الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال عنه محمد بن اليمني الناصري شقيق محمد المكي الناصري المعروف: "صاحبنا كاتب الحقيقة وشاعر العاطفة؛ أخونا المطلع الخبير والداهية الكبير". (1)
توفي سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة.
•
موقفه من الصوفية:
كتب رسالة لشيخ الطائفة التجانية بالرباط سماها: 'لا طرق في الإسلام' بعد مذاكرات بينهما جرت حول الطرق الصوفية، هذه الرسالة كلها ذم وتقريع وكشف لحقيقة الطرقية المقيتة، وقد ضمنها نحو عشرين سؤالا ملزما مفحما قاضيا بضلال هذا المسلك -جزاه الله خيرا- وقد انتشرت وذاعت في وقتها؛ إلا أنها أثارت ثائرة الطرقيين فضجوا من أجلها حسب ما ذكره محمد بن اليمني الناصري في كتابه: 'ضرب نطاق الحصار'.
وقد نقل هذه الرسالة كاملة وهي جواب عن سؤال شيخ التجانية: "ما هي هذه الطرق؟ لأن الحكم عن الشيء فرع عن تصوره".
فأجاب رحمه الله: الطرق هي ما دعي فيه إلى أعمال وأقوال زائدة غير صالحة في نفسها ولا مصلحة لغيرها، مستمدة من عالم الأذواق والإلهام! لم يدع إليها محمد صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه نصا، لم تسد من الدين ثغرة، ولم تزده في عالم الإصلاح شهرة؛ بل شوهته بما استحالت إليه من محاكاة القردة والحيوانات المفترسة والمتوحشين في مجاهل الأرض.
(1) 'ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار' لمحمد الناصري (ص.156).
ادعاها أشخاص من طلاب الشهرة الدينية أو الدنيوية. فيهم صالح النية وخبيثها. ومن العسير معرفة صالحهم من طالحهم؛ إذ لا مميز قطعيا هناك؛ مما يوجب طرح دعاويهم جميعا وإلقاء ما أتوا به جملة وتفصيلا؛ استغناء بكتاب الله وسنة رسوله.
أما بعد: فطالما تنكبت -منذ عرفت طويتك، وخبرت هويتك- الطرق المؤدية للاجتماع بك، لا لقلي لك أو بغض فيك؛ إذ لست هناك، ولكن لما بين الفكرين من التضارب، وبين الرأيين من التباين؛ فبينما أراني متطلعا في سماء الحرية الصافية الأديم، الرائقة النسيم، متغلغلا ببصر البصيرة في سعة أجوائها، وترامي أرجائها، متنسما عطر أريحها، متشحا برد نسيجها؛ إذ بك ترسف في أغلال التقليد وسلاسل الجمود، معتقداً سلاسلها مخانق من لؤلؤ، وقيودها خلاخل من ذهب، ومع إبهاظ تلك لعاتقك، ونخر هذه لسوقك تضن بهما ضن البخيل بماله، والغيور بعياله، فأنى يطيب لنا اجتماع أو يحصل بيننا اتفاق؛ اللهم إلا إذا اجتمع الضدان، وائتلف النقيضان، وتساوى الطائر المحلِّق -حيث لا يخشى الطلب- بالمحبوس أسيرا -وإن في قفص من ذهب-، لهذا وذاك، كنت دائما أتحرى عدم لقياك، استغناء عن نفعك واتقاء لأذاك، حتى سقطت علينا بالأمس سقوط الجراد في ليلة أَحَلْت بياض أنسها إلى سواد، عند ذلك السميدع الأصيل إذ انجر بنا الحديث -والحديث شجون- إلى ذكر الطرق المحدثة في الإسلام، وما انبثق منها فيه من الأضاليل والأوهام. والانشقاق والاختلاف، والتزحلق عن مهيع الحق والانحراف، حتى تمزقت أوصاله وتلونت أحواله، وصارت أممه في فرقها شيعا، واتخذ كل منهم
