهم يرون أنّه لا يجوز السفر إلى بلاد المشركين ويعتبرون أن وجود القبور التي تعبد من دون الله وظهور أنواع من الشرك والبدع فيها تجعل تلك البلاد لا يجوز السفر إليها.
لذلك يهجرون من يسافر إليها هجرا شرعيا وهو أن لا يصاحبوهم، ولا يدعوهم إلى وليمة أو نحوها، إلا أن يتوبوا ويعلنوا براءتهم من الشرك والمشركين.
ولكن الدولة استقرت للحكومة السعودية التي يواليها آل سليم وأتباعهم، لذلك صار القضاة منهم وصارت ولاية الجهات الدينية وهي قليلة نادرة تتلخص في غير القضاء بالإمامة في المساجد، والخطابة في الجوامع، والولاية على الأوقاف الخاصة التي ليس لها نظار معروفون.
وقد سبق ذكر شيء من ذلك في ترجمة الشيخ ابن جاسر رحمه الله.