الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولادته ووفاته:
ولد في عام 1282 هـ في بريدة وتوفي فيها في ذي القعدة من عام 1367 هـ رحمه الله رحمة واسعة.
ورغم ما عرف إبان الخلاف بين المشايخ آل سليم ومن تبعهم من طلبة العلم من جهة، والشيخ إبراهيم بن جاسر ومن معه من أتباعه من جهة أخرى، وما عرف من أن أسرة الرشودي على وجه الاجمال تعظم الشيخ إبراهيم بن جاسر وتتبع آراءَه وبخاصة من الرشود (الصالح) فإن فهد بن علي الرشودي لم يظهر انحيازه لأحد الطرفين، بل سلك في ذلك مسلك السياسي العاقل الذي يتعامل مع الجميع.
وفي عهد طلبي العلم على شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد ابتداء من عام 1363 هـ وحتى عام 1366 هـ كنت أرى فهد بن علي الرشودي يحضر الدرس يوميًا في جامع بريدة الكبير، فكان يحضر إلى المسجد ويصلي السنة ويدعو وهو وحده، لا يخالط طلبة العلم ولا يخالطونه مثله في ذلك مثل التجار وكبار القوم، يحضرون الدروس ولا يشاركون طلبة العلم في البحث لأنهم لا يستطيعون ذلك.
فكان فهد الرشودي يستمع إلى الدروس التي ينبغي أن نوضح أنها دروس يقرؤها الطلبة على الشيخ في فنون عديدة، وأغلبها في التفسير والحديث والفقه، فيعلق الشيخ عليها، وقد تقدم ذكر ذلك.
سفارة فهد الرشودي:
السفارة بإصطلاح علمائنا الأوائل هي ذهاب المرء الكفء برسالة شفهية أو رسالة مكتوبة وكل إليه شرحها شفهيًا من حاكم إلى حاكم آخر، أو من مجموعة من أناس ذوي نفوذ كلمتهم واحدة إلى حاكم ونحوه.
ولا يختار لحمل السفارة المذكورة إلَّا رجل كفء لها يملأ عين المرسل إليه، ويحسن أن يبلغه ما طلب منه، ويحسن أن يذكر له ما قد يطرحه مما لم يطلب منه، ولكنه وكل إليه عرفًا أن يقوله ويفعله، من هذا النوع تلك السفارة التي بعث بها الملك عبد العزيز بن سعود فهد بن علي الرشودي إلى الأمير عبد العزيز بن متعب بن رشيد، وذلك أنه بعد معركة البكيرية التي انتصر فيها الملك عبد العزيز وأهل القصيم في المعركة، التي دارت بين جند ابن رشيد ومعهم جنود الأتراك النظاميين في البكيرية التي انهزم فيها جيش ابن رشيد وقتل أكثر جنود الترك بقي الملك عبد العزيز آل سعود ومعه أهل القصيم وطائفة من أهل نجد نازلين على الرس، وبقي عبد العزيز بن متعب بن رشيد، ومن معه على الشنانة وعماد جيشه خيالة من شمر فترة طويلة، وكان فيها ابن سعود مستندًا على القصيم في المؤن بل والرجال إذا احتاج إلى زيادة منهم، أما ابن رشيد فإنه ليس وراءه أمكنة يمتار منها، أي يزود جيشه من المؤن منها.
وقد صار جنده يقطعون نخيل الشنانة ويأكلون جمارها ثم صاروا يأكلون النحيت وهو الذي يكون بجانب جمارة النخل ولكنه ليس حلوًا ولا لذيذًا كالجمار، وصارت خيولهم لا تجد العليق الكافي.
ومع ذلك بقي ابن رشيد صابرًا في محاذاة ابن سعود لا يستطيع أن يهاجمه، وابن سعود لا يريد مهاجمة ابن رشيد لأن معه خيلًا كثيرة من شمر، ففكر الملك عبد العزيز بن سعود في وسيلة تؤلب جماعة ابن رشيد عليه، وتجعل قومه من شمر وأهل الشمال يرتحلون من مكانهم أو على الأقل تنشر الفرقة والخلاف بينهم.
فطلب الملك عبد العزيز من فهد الرشودي أن يذهب برسالة منه إلى عبد العزيز بن رشيد يقول فيها: يا عبد العزيز بن متعب بن رشيد، لقد تضرر المسلمون من طول هذه الحرب وامتدادها وتعطلت مصالحهم، والواجب عليَّ أنا وأنت إننا نحقن دماء المسلمين على الأساس السياسي التالي:
يكون لك أنت يا ابن رشيد بلدك حايل وقراياها، ويكون لأبا الخيل بريدة وقراياها، ويكون لابن سليم عنيزة وما يتبعها، ويكون لي أنا الرياض وقراياها وما يتبعها، وكلٍّ يرجع إلى ديرته، وتزول المحاربة بين الطرفين.
وكان الملك عبد العزيز آل سعود يطلب من فهد الرشودي ذلك أمام الناس فربما تبلغ ابن رشيد أيضًا من غير طريق الرشودي.