حسب هواه طريقا ومهيعا، تلك الوصمة التي وسم بها الدين، وأحدث بها التفريق بين جماعة المومنين، وتفوهت -تأثرا بما أثاره ذلك الحديث- بتلك الجملة التي أنزلتها منزلة كلمة التثليث وهي:"إن الإسلام بدون هذه الطرق خير منه بها"؛ فقمت وقد انتفخت أوداجك. وتصلبت أمشاجك. وقلت: إن ذلك القول ضلال، واعتقاده كفر، وتخيّله زندقة، والعمل به مخرقة. وشددت اللوم على من يحوم في حمى القوم، وطالبتني بالدليل على صحة جملتي، والحجة التي تثبت بها دعوتي، فاستدللت ولم أبعد، ورغما على إبراقك فلم أرعد؛ بأن الإسلام قبل تفريخ جراثيم هذه الطرق في جسمه، كانت أعظم دول الأرض ترتعد لذكر اسمه، وأنه بعد تسميمها لدمه، وسريان ذلك الدم المسموم في جميع أممه، تفرقت أجزاؤه، وسادته أعداؤه، وانفصمت عراه، وانحط من علاه، وتمزق أيدي سبا، وتمسك بالقشور وأعرض عن اللبا، وألفح روضاته الغناء إعصار فيه نار المحرقين فاحترقت، وطما على سدوده المتينة سيل الجهل فانخرقت، وإن لم تكن كل مصائبه من تلك الطرق؛ فإنها إحدى مصائبه الكبر، وفي تمسك دعاة العلم بأهدابها أفدح المصائب وأعظم العبر، وهذه طبيعة العمران؛ فإن الأمم إذا هرمت انحلت قواها العاقلة، وتسفلت فيها المدارك والعقول، وانحطت من أوج التمحيص والانتقاد إلى هاوية التقليد والخمول، حيث تستعبدها الأوهام والخرافات، باعتقاد سيدات وسادات، لهم التصرف في الكون قبضا وبسطا، ومنعا وإعطا، اعتقادا يتساوى فيه العالم والجاهل، والعالي والنازل، عاملين على استبدال الأعمال الصالحة بمضغ الألفاظ، مع بعدها عن مركز الانفعال بعد الإعقاب عن
الألحاظ، وأعماهم التعصب والتقليد عن رؤية الحق مع أن الحق نور، ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا.
وحيث كنت تكابر في هذا القدر، وتحتج بحجج لا تعلم محط مغزاها، ولا هدف مرماها، وإنما ترددها ترديد الصدى، جريا على ما جبلت عليه من التقليد حتى في الضلال والهدى.
اقترحت أن أخط لكم ما تفوهت به في كتاب، وأضيف إليها ما يعن لي في هذا الباب، وأنتم تجيبون على ذلك بما يزيل اللبس، ويبين أن أفكاركم مبنية على أمتن أس؛ وإلا فأنت في ميدان المناضلة محجوج. وجبين دعواك بعصا العجز مشجوج. هذا وإني لأشفق عليك مما يلم بك من الألم، عند مطالعة ما يخطه القلم؛ لأن الحقيقة مرة في أفواه العائشين بالآمال والأوهام، واليقظة ضربة قاضية على المثرين في الأحلام، ولكنها الحقيقة. والحقيقة بنت البحث البحت، والمرمر لا تنجلي مرآته بغير الصقل والنحت. وإليكها جملا مرصوصة البنا، ظاهرة الغنا، طيبة الجنا، وليست إلا أنموذجا لأمثالها، وشكلا يدل على تعدد أشكالها. وهي بين ادعاء محض يفتقر إلى إثبات أو نقض، أو استفهام يتطلب الجواب بالنفي أو الإيجاب. بيد أنه لا يقبل من الحجج النقلية إلا ما كان صريحا في الموضوع من كتاب أو سنة أو كان من الحجج العقلية المحسوسة فقط، وكل كلام تسوقه للغير أياً كان فهو لغو، والعبرة بما يقال، لا بمن قال. ثم إني لا إخالك تجد ولا جوابا واحدا يوافق ما به تحتج. إلا إذا استقام الظل والشاخص أعوج، وقد صدرت تلك الجمل بالجملة التي كانت
السبب في تسطير هذا الرق، وذيّلتُها بأسئلة تقوم في وجه الباطل بسيف الحق. وهي:
1 -
الإسلام بدون هذه الطرق خير منه بها؟
2 -
هل هذه الطرق ضرورية الوجود للدين؟
3 -
إذا كانت غير ضرورية للدين وهو تام بدونها فما المحوج لها إذاً؟
4 -
هل كانت الديانة الإسلامية ناقصة قبل وجود هذه الطرق؟
5 -
هل المتمسكون بهذه الطرق أهدى ممن كان قبلهم من المسلمين ومن معاصريهم المسلمين الغير المتمسكين بها؟
6 -
هل المؤمن بكتاب الله وبما صح وروده عن النبي عليه السلام؛ العامل بمقتضى الشريعة يعد ضالا إذا قال: إن الإسلام غني بنفسه عن الطرق واعتقد ذلك ودعا إليه؟
