الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولو شاء تعالى أن يهديكم وغيركم وجميع الناس بغير التعليم والإرشاد والنظر والاستدلال، لفعل، فجعلكم تؤمنون بالفطرة كالملائكة، فلا يكون لكم دور في الاختيار، والإرادة، والتمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، ويكون موقف مخالفيكم أيضا بمشيئة الله، فلا يصح أن تعادوهم، وعليكم أن توافقوهم ولا تخالفوهم؛ لأن المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وبين ما هم عليه.
ونظير الآية قوله تعالى: {وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى} [الأنعام 35/ 6] وقوله عز وجل: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً، أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس 99/ 10].
ثم أمر الله رسوله بمطالبة المشركين بأن يأتوا بشهود يشهدون على صحة ما يدعونه من تحريم الله هذه المحرمات، فقال:{قُلْ: هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ..} . أي أحضروا شهداءكم الذين يشهدون لكم عن عيان أن الله حرم عليكم هذا الذي زعمتم تحريمه وكذبتم وافتريتم على الله فيه.
فإن شهدوا على سبيل الفرض، فلا تصدقهم، ولا تسلم لهم، ولا تقبل لهم شهادة؛ إذ لو سلم لهم، فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم، وكان واحدا منهم، لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذبا وزورا، فهم شهود زور كاذبون. ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآيات الله الدالة على وحدانيته وربوبيته ومنها حقه في التشريع والتحليل والتحريم، ولا تتبع هؤلاء الجاهلين المتبعين لأهوائهم الذين لا يوقنون بمجيء الآخرة، حتى يحملهم الإيمان على سماع الدليل إذا ذكر لهم، وهم يشركون بربهم، ويجعلون له عديلا يشاركه في جلب الخير ودفع الضر، والحساب والجزاء.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
1 -
إن اعتذار الكافرين عن كفرهم بما يشبه قول الجبرية: لو شاء الله منا ألا نشرك لم نشرك اعتذار مرفوض لم يقبله الله تعالى؛ لأنه سبحانه أعطاهم عقولا كاملة، وأفهاما وافية، وأقدرهم على الخير والشر، وأزال الموانع بالكلية عنهم، فإن شاؤوا عملوا الخيرات، وإن شاؤوا عملوا المعاصي والمنكرات.
وقد أعانهم الله على حسن الاختيار بإنزاله الكتب، وإرساله الرسل والأنبياء، وإرشاده إلى التوحيد لله بالنظر في المخلوقات، وتأييده الرسل بالمعجزات، وتلك هي الحجة البالغة على أن الله واحد لا شريك له.
فأما علم الله تعالى وإرادته وكلامه فغيب لا يطلع عليه الإنسان إلا من ارتضى من رسول.
ويكفي في التكليف أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أمر به لأمكنه، ولا مانع يمنعه، فهو مستطيع الإيمان، قادر على نبذ الكفر.
ولو كان الإنسان مجبرا على الكفر والمعصية كالريشة في مهب الرياح كما يزعم الجبرية، لما اقتضى العدل الإلهي تكليفه بشيء، وإثابته وعقابه في الآخرة.
وقد تبين بهذا بطلان شبهات الكافرين، ودحض حججهم أمام الحجج الإلهية القاطعة. فإن شهد بعضهم لبعض على صحة ما يقولون، فلا تصدق شهادتهم إلا من كتاب إلهي أو على لسان نبي، وليس معهم شيء من ذلك، وما هم إلا شهود كاذبون مبطلون فيما يخبرون.
والمطلوب الإتيان بشهود الحق لا شهود الزور والباطل، فإن قيل: كيف أمر الله نبيه باستحضار شهدائهم الذين يشهدون أن الله حرم ما زعموه محرما، ثم أمره بأن لا يشهد معهم؟ أجيب: أمره باستحضارهم، وهم شهداء بالباطل، ليلزمهم الحجة، ويظهر زيف شهادتهم، فيحق الحق، ويبطل الباطل.