وقال الملك عبد العزيز لفهد الرشودي: يا فهد، بلغه الرسالة في مجلسه بعد العصر، ولا يكون ذلك بينك وبينه، خل الناس اللي عنده يسمعونها.
ذهب فهد الرشودي على فرس يقود بها شخص من أهل بريدة نسيت اسمه، ولما أقبل على معسكر ابن رشيد قال الذي يقود به الفرس لجنود ابن رشيد: هذا فهد الرشودي مندوب من عبد العزيز بن سعود يبلغ الأمير ابن رشيد رسالة.
والرشودي معروف بالاسم لابن رشيد والمقربين من قومه.
قالوا: فأخذوا فهد الرشودي إلى مجلس عبد العزيز بن متعب بن رشيد، فأبلغه فهد الرشودي بالرسالة التي حملها اياها عبد العزيز بن سعود، وهي رسالة شفهية.
فلما أكمل الرشودي كلامه علق ابن رشيد على ذلك بقوله: أنا يصير لي حايل وقراياها، وش هي قرايا حايل؟ طابه، والعظيم، والمكحول؟ أنا أبي القصيم ذنبه والذنبة ألية الخروف لأنها دسمة صافية.
لكن يا فهد الرشودي قل لعبد العزيز بن سعود: نجد ما يصلح فيها حاكمين، ما تصلح إلَّا لحاكم واحد، إن كان ابن سعود يبينا نحقن دماء المسلمين فيطلع لي في سهلة رهداء، والسهلة الأرض الرملية، والرهداء المستوية، ونتذابح أنا وإياه أي نتقابل، إن كان ذبحني فنجد له، وإن ذبحته فنجد لي، وهذا هو اللي يحقن دماء المسلمين.
ثم قال للرشودي: يا فهد اسمع، قل لابن سعود هذا الكلام في مجلسه والناس يسمعون مثلما قلت لي كلامه والناس يسمعون.
عاد فهد الرشودي إلى معسكر ابن سعود وهو معسكر أهل القصيم أيضًا، ولما رآه الملك عبد العزيز قام من مجلسه قاصدًا شراعه، ليستمع إلى رد ابن رشيد على رسالته الشفهية من فهد الرشودي على انفراد، ولكن الرشودي توقف قائلًا لابن سعود: يا طويل العمر الرجل حملني أمانة طلب مني أني أقولها لك والناس يسمعون مثلما أني قلت له كلامك وهم يسمعون.
ثم نقل لابن سعود وقومه وغيرهم ممن في مجلسه يسمعون، وكان مجلسه حافلًا، فقال الملك عبد العزيز بن سعود عند ذلك: الحي ما يطارد الميت، يريد أنه أي ابن سعود حيٍّ بمعنى أن موقفه جيد وأن ابن رشيد ميت على عكس ذلك.
ثم قال ابن سعود: لكن الله يعينني عليه بالدبور، وهذا دعاء على ابن رشيد بإدبار أمره.
قال والدي رحمه الله وهو يقص عليَّ هذه القصة، وقد أعان الله عبد العزيز بن سعود على ابن رشيد بالدبور، فكان تدبيره في غير مصلحته حتى قتله الملك عبد العزيز ومن معه في روضة مهنا في أول عام 1324 هـ.
وقد دخلت قصة سفارة فهد الرشيد هذه إلى الأدب الفصيح المكتوب، قال الأستاذ خالد الفرج في ذكرها نظمًا (1):
أدرك السأم منهم ابن السعود (2)
وهو دارٍ بعزم ذاك العنيد (3)
فسعى للوفاق وابن الرشيد
(1) أحسن القصص، ص 38 - 40.
(2)
أي من الأعراب.
(3)
يعني عبد العزيز بن متعب بن رشيد.
باعثًا نحوه (بفهد الرشودي)
وهو نَدْبٌ، ورَبٌّ رأي سديد
فأجاب الجبار بالتهديد
…
مَنْ يرد نَجْدًا فليكن ذا اصطبار
لا تُغرُّوا جهلًا بذي الاعلام
انا ما جئتكم بجيش النظام (1)
ابتغي العود عَنْكُمُ بسلام
فاستعدوا مني لموت زُؤام
فرماها قنابلًا من كلام
هي في الوقع مثل حد الحسام
…
زادها فَهْد بالكلام الناري
* * *
قام (فَهْدٌ) من بينهم فاستَفَزَّا
ما بهم من حمية ثم هزَّا
بكلامٍ يُهَيِّج القلب وخَزا
هاجِموه فإنَّ من عَزَّ بَزَّا
فاصاخوا فلست تسمع ركزا
…
ثم قاموا للحرب مثل الضواري
هذا وقد غلط في هذه المسألة طوائف من غير ذوي الفهم والبصيرة بمثل هذه الأمور، فذكروا أن الملك عبد العزيز أرسل فهد الرشودي في مهمة مصالحة بينه وابن رشيد.
وذكر بعضهم أن بداية هذه المصالحة هي من عند فهد الرشودي ووافق عليها الملك ابن سعود.
(1) يشير إلى الجنود الأتراك الذين جاءوا مع ابن رشيد نصرة له.