7 -
أي فائدة استفادها الإسلام من هذه الطرق بعد فشوها فيه حتى امتاز عصره بها بالعز والجاه والفضل والاستقامة عن غيره من أعصره الخالية منها؟
8 -
لو لم توجد في الإسلام هذه الطرق التي فرقته شيعا وجعلته طرائق قددا وبقي على ما كان عليه أيام النبي عليه السلام والأعصر الثلاثة بعده أيكون غير صالح لهداية البشر وأتعس حالا مما هو عليه الآن؟
9 -
أعَثرنا بهذه الطرق على إكسير الأخلاق الذي صير الأمة في أخلاقها وأطوارها خيرا مما كانت عليه من قبل؟
10 -
إذا تمسك المسلمون بالكتاب والسنة واتحدوا عليهما ونبذوا هذه الطرق المبثوثة الأطراف أيَصيرون غير مسلمين ويعودون بذلك من الضالين؟
11 -
هل جاءت هذه الطرق بشيء زائد على ما في الكتاب والسنة يحتاج إليه الإسلام والمسلمون؟
12 -
إذا كانت لم تأت بشيء زائد على ما فيهما فما الفائدة من إحداث طرق منشقة في الإسلام ترى لنفسها فضلا وشفوفا على غيرها اغترارا بقول داع مجترئ؟
13 -
هل المؤمن المصلي على نبيه، الذاكر لربه، ائتمارا بأمر الله في كتابه العزيز، وبالصيغ الواردة عن محمد صلى الله عليه وسلم يكون أحط رتبة، وأخس مثوبة، وأقل أجرا من المصلي أو الذاكر وفاقا لقانون الشيخ فلان، وبالصيغ الموحاة إليه من حظيرة الأوهام؟
14 -
ما قولك فيمن يبتدع صيغا من الأدعية والصلوات، غريبة الألفاظ، ركيكة التركيب، ليست على نهج القرآن ولا على أسلوب الحديث يتلقفها من عالم الغيب في زعمه، ويمليها ألفاظا غير أليفة ولا مألوفة، مدعيا لها من الأجر والثواب والفضل الذي لا يحصره حساب الحاصل لتاليها مرة واحدة ما لا يحصل لمن ختم القرآن كذا وكذا ألف مرة؟
15 -
وما قولك فيمن يدعي ما لم يدعه محمد ولا عظماء صحابته من التصرف في الجنة والنار يدخلهما من يشاء ويخرج منهما من يشاء؛ كأن مفاتحهما في جيبه أو عقد اتفاقا مع خزنتهما أوجب تخصيصه بذلك أو شارك رب العزة في ملكوته، يغر بذلك السذج ويجرئهم على معاصي الله؟
16 -
هل قام الإسلام وانتشر في العالم بالقعود على الطنافس، ولَوْك الألفاظ وتحريك السبح وضرب الرؤوس، ونهش اللحوم والرقص على التمويل و
…
إلخ، أم بجلائل الأعمال وبذل النفس والنزوح عن الأوطان في سبيل الدعوة إلى الأقطار النائية الشاسعة مع بعد الشقة وعظم المشقة؟
17 -
ماذا ترى فيمن تَعْرِض له صيغة تصلية أو ذكر مما لفّقه شيخه فينزهها عن ذكره لها لكونه على غير وضوء؛ حتى إذا عرض له ذكر القرآن وهو في مجلسه ذلك وبحالته تلك اندفع في تلاوته اندفاع السيل من الجبل، أتلك الصيغة الواردة عن شيخه أجل قدرا وأعظم خطرا من القرآن المنزل من رب العزة بواسطة جبريل الأمين على قلب محمد بن عبد الله؟
18 -
لا شك أن جل مبتدعي هذه الطرق كان قصدهم حسناً فيما ابتدعوه، ولكن يعرض لتلك البدع ما يخرجها عن مقصدها الحسن، ويجعلها وبالاً على الإسلام المسلمين كما هو مشاهد.
19 -
إذا قسنا الطرق الصالحة -إن كانت هناك طرق صالحة وليست هي إلا طريقتك في نظرك- على الكثير الفاسد، ورفضنا الكل سداً للذريعة، ودفعا للأذى فهل يضرنا ذلك الرفض في ديننا؟
20 -
إن كان رفض تلك الطرق يضرنا في ديننا فما وجه ضرره؟
هذا قل من كثر، وبعض من كل، وإن شئتم زدنا، وإن عدتم عدنا، والحمد لله أولا وآخرا. (1)
(1) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.157 - 164).