الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قضاعة
مجموعة من القبائل العربية تتضارب آراء النسابين فى أصلها، فمنهم من يؤكد أنهم من نسل معد، وآخرون يقولون إنهم ينحدرون من حِمْيَر. وتحاول بعض الروايات التوفيق بين هذه الآراء فتقول إن أم قضاعة كانت زوجة لمالك بن عمرو بن مُرّة بن مالك بن حمير، ثم تزوجت بعده معدّا الذى نشأ فى كنفه ابنها قضاعة من زواجها الأول، ولذلك أطلق عليه قضاعة ابن معد. وتزعم رواية أخرى مناقضة أن قضاعة كان ابن معد، ثم تزوجت أمه فيما بعد مالك بن عمرو الحميرى الذى تبنى الطفل، وهكذا أصبح يطلق على قضاعة اسم قضاعة الحميرى (انظر ملاحظات ج. كيستر وم. بلسنر على تحقيق كاسكل لجمهرة النسب فى دورية orients 25 - 26 [1976]، ص 56 - 57، والإشارات الواردة فى الهوامش 43 - 51، وانظر أيضًا نور الدين الهيثمى: مجمع الزوائد والأغانى جـ 7 ص 77 والإكليل للهمذانى). وتذكر بعض الروايات صراحة على أن قبائل قضاعة كانت تنسب نفسها إلى معد، ثم تحولت إلى النسب الحميرى تحت ضغط معاوية وبتأثير الرُّشى (انظر على سبيل المثال كيستر وبلسنر، نفس المرجع، هوامش 51 - 57). والقبائل المندرجة فى قضاعة هى: كلب وجهينة، وبَلِى، وبهراء، وخولان، ومهرة وخُشين، وجَرْم، وعُذرة، وبَلقَين (انظر القين) وتنوخ، وسليح. وكان انتماء بعض هذه القبائل (مثل تنوخ ومهرة وخولان) إلى قضاعة محل خلاف بين النسابة. وقد انضمت بضع عشائر من قضاعة إلى قبائل أخرى، وألحقت نفسها بأنسابها، وغيرت هويتها القبلية.
بين الأقسام البارزة من قضاعة يمكن للمرء أن يشير بصفة خاصة إلى جهينة وبلى:
1 -
كانت أرض جهينة الشاسعة تتحكم فى الطريق الساحلى الذى تسلكه القوافل ما بين سوريا ومكة، ويمر بمواقع صفراء وصُفَيْنة والمروة
والحوراء وينبع وجبال رضوى. ويبدو أنه كان لدى جهينة تزعة قبلية واضحة، ونستطيع أن نحكم على ذلك من مجموعة من شعر الحروب القيلية "أيام جهينة"، وقد سجلت شذرات من هذا الشعر فى وقت متأخر خلال القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى)(انظر الطيالسى، المكاثرة عند المذاكرة. ط الطنجى، أنقره 1956 م).
تذكر رواية أوردها ابن الكلبى أن عبد الدار بن حُدَيب (أو هُذَيل فى قول آخر) عزم على بناء مزار فى قَوْدَم أحد مراكز جهينة لينافس به كعبة مكة إلا أن قومه عارضوه (ابن الكلبى، الأصنام، نشر أحمد زكى باشا، القاهرة 1343 هـ/ 1924 م ص 45).
ويبدو أن علاقات جهينة بالأوس والخزرج كانت وثيقة، وقد ذكر أن بعض الجهينيين كانوا حلفاء لأسر وعشائر من أهل المدينة (انظر على سبيل المثال ابن حزم، جمهرة انساب العرب، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة 1962 ص 444).
كان من الطبيعى عندما استقر النبى [صلى الله عليه وسلم] فى المدينة أن يهتم بعقد علاقات سلام مع جيرانه الجهينيين. وإذ استشعرت جهينة التغيير الأساسى فى الوضع فى المدينة مع قدوم النبى كانت حريصة على أن تؤمّن لنفسها موقعا فى بناء القوة الجديد. وتذكر بعض الروايات أن وفدا من جهينة قدم على النبى [صلى الله عليه وسلم] فى المدينة فأشار إلى أن النبى قد أقام "بين أظهرهم"(أى فى المنطقة التى يسيطرون عليها) وطلبوا منه عقد انفاق للأمن المتعادل وقالوا له: "أوثق لنا حتى نأمنك وتأمننا"، وفى الواقع فقد تم الاتفاق على هذا العهد بين النبى [صلى الله عليه وسلم] وبين جهينة.
ومن الجوانب اللافتة للنظر فى هذا العهد أن النبى [صلى الله عليه وسلم] قد التقى بوفد جهينة قبل إسلامهم وهذا واضح مما يروى عن هذا العهد إذ جاء فيه "ولم يُسْلموا". وبدأ تنفيذ العهد بعد قليل من إبرامه؛ حين أرسل النبى [صلى الله عليه وسلم] مائة من المقاتلين للإغارة على طائفة من كنانة. وعندما أدراك المسلمون أن الكنانيين
يفوقونهم عددا تراجعوا وطلبوا اللجوء عند جهينة. ولما سألهم الجهينيون لماذا قاتلوا فى شهر رجب الحرام، برر المسلمون ذلك بالإشارة إلى أنهم طُرِدوا من الحرم (مكة) فى الشهر الحرام.
