الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فكلّ ذلك كالميتة والدّم رجس وقذر، تعافه النفوس الطيبة والطباع السليمة، وهو ضار بالبدن.
واستدلّ الشافعية بقوله تعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} على نجاسة الخنزير، بناء على عود الضمير إليه؛ لأنه أقرب مذكور.
والفسق:
وهو ما أهل لغير الله أي ما ذبح لغير الله ولم يذكر عليه اسم الله، أي ما يتقرب به إلى غير الله تعبّدا، ويذكر اسمه عليه عند ذبحه، وهو المذبوح على النّصب وعند الأوثان، أو بعد المقاسمة عليه بالأزلام أي القمار.
ثم استثنى الله تعالى حال الضرورة، فقال:{فَمَنِ اضْطُرَّ.} . أي فمن كان في حال ضرورة الجوع الملجئة بسبب فقدان الحلال، مما دعاه إلى أكل شيء من هذه المحرّمات، حال كونه غير قاصد له، ولا متجاوز حدّ الضرورة، فإن الله يغفر له ويرحمه حفاظا على حقّ الحياة، فلا يؤاخذه بأكل ما يسدّ به الرّمق، ويدفع عنه ضرر الهلاك.
والخلاصة: إنّ الغرض من هذه الآية الكريمة الرّد على المشركين الذين ابتدعوا تحريم المحرّمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، فأمر الله رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرّم، وإنّما حرّم أربعة أشياء هي: الميتة، والدّم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير الله به، لما فيها من الضّرر المادي أو المعنوي الذي يمسّ العقيدة وعبادة الله، ولأن لحومها خبيثة، ومن مهام هذا النّبي إباحة الطّيبات وتحريم الخبائث:{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف 157/ 7].
لكن الحصر المستفاد من هذه الآية وأمثالها أمر نسبي لا مطلق، وهذه الآية مخصوصة بالآيات والأخبار الدّالّة على تحريم ما حرّم من غير الأربعة، مثل قوله
تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ} فهو يقتضي تحريم كلّ الخبائث المستقذرة كالنّجاسات وهو أم الأرض، ومثل
ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن جابر رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية» ،
وما روياه عن أبي ثعلبة الخشني: «أن النّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السّباع» ، وفي رواية ابن عباس:«وأكل كل ذي مخلب من الطّير» ، و
ما روياه عن عائشة وحفصة وابن عمر من قوله صلى الله عليه وسلم: «خمس فواسق من الدّواب كلّهن فاسق، يقتلن في الحلّ والحرام: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأر، والكلب العقور» ، ففي الأمر بقتلهنّ دلالة على تحريم أكلهنّ، لأن القتل إنما يكون بغير ذبح شرعي، فثبت أنها غير مأكولة، ولأن ما يؤكل لا ينهى عن قتله.
وخصّص الشافعية الآية أيضا بما
روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «واستخبثته العرب، فهو حرام» ، ومضمون رأيهم أن الحيوان الذي لم يرد فيه نص بخصوصه بالتّحليل أو التّحريم، ولم يؤمر بقتله، ولم ينه عن قتله، فإن استطابته العرب، فهو حلال، وإن استخبثته العرب فهو حرام. ودليلهم قوله تعالى:{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ} [الأعراف 157/ 7]، وقوله تعالى:
{يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ، قُلْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ} [المائدة 4/ 5]، قالوا:
وليس المراد بالطّيب هنا: الحلال؛ إذ لا معنى له، لأن تقديره: أحلّ لكم الحلال، وإنما المراد بالطّيّبات: ما يستطيبه العرب. والمراد بالخبائث:
ما يستخبثونه، ويراعى في ذلك عاداتهم العامة في الاستيطاب والاستخباث، ولا ينظر إلى الأعراف الخاصة؛ لأنه يؤدي إلى اختلاف الأحكام في الحلال والحرام.
واحتجّ كثير من السّلف بظاهر الآية، فأباحوا ما عدا المذكور فيها، فقد أخرج أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن أكل القنفذ، فقرأ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم وغيره بسند صحيح عن عائشة أنها كانت إذا سئلت عن أكل كل ذي ناب من السّباع ومخلب من الطّير، قالت:{قُلْ:}
{لا أَجِدُ..} . إلخ.
وروي عن ابن عباس أنه قال: ليس من الدّواب شيء حرام إلا ما حرّم الله تعالى في كتابه: {قُلْ: لا أَجِدُ} الآية. واستدلّ بقوله سبحانه: {عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ} على أنه إنما حرّم من الميتة ما يأتي فيه الأكل منها، فلم يتناول الجلد المدبوغ والشعر ونحوه، وقد فهم النّبي صلى الله عليه وسلم من النّظم الكريم ذلك، أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة،
وفي رواية: لميمونة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لو أخذتم مسكها-جلدها-» ، فقالت: نأخذ مسك شاة قد ماتت، فقال صلى الله عليه وسلم:«إنما قال الله تعالى: {قُلْ: لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ، إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} وإنّكم لا تطعمونه، إن تدبغوه تنتفعوا به» .
ثم أخبر الله سبحانه عما حرّمه على بني إسرائيل خاصة، عقوبة لهم، على سبيل المقارنة بما شرعه القرآن للمسلمين، فقال:{وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا.} . أي وحرّمنا على اليهود دون غيرهم كل ذي ظفر: وهو كلّ ما ليس منفرج الأصابع، أو مشقوق الأصابع من البهائم والطير، كالإبل والنّعام والإوزّ والبط، كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير.
وحرّمنا عليهم من البقر والغنم دون غيرهما شحومهما الزائدة التي تنتزع بسهولة، لعدم اختلاطها بلحم ولا عظم، وهي ما على الكرش والكلى فقط، أما شحوم الظّهر والذّيل فحلال؛ لقوله تعالى:{إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما} وإلا {الْحَوايا} : ما حملته الأنعام، وإلا {مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} ، فكل هذه الشحوم أحللناه لهم.