الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأديان، ويجازيكم عليه بحسب علمه وإرادته، كما قال:{ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ، فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [آل عمران 55/ 3].
فقه الحياة أو الأحكام:
تتقابل في أغلب نواحي الحياة واجهتان متعاكستان: التفرق والاتحاد، ولم يسلم دين الله من تأثره بهاتين الواجهتين، فلمّا بيّن تعالى أن الكفار تفرقوا، بين أن الله هدى الأنبياء وخاتمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الدين المستقيم، وهو دين إبراهيم عليهم السلام.
والدين الحق القيم يتطلب تسخير كل الطاقات الدينية الإنسانية لله عز وجل، فله وحده يتوجه العبد بصلاته وعبادته ومناسكه وذبائحه وجميع قرباته وأعماله في حياته وما أوصى به بعد وفاته، لأنه سبحانه خالق الكون ومدبره ورب جميع العوالم والكائنات. وكل إنسان عاقل يفرده تعالى بالتقرب بأعماله وطاعاته إليه، دون غيره؛ لأنه إله يستحق العبادة لذاته، وهو مصدر خير الإنسان ونفعه ومنع الضرر عنه.
وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} إلى قوله:
{قُلْ: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ} استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر، فإن الله أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنزله في كتابه.
وفي حديث علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا افتتح الصلاة قال:{وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . {إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ} -إلى قوله: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} .
وروى مسلم أيضا هذا الحديث عن علي. وجاء فيه بعد قوله: وأنا من المسلمين: اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني
لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبّيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك».
وأخرجه الدارقطني أيضا وقال في آخره: بلغنا عن النّضر بن شميل، وكان من العلماء باللغة وغيرها قال: معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك» : الشر ليس مما يتقرب به إليك.
ولم ير الإمام مالك إيجاب التوجه في الصلاة على الناس، ولا قول:
«سبحانك اللهم وبحمدك» والواجب عليهم التكبير ثم القراءة، بدليل
قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي علّمه الصلاة: «إذا قمت إلى الصلاة فكبّر ثم اقرأ» ولم يقل له:
سبّح، كما يقول أبو حنيفة، ولا قل: وجهت وجهي، كما يقول الشافعي.
وقال لأبيّ: «كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟» قال: قلت: الله أكبر، الحمد لله رب العالمين. فلم يذكر توجها ولا تسبيحا.
ويلاحظ أنه ليس أحد بأول المسلمين إلا محمدا صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: أوليس إبراهيم والنبيون قبله؟ أجاب القرطبي بثلاثة أجوبة:
الأول-أنه أول الخلق أجمع معنى، كما
في حديث أبي هريرة من قوله صلى الله عليه وسلم:
«نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة»
وفي حديث حذيفة: «نحن الآخرون من أهل الدنيا، الأوّلون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق» .
الثاني-أنه أولهم لكونه مقدما في الخلق عليهم، قال الله تعالى:{وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ}
قال قتادة: إن النّبي صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه ابن سعد: «كنت أول الناس في الخلق، وآخرهم في البعث» فلذلك وقع ذكره هنا مقدّما قبل نوح وغيره.
الثالث-أول المسلمين من أهل ملّته، كما قال قتادة وابن العربي وغيرهما
(1)
.
وأما قوله تعالى: {قُلْ: أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} فسبب نزوله أن الكفار قالوا للنّبي صلى الله عليه وسلم: ارجع يا محمد إلى ديننا، واعبد آلهتنا، واترك ما أنت عليه، ونحن نتكفّل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك، فنزلت الآية. وهي استفهام يقتضي التقرير والتوبيخ.
ودل قوله تعالى: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها} على أنه لا يؤاخذ بما أتت من المعصية، وركبت من الخطيئة سواها.
واستدل الشافعي بهذه الآية على أن بيع الفضولي لا يصح.
ورد المالكية على ذلك فقالوا: المراد من الآية تحمل الثواب والعقاب دون أحكام الدنيا، بدليل قوله تعالى:{وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى} .
وبيع الفضولي موقوف عند المالكية والحنفية على إجازة المالك، فإن أجازه جاز، بدليل
أن عروة البارقي قد باع للنّبي صلى الله عليه وسلم واشترى وتصرف بغير أمره، فأجازه النّبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث دلالة على جواز الوكالة المتفق عليها بين العلماء، وعلى أن الوكيل لو اشترى بالثمن المدفوع له كدينار أو درهم أكثر من المقدار المسمى، كرطل لحم، فاشترى به أربعة أرطال من تلك الصفة، فإن الجميع يلزم الموكل إذا وافق الصفة ومن جنسها؛ لأنه محسن، وهو قول المالكية والصاحبين من الحنفية. وقال أبو حنيفة: الزيادة للمشتري. وحديث عروة حجة عليه.
ودل قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى} على تقرير مبدأ المسؤولية الشخصية، وهي مفخرة من مفاخر الإسلام الكبرى، وللآية نظائر
(1)
تفسير القرطبي: 155/ 7