الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} أي قال الله تكريما له بعد قتله: ادخل الجنة، لاستشهادك في سبيل إعلان الحق، فدخلها وهو يرزق فيها، فلما عاين نعيمها قال: يا ليت قومي يعلمون بمآلي وحسن حالي وحميد عاقبتي، فيؤمنوا مثل إيماني، فيصيروا إلى مثل ما أنا فيه من نعيم، وليتهم يعلمون بما أنعم الله عليّ من مغفرة لذنوبي، وبما جعلني في زمرة المكرمين المقربين الشهداء الذين منحهم ربهم الثواب الجزيل والفضل العميم. وهذا شأن المؤمن المخلص يحب الخير للناس جميعا، قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحا، لا تلقاه غاشّا.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
1 -
لم يترك الله سبحانه في قرآنه سبيلا لدعوة الناس إلى الإيمان الصحيح، سواء بالأدلة والبراهين، أو بإعمال الفكر والعقل، أو بالتأمل والمشاهدة، أو بضرب الأمثال، أو بذكر القصص للعظة والعبرة.
والمراد من بيان قصة أصحاب القرية: توضيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإنذار المشركين من قومه، حتى لا يحل بهم ما حلّ بكفار أهل القرية المبعوث إليهم ثلاثة رسل.
2 -
يكون الرسول عادة من جنس المرسل إليهم، حتى لا يبادروا إلى الإعراض بحجة المغايرة والمخالفة، فتكون شبهة الكافرين ببشرية الرسل في غير محلها، وإنما الباعث عليها الاعتزاز بالنفس والاستعلاء والاستكبار فيما يبدو.
3 -
يؤكد الرسل عادة صدقهم بالمعجزات، وأما رسل عيسى فقد ذكروا للقوم معجزاته، وأقسموا بالله أنهم رسل الله الذين بعثهم عيسى بأمر ربه، وإن كذبوهم، لم يجدوا سبيلا إلا التصريح بمهمتهم بالتحديد، وهي إبلاغ الرسالة، والاعلام الواضح في أن الله واحد لا شريك له.
4 -
لا يجد المرسل إليهم في العادة ذريعة بعد دحض حجتهم إلا ادّعاء التشاؤم بالرسل. قال مقاتل في أصحاب القرية: حبس عنهم المطر ثلاث سنين، فقالوا: هذا بشؤمكم. ويقال: إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين.
5 -
ثم إذا ضاق الأمر بهم يلجأون عادة إلى التهديد والوعيد إما بالطرد والإبعاد من البلد، وإما بالقتل أو الرجم بالحجارة. قال الفراء في قوله:
{لَنَرْجُمَنَّكُمْ} : وعامة ما في القرآن من الرجم معناه القتل. وقال قتادة: هو على بابه من الرجم بالحجارة. وقيل: لنشتمنكم.
وأما قوله تعالى: {وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ} فهو إما القتل أي الرجم بالحجارة المتقدم، وإما التعذيب المؤلم قبل القتل كالسلخ والقطع والصلب.
6 -
إن الشؤم الحقيقي من أهل القرية وهو الشرك والكفر وتكذيب الرسل، وليس هو من شؤم المرسلين، ولا بسبب تذكيرهم ووعظهم، وإنما بسبب إسرافهم في الكفر، وتجاوزهم الحدّ، والمشرك يجاوز الحدّ.
7 -
لا يعدم الحق في كل زمان أنصارا له، وإن كانوا قلة، وكان أهل الباطل كثرة، فقد قيض الله مؤمنا من أهل القرية جاء يعدو مسرعا لما سمع بخبر الرسل، وناقش قومه، ورغبهم وأرهبهم، ودعاهم إلى توحيد الله واتباع الرسل، وترك عبادة الأصنام، فإن الرسل على حق وهدى، لا يطلبون مالا على تبليغ الرسالة، وهذا دليل إخلاصهم وعدم اتهامهم بمأرب دنيوي، والخالق هو الأحق بالعبادة، وهو الذي إليه المرجع والمآب، فيحاسب الخلائق على ما قدموا من خير أو شر.
أما الأصنام فلا تجلب نفعا ولا تدفع ضررا، ولا تنقذ أحدا مما ألمّ به من البلاء، فمن عبدها بعدئذ فهو في خسران ظاهر.
8 -
ثم صرح مؤمن القرية مخاطبا الرسل بأنه مؤمن بالله ربهم، فليشهدوا له بالإيمان.
9 -
لقد كان جزاؤه المرتقب من القوم بسبب تصلبه في الدين، وتشدده في إظهار الحق: القتل أو الموت الزؤام. وأما جزاؤه من الله فهو التكريم في جنان الخلد.
10 -
بالرغم من هذا الإيذاء والتعذيب أحبّ هذا المؤمن، كشأن كل مؤمن، أن يبادر قومه إلى الإيمان بمثل ما آمن به، ليحظوا بما حظي به من النعيم والنجاة. قال ابن عباس: نصح قومه حيّا وميتا.
وقال ابن أبي ليلى: سبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب وهو أفضلهم، ومؤمن آل فرعون، وصاحب يس، فهم الصدّيقون. وقد ذكره الزمخشري مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
11 -
قال القرطبي: وفي هذه الآية تنبيه عظيم، ودلالة على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته، والباغين له الغوائل، وهم كفرة عبدة أصنام
(1)
.
(1)
تفسير القرطبي: 20/ 15