الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أبو يوسف عبد الرحمن عبد الصمد (1)(1408 هـ)
الشيخ العلم عبد الرحمن بن يوسف بن محمود بن حسين بن علي بن عبد الصمد، ولد في بلدة عنبتا قضاء طولكرم التابعة لنابلس في فلسطين. نشأ يتيما لا أب ولا أم وهو دون التاسعة من عمره.
خرج من فلسطين إلى لبنان فسوريا وبها تصوف على طريقة الرفاعية حتى منَّ الله عليه بمعرفة الحق الواضح الأبلج، فتبرأ من التصوف وأهله وحذر منهم.
درس في المعهد العلمي بالرياض الذي افتتح عام إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، تعرف على عدة مشايخ على رأسهم الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وبقي في الرياض تسع سنوات حتى التحق بالجامعة الإسلامية حين افتتاحها سنة ثمانين وثلاثمائة وألف.
ثم رجع إلى سوريا فعمل إماما وخطيبا في مناطق مختلفة، ثم رحل إلى الكويت وبقي فيها مدة، إلى أن وجهت له دعوة من الجمعية الإسلامية في ملبورن بأستراليا، فأجاب دعوتهم ورحل إليهم، فتوفي رحمه الله هناك بأستراليا ودفن بها في مساء الخميس سبعة عشر شوال سنة ثمان وأربعمائة وألف للهجرة.
موقفه من المبتدعة:
له رسالة ماتعة بعنوان: 'أسئلة طال حولها الجدل'. وهي رسالة تشف
(1) 'المقتصد من حياة الشيخ أبي يوسف عبد الرحمن عبد الصمد' بقلم إبراهيم الساجر. وتتمة الأعلام (1/ 283 - 284) لمحمد خير رمضان يوسف. وإتمام الأعلام (ص.151) لنزار أباظه ومحمد رياض المالح.
عن منهج صاحبها الرقراق.
- قال رحمه الله فيها: مما لا شك فيه عندي في أن جميع البدع الشرعية المنسوبة إلى الدين بشتى ألوانها وصورها كلها ضلالة وفي النار، لأنها تشريع لم يأذن به الله، وحدث في الدين ما أنزل الله به من سلطان، وتحريف للكلم عن مواضعه، وإساءة في فهم قواعد الشرع العامة، وتلاعب في نصوص الدين الإسلامي الحنيف، وتمسك بما تشابه منه ابتغاء الفتنة وضرارا وتفريقا بين المؤمنين، وتمزيقا لشملهم.
لكن الله جلت قدرته أبى إلا أن يحفظ دينه ويعلي كلمته، فأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المبطلون، ويحق الحق بكلماته ويزهق الباطل وأهله. فكان حكم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى- على جميعها بأنها ضلالة وفي النار، وكذلك الخلفاء والصحابة والأئمة رضوان الله عليهم أجمعين ورثوا ذلك عنه صلى الله عليه وسلم وحذروا أتباعهم من اتخاذ البدع والعمل بها. (1)
- ثم قال بعد ذكر الأدلة على ذلك وكلام الأئمة المعتبرين: وخلاصة القول: أنه قد ثبت أن جميع بدع العبادات كلها ضلالة وكلها في النار، وأنه لا يوجد في البدع الشرعية ما يمدح، وليس في الإسلام بدعة حسنة، بل كلها سيئة ومذمومة ومن زعم ذلك فينطبق عليه قول الإمام مالك رحمه الله:(من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة). وتقسيم من قسمها منصب على بدع العادات والبدعة اللغوية لا غير
(1) أسئلة طال حولها الجدل (ص.54).
كالمنخل والأشنان ونحو ذلك من بدع العادات، ومعلوم أن الأمة متفقة على أن الخير كله في اتباع من سلف والشر كله في ابتداع من خلف، وأن الابتداع في الدين شر كله وليس فيه ما يمدح، والله تعالى أعلم. (1)
- وقال رحمه الله في شأن التقليد: مما لا شك فيه أن المتأخرين قد نسبوا إلى الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين (مذاهب) وتعارفوا فيما بينهم على صحة ما نسبوه إليهم من تلك المذاهب وعرفوها بأنها عبارة عن (كتب المذهب) سواء نسبت للإمام نفسه أو إلى أحد تلامذته أو لأحد من مجتهدي المذهب، وسواء أكانت أصولا أو فروعا، متونا أو حواشي أو شروحا، وألزم أولئك المتأخرون أتباعهم بالتقيد التام بالمذهب وبأخذ جميع ما فيه من مسائل وغيرها، وعدوا الخارج عنها ولو بمسألة واحدة خارجا عن المذهب وعدوه ملفقا ومرقعا.
