الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير والبيان:
هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتا، أي في الضلالة، هالكا حائرا، فأحياه الله، أي أحيا قلبه بالإيمان وهداه له، ومثل ضربه الله للكافر المنغمس في الظلمات أي الجهالات والأهواء والضلالات.
هذه مقارنة أو موازنة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، أفمن كان ميتا بالكفر والجهل، فأحييناه بالإيمان، وجعلنا له نورا يضيء له طريقه بين الناس، وهو نور القرآن المؤيد بالحجة والبرهان؟ وهو أيضا نور الهدى والإيمان؟ كمن مثله مثل السائر في الظلمات: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، وهو ليس بخارج منها، أي لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه.
وفي المقارنة بين المؤمن والكافر وردت آيات كثيرة، منها:{أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى، أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الملك 22/ 67].
ومنها: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ، وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً، أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [هود 24/ 11] ومنها: {وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ، وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ، إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ، وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ} [فاطر 19/ 35 - 23].
وإذا كان الاهتداء إلى الإيمان والانغماس في ظلمات الكفر والضلال بسبب من الإنسان واختيار منه، فإن الله تعالى يزيد المؤمنين توفيقا إلى الخير، ويترك الكافرين سائرين في متاهات الكفر، لذا ختم الله الآية بقوله:{كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} أي كما زين الإيمان للمؤمنين، زين للكافرين الكفر والمعاصي، أي حسّن لكل فريق عمله، فحسّن الإيمان في أنظار المؤمنين، وحسّن الكفر والجهالة والضلالة في أعين الكافرين، كعداوة النّبي صلى الله عليه وسلم، وذبح القرابين
لغير الله، وتحريم ما لم يحرمه الله، وتحليل ما حرمه.
وقال ابن كثير: حسّن لهم ما كانوا فيه من الجهالة والضلالة، قدرا من الله وحكمة بالغة، لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأورد حديثا في المقارنة المتقدمة بين المؤمن والكافر،
رواه الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم رشّ عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور، اهتدى، ومن أخطأه ضلّ»
(1)
.
ثم أورد الله تعالى ما يدلّ على سنته الثابتة في البشر، فقال:{وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ.} . أي وكما أن أعمال أهل مكة مزينة لهم، وجعلهم الله أكابرها مع أنهم فسّاقها، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها رؤساءها ودعاتها إلى الكفر والصدّ عن سبيل الله، ليمكروا فيها بالصدّ عن سبيل الله؛ لأنهم أقدر على المكر والخداع وترويج الباطل بين الناس بحكم نفوذهم وسيادتهم وسيطرتهم.
وهكذا سنة الله في المجتمعات البشرية، يثور النزاع بين الحق والباطل، ويشتد الصراع بين الإيمان والكفر، ولكل اتجاه أعوانه وأنصاره، وسادته وكبراؤه، والأنبياء وأتباعهم من المصلحين يوجدون في هذا الوسط المتصارع، فيتبعهم الضعفاء، ويكفر بهم الأشراف، وينصرهم الأوساط، ويقاوم دعوتهم الأكابر المجرمون الذي يعادون حركة الإصلاح والتقدم، والبناء والتحضر، في كل بيئة ومجتمع.
ولكن العاقبة والنصر للمتقين المصلحين، والهزيمة أو الانقراض والخذلان للكافرين المفسدين، وما يمكر هؤلاء الأكابر المجرمون المعادون للرسل إلا بأنفسهم؛ لأن وبال مكرهم عليهم، وعاقبة إفسادهم تلحق بهم، لكنهم عديمو النظر للمستقبل والواقع، والاعتبار بالماضي، وعديمو الشعور والإحساس،
(1)
تفسير ابن كثير: 172/ 2