الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير والبيان:
يمتن الله تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش، فاللباس ستر العورات، والريش: ما يتجمل به، والأول من الضرورات، والثاني من التكملات والتحسينات.
يا بني آدم، اذكروا نعمة الله عليكم وعلى أبيكم آدم من قبل، بما وفرته لكم من حوائج الدين والدنيا كاللباس والرياش، لستر العورات، والاستمتاع بالزينة والجمال، واتقاء الحر والبر. ومعنى إنزاله من السماء: خلقه وإنتاج مادته من القطن والصوف والوبر والحرير وريش الطير وغيرها مما اقتضته الحاجة، ثم تعلم صنعته وخياطته بإلهام من الله. وهذا الامتنان بنعمة اللباس والزينة دليل على الإباحة، وهو مطابق لفطرة الإنسان بحب الزينة والتظاهر أمام الناس.
ويسن الحمد والشكر عند ارتداء الثوب الجديد،
لما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استجد ثوبا، فلبسه، فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به، كان في ذمة الله، وفي جوار الله، وفي كنف الله، حيا وميتا» .
وروى الإمام أحمد أيضا عن علي قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند الكسوة: «الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي» .
ثم فضل الله تعالى على اللباس المادي أو الحسي لباس التقوى المعنوي فقال:
{وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ} وهو كما قال ابن عباس: الإيمان والعمل الصالح، وقيل: هو السمت الحسن، فهذا لا شك خير لصاحبه إذا أخذ به، وأقرب له إلى الله تعالى، مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به.
{ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ} معناه: ذلك المذكور وهو إنزال اللباس عليهم من
آيات الله الدالة على قدرته وفضله ورحمته على عباده. {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي أن هذه النعم تؤهلهم لتذكر فضل الله عليهم وشكره، ومعرفة عظيم النعمة فيه، والبعد عن فتنة الشيطان، وإبداء العورات.
ثم حذر الله تعالى بني آدم من إبليس وجنوده، مبينا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم عليه السلام، في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته، بعد ما كانت مستورة عنه، وما هذا إلا عن عداوة أكيدة، وهذا كقوله تعالى:{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي، وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ، بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف 50/ 18].
كرر الله النداء لبني آدم على وفق الأسلوب العربي في مقام التذكير والوعظ، فقال:{لا يَفْتِنَنَّكُمُ} أي لا تغفلوا عن أنفسكم، ولا يصرفنكم الشيطان عن الدّين، كما فتن أبويكم بالإخراج من الجنة، فلا تصغوا لوسوسة الشيطان، ولا تهملوا تحصين أنفسكم بالتقوى، وصلوها دائما بذكر الله، فيترتب على فتنة الشيطان ألا تدخلوا الجنة كما فتن أبويكم ووسوس لهما، وزين لهما معصية ربهما، فأكلا من الشجرة التي نهاهما عنها، فأخرجهما من الجنة دار النعيم، وتسبب في هبوطهما إلى الأرض.
أخرجهما من الجنة، وتسبب أيضا في نزع ما اتخذاه لباسا لهما من ورق الجنة، لأجل أن يريهما سوءاتهما، واللام في {لِيُرِيَهُما} هي لام العاقبة أو الصيرورة، مثل اللام في {لِيُبْدِيَ لَهُما} .
احذروا إبليس فإنه هو وجنوده من الجن يرونكم وأنتم لا ترونهم، والضرر الناجم من العدو الذي لا يرى أخطر من العدو الظاهر المرئي.
والوقاية منه تكون بالاستعاذة بالله منه، وبتقوية الروح بالإيمان بالله والصلة به، وبمجاهدة النفس وعدم إصغائها للوساوس، ثم محاولة طردها من