تبدو الأقوال عن مشاركة جهينة فى مواجهات النبى [صلى الله عليه وسلم] الأولى مع قريش صحيحة، وتؤكدها رواية أوردها الطبرانى، تذكر أن أولى القبائل التى قاتلت مع النبى كانت جهينة.
تشير بعض الأحاديث المنسوبة إلى النبى [صلى الله عليه وسلم] إلى تحول بضع جماعات من جهينة ومن أَسْلَم (وهى مجموعة أخرى من قضاعة) إلى الإسلام فى فترة مبكرة، وتقدم هذه الأحاديث هؤلاء فى الفضل على قبائل أسد وغطفان وتميم وعامر بن صعصعة وهى قبائل كبيرة (انظر مثلا الحميدى، المسند، ط. حبيب الرحمن العظمى، بيروت - القاهرة 1318 هـ جـ 2، رقم 1048).
شاركت جهينة بقوة كبيرة قوامها 800 راجل و 50 راكبا (أو 1400 مقاتل طبقا للطبرى، التاريخ، جـ 3 ص 65) فى فتح مكة.
وظلت جهينة على ولائها للإسلام بعد وفاة النبى [صلى الله عليه وسلم](انظر الواقدى 1122). كما شاركت جهينة مع مجموعات أخرى من قضاعة فى فتح مصر. واستقر بعضهم فى الفسطاط (راجع ابن عبد الحكم، فتوح مصر، ط تورى، نيو هافن، 1922، الفهرس). وقد عاش الجهينيون فى منفلوط وأسيوط، وبعد اشتباكات مع مجموعات قبلية أخرى هاجروا إلى أخميم فى عهد الفاطميين، وأصبحوا إحدى القبائل العربية فى مصر (انظر المقريزى، البيان والإعراب عما فى أرض مصر من الأعراب، طبعة عبد المجيد عابدين، القاهرة 1961. وانظر أيضًا أبحاث عابدين فى نفس المرجع ص 77 - 78).
وفى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) تغلغلت مجموعات من جهينة فى مملكة النوبة المسيحية وسيطروا عليها ثم واصلوا زحفهم جنوبا إلى السودان حيث امتزجوا
بالقبائل المحلية (انظر C.H. Becker: Zur Geschre des ostlich en Sudan، in Isl-i 77 - 153).
أما أراضى جهينة فى الجزيرة العربية فقد سيطر عليها أولاد على الذين نجحوا فى اكتساب ملكية مساحات كبيرة من الأراضى. ومع ذلك فقد نجحت مختلف فروع جهينة على مر القرون فى الحفاظ على هويتها. وعلى الرغم من بعض التذبذب فى بداية الحرب العالمية الأولى فإن غالبيتهم اتبعت أولا الشريف حسين، ولكنهم بعد ذلك غيروا موقعهم وأصبحوا مخلصين للأسرة السعودية (انظر أوبنهايم جـ 2 ص 360)، وهم يجتهدون فى السنوات الأخيرة فى تطوير منطقتهم (انظر حمد الجاسر، بلاد ينبع).
2 -
وكانت إلى الشمال من أرض جهينة أرض بَلِى، وهى فرع آخر من جهينة، وكانت مساكنهم المعتادة تبدأ من وادى إضَم وتمتد شمالا لتضم شَغَب وبَدَا وتيماء (ابن خلدون، العبر جـ 2، ص 516). وتقول الأخبار إن قبائل بلى وجهينة وعذرة من قضاعة هاجرت إلى وادى القرى حيث كان المستوطنون اليهود يفلحون الأرض ويحفرون الآبار ويزرعون النخيل. وتعهد المستوطنون اليهود فى اتفاق بينهم وبين هذه المجموعات من قضاعة على أن يدفعوا لهم جُعلا معينا لقاء التزام بلى وجهينة وعذرة بحماية المستوطنات اليهودية من القبائل البدوية الأخرى بما فيهم الجماعات الأخرى من قضاعة (ياقوت، معجم البلدان، جـ 1، ص 43). وقد ظلت نصوص هذا الاتفاق سارية حتى مقدم الإسلام حين وفد جمرة بن النعمان العذرى على النبى [صلى الله عليه وسلم] فاقطعه الرسول أرضا وأقر المستوطنين اليهود من أسرة عُرَيْض (أو عَرِيض) فى أماكنهم (ابن سعد جـ 1 ص 279 والبكرى جـ 1 ص 44)، وقد انهمكت بعض عشائر بلى فى صراع داخلى اضطرت احداها وهى بنو حِشْنة إلى اللجوء للمستوطنين اليهود فى تيماء حيث تحولوا إلى اليهودية. ثم
ذهب بعض هؤلاء اللاجئين من بعد ذلك إلى المدينة عند مقدم الرسول عليه الصلاة والسلام واعتنقوا الإسلام (البكرى جـ 1 ص 596) وتشير بعض الروايات إلى أن المهاجرين البلويين إلى المدينة أصبحوا حلفاء للأوس والخزرج (البكرى جـ 1 ص 28، وانظر الإنباه على قبائل الرواه لابن عبد البر، النجف، ص 128). ويمكن استنتاج وضع بلى فى المدينة من الروايات الواردة عن لقاء العقبة وأن سبعة من السبعين أنصاريا الذين بايعوا النبى فى هذا اللقاء كانوا بلويين، وهم عُوَيم بن ساعدة ومعن بن عدى وخَديج بن أوَيس وأبو الهيثم بن التيِّهان وأبو بردة بن نِيار والنعمان بن عمرو (أو ابن عِصْر) ويزيد بن ثعلبة. وتشك بعض الروايات فى انتساب بعض هؤلاء إلى بلى.