لكن الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين براء من كل ذلك، وبعيدون كل البعد عن أن يدعوا لأنفسهم مذهبا معينا على النحو المعروف اليوم ويلزموا أتباعهم بأن يلتزموه ويفرضوا عليهم أن يتقيدوا بأقوالهم وأفعالهم واجتهاداتهم وأن يأمروهم بعدم الخروج عنها، حاشاهم من ذلك ونعيذهم بالله أن يقع منهم مثل ذلك. بل الذي حصل منهم على العكس مما يدعيه المتأخرون، إنهم زجروا أتباعهم عن تقليدهم وتقليد غيرهم من الأئمة قال الإمام أحمد رحمه الله:(لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا) من إيقاظ الهمم للفلاني صفحة 113 وأعلام الموقعين
(1) أسئلة طال حولها الجدل (ص.59).
(2/ 302) وقال: (رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار) ذكره ابن عبد البر في الجامع (2/ 149) وللمزيد راجع مقدمة صفة صلاة النبي للألباني.
وقال الإمام مالك: (ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم) ابن عبد البر في الجامع (2/ 91). وقال: (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) ابن عبد البر (2/ 32).
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: (أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل أن يدعها لقول أحد) راجع صفة صلاة النبي للألباني (المقدمة ص 29 - 30). وقال: (إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت) المرجع السابق.
وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: (ويحك يا يعقوب -هو أبو يوسف- لا تكتب كل ما تسمع مني فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غدا، وأرى الرأي غدا واتركه بعد غد) نفس المرجع.
هذا ما قاله هؤلاء الفضلاء ودُوِّنَ عنهم رضوان الله عليهم أجمعين، وبهذا أمروا أتباعهم، لا كما يزعمه المقلدة.
صحيح أن كلمة المذهب قد وردت في معرض كلامهم وجرت على بعض ألسنتهم مثل قولهم: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) ومعلوم أن كلمة (المذهب) مأخوذة من ذهب يذهب ذهابا ومذهبا فهو ذاهب، ومقصودهم من هذه العبارة أنهم إذا وجدوا حديثا صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة
ما ذهبوا إليه وتمسكوا به وعملوا بما فيه وتركوا آراء الرجال وأقيستهم. وبعد التتبع والاستقراء وجدنا جميع مذاهبهم تقوم على ثلاثة أركان:
الأول: صحة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الثاني: إذا خالفت أقوالهم قول النبي صلى الله عليه وسلم رددنا أقوالهم وأخذنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم.
الثالث: إذا صح الحديث في مسألة ما بخلاف ما قالوا رجعوا عما قالوه في حياتهم وبعد موتهم. (1)
إلى أن قال: فالذي يُلزم الناس باتباع مذهب معين ويحملهم على التقيد بجميع ما فيه من المسائل وعدم الخروج عنه دون المذاهب الأخرى فإنه غير موفق للصواب ومخالف لجميع مذاهب الأئمة أنفسهم، بل يكون جاهلا أو صاحب هوى متبعا لهواه أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
وهنا نسأل الذي يلزم الناس باتباع مذهب معين والتقيد به دون المذاهب الأخرى؟ هل يعتقد بعصمة من يدعو الناس لاتباع مذهبه؟ وهل أحاط صاحب ذلك المذهب بجميع تعاليم الإسلام كما أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم كاملة وتامة؟.
فإن قال بعصمة صاحب المذهب وعدم الخطأ وأنه أحاط بجميع تعاليم الإسلام كاملة غير منقوصة ولم يعزب عنه منها شيء فقد خالف الواقع المحسوس وما اتفقت عليه الأمة. وإن قال بعدم العصمة وبجواز الخطأ عليه
(1) أسئلة طال حولها الجدل (ص.132 - 134).