الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات اللغوية:
{يُذْهِبْكُمْ} يهلككم يا أهل مكة {وَيَسْتَخْلِفْ} أي ينشئ الخلف وهو الذرية والنسل {كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} أذهبهم ولكنه أبقاكم رحمة لكم، وقوله {مِنْ ذُرِّيَّةِ} أي من نسل قوم {وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} فائتين عذابنا، فالله قادر غير عاجز على إدراككم.
{مَكانَتِكُمْ} حالتكم {عاقِبَةُ الدّارِ} العاقبة المحمودة أو عاقبة الخير في الدار الآخرة، إذ لا اعتداد بعاقبة الشر؛ لأن الله جعل الدنيا مزرعة الآخرة. {إِنَّهُ لا يُفْلِحُ} يسعد {الظّالِمُونَ} الكافرون.
المناسبة:
لما بيّن الله تعالى ثواب أهل الطاعة وعقاب أهل المعصية، وذكر أن لكل قوم درجة مخصوصة ومرتبة معينة، بيّن أنّه غير محتاج إلى طاعة المطيعين، ولا ينتقص بمعصية المذنبين، فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين، ولكنه أيضا ذو رحمة عامة كاملة، ثم بيّن أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق، أو في خلق جديد بديل عنهم، ثم فوض الأمر إلى خلقه على سبيل التهديد.
التفسير والبيان:
وربك يا محمد هو الغني عن جميع خلقه وعن عبادتهم من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، وهو مع ذلك ذو الرحمة الشاملة بهم، كما قال تعالى:{إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ} [الحج 65/ 22] وقال في بيان غناه:
{يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ، وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر 15/ 35].
وجملة {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} تفيد الحصر، بمعنى أنه لا غني إلا هو، ولا رحمة إلا منه، لأنه واجب الوجود لذاته، وغيره ممكن لذاته، والممكن محتاج، فثبت أنه لا غني إلا هو، وكل ما سوى الله منه، فثبت أنه لا رحمة إلا من الحق، فكل ما عداه محتاج إليه في وجوده وبقائه، ومحتاج إلى الأسباب التي هي قوام وجوده وحياته.
إن يشأ يذهبكم أيها الكافرون المعاندون كأهل مكة، كما أهلك من عاند الرسل كعاد وثمود، ويأت بخلق جديد غيركم أفضل منكم وأطوع، فهو قادر على أن يستخلف من بعدكم ما يشاء من الأقوام، كما قدر على إنشائكم من ذرية قوم آخرين، أي أنه قادر على الإهلاك والإنشاء معا، وقد حق ذلك، فأهلك زعماء الشرك المعاندين، واستخلف من بعدهم قوما آخرين وهم المهاجرون والأنصار وأتباعهم الذين كانوا مظهر رحمة الله للبشر في سلمهم وحربهم، حتى قال غوستاب لوبون:«ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب» .
وبعد أن وجه لهم هذا الإنذار بالإهلاك في الدنيا، أتبعه إنذارا آخر في الآخرة، فقال:{إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ.} . أي أخبرهم يا محمد أن الذي توعدون به من الجزاء الأخروي كائن لا محالة، وما أنتم بمعجزين، أي لا تعجزون بهرب ولا امتناع مما يريد، فهو القادر على إعادتكم، وإن صرتم ترابا رفاتا وعظاما، وهو القاهر فوق عباده.
روى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا بني آدم إن كنتم تعقلون، فعدّوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده، إنما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين» .
ثم أردف الله تعالى ذلك بتهديد آخر شديد ووعيد أكيد فقال: {قُلْ:}
{يا قَوْمِ، اِعْمَلُوا..} . أي أخبرهم يا محمد بقولك: استمروا على طريقتكم وحالتكم التي أنتم عليها إن كنتم تظنون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، كقوله تعالى:{وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ: اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ، إِنّا عامِلُونَ، وَانْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ} [هود 121/ 11 - 122].
قال الزمخشري في قوله: {اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ} : يحتمل وجهين: اعملوا على تمكنكم من أمركم، وأقصى استطاعتكم، وإمكانكم؛ أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها، إني عامل على مكانتي التي أنا عليها، والمعنى: اثبتوا على كفركم
وعداوتكم لي، فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم
(1)
.
فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة المحمودة، أنحن أم أنتم؟ وعاقبة الدار:
العاقبة الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الدار لها.
وهذا-كما قال الزمخشري-طريق من الإنذار، لطيف المسلك، فيه إنصاف في المقال، وأدب حسن، مع تضمن شدة الوعيد، والوثوق بأن المنذر محق، والمنذر مبطل. وهو على طريقة قوله:{اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ} [فصلت 40/ 41] وقوله: {وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [سبأ 24/ 34].
وهو دليل على أن أحوال الأمم مرتبة بحسب أعمالها، وأن عاقبة كل عمل نتيجة حتمية له، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
إنه لا يفلح الظالمون أي لا يسعد ولا ينجح الظالمون أنفسهم بالكفر بنعم الله، واتخاذ الشركاء له في ألوهيته، وذلك مثل قوله تعالى:{فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} [إبراهيم 14/ 14].
ومما نحمد الله عليه أن أنجز الله موعده لرسوله، فمكّنه في البلاد، ونصره على مشركي العرب، ودانت له الجزيرة العربية واليمن والبحرين في حياته، ثم فتحت الأمصار والأقاليم بعد وفاته في أيام خلفائه، وانتشر الإسلام في المشارق والمغارب، وتعاقبت دول الإسلام قوية عزيزة منيعة عدة قرون من الزمان، كما قال تعالى:{كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة 21/ 58] وقال: {إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ، وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ، وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ} [غافر 51/ 40 - 52].
(1)
الكشاف: 529/ 1