ولقد حارب رجال من بلى إلى جانب النبى [صلى الله عليه وسلم] فى معاركه مع قريش واستشهد بعضهم. وهناك رسالة غريبة تقول بعض الروايات إن النبى بعث بها إلى قوم من بلى هم بنو جُعَيل يتعهد لهم فيها بأنهم (لا يُحْشَر ولا يُعْشَرون) وفسر ابن سعد ذلك بأنه يعنى أن الصدقات لا تجمع منهم إلا مرة واحدة فى العام وأنهم لا يُجْمعون هم وقطعانهم فى أماكن جمع الصدقات، ولكن هذا التفسير لا يبدو مستساغا، وربما كان المقصود منه هو إعفاؤهم من العشور ومن الالتزام بواجب القتال إلى جانب المسلمين. وقد كلفهم النبى [صلى الله عليه وسلم] بجمع الصدقات من بعض القبائل الأخرى، وأعطاهم وضع قريش لأنهم كانوا حلفاء لعبد مناف (ابن سعد جـ 1 ص 270 - 271). ولعل القصد من هذه المزايا التى أُعطيت لبنو جعيل كانت لاكتساب ولاء مجموعة قبلية حليفة لقريش وتأمين سيطرتها على مجموعات قبلية أخرى لصالح المجتمع الإسلامى الوليد.
كان هدف الحملة التى أرسلت إلى بِلَى فى العام الثامن الهجرى اكتساب ولاء هذه القبيلة وعونها للمجتمع الإسلامى، وكان من الضرورى لهذا المجتمع تامين تعاون بِلَى الذين يسكنون المناطق الشمالية من شبه الجزيرة العربية ويسيطرون على
الطريق إلى المدينة ومكة والذين كان بعضهم فى خدمة الجيش البيزنطى. ويذكر أن قائد القوات التى حاربت المسلمين فى مؤتة كان بلويا (الواقدى 760). وكان قرارا حصيفا من النبى [صلى الله عليه وسلم] أن يجعل قائد المسلمين فى هذه المعركة هو عمرو بن العاص الذى كانت أمه بلوية (نفس المرجع، 770) وكانت الحملة موجهة أيضًا إلى مهرة وبلقين وهما أيضًا قبيلتان من قضاعة كانتا تنزلان فى منطقة بلى. وأخيرا استقبل النبى [صلى الله عليه وسلم] فى العام التاسع الهجرى وفد بلى الذين أعلنوا اعتناقهم الإسلام (ابن سعد جـ 1 ص 330، وشرح المواهب للزرقانى جـ 4 ص 57 - 58، وابن قيم الجوزية: زاد المعاد جـ 3 ص 49).
شاركت قوات بلى بدور هام فى فتح مصر، وقد حارب عمرو بن العاص تحت راية بلى (ابن عبد الحكم جـ 1 ص 62). وجعل عُمر عطاء مقاتلى بلى كعطاء مُضَر وكلب وطيّئ وهو أقل من عطاء القبائل اليمنية لأن الأولين كانوا أقرب إلى أماكن هجرتهم (الجاحظ، العثمانية، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة 1374 هـ/ 1955 م ص 212). وعندما علم عمر أن رجالا من بلى استصرخوا قومهم بنداء الحرب "يالقضاعة" أمر بإنزال ثلث القضاعيين مصر، ولما كانت بلى تمثل ثلث قضاعة فقد كان من نصيبها أن تنزل مصر (ابن عبد الحكم ص 116). وكان عبد الرحمن بن عديس البلوى من صحابة النبى [صلى الله عليه وسلم] على رأس قوة من الفرسان فى الثورة على عثمان. وقد سجنه معاوية بعد ذلك ثم قتل أثناء فراره من السجن (السمعانى، الأنساب، حيدرآباد 1963 جـ 2 ص 324 وأسد الغابة لابن الأثير جـ 3 ص 309، والإصابة لابن حجر جـ 4 ص 334).
استوطن البلويون فى أخميم وأسيوط وأشمون من أرض مصر ثم اضطرتهم قوات الفاطميين إلى النزوح جنوبا وفى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) دخلوا مع جهينة السودان وأسهموا بشكل ملحوظ فى