الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعبد السلام بن برجس وغيرهم.
قال أحد أبنائه: كان رحمه الله سمح المحيا دمث الأخلاق، عليه سيما الوقار وهيبة العلماء واسع البال طويل المدى، رؤوفا بالكبار لطيفا باشا ذا بسمة عند المقابلة حريصا على الشباب والأخذ بأيديهم إلى ساحل النجاة، وكان كريما شجاعا في ذات الله غيورا على محارمه.
توفي رحمه الله في جمادى الأولى سنة عشر وأربعمائة وألف.
موقفه من المبتدعة
- قال: السلف هم الوسط:
السلف: وهم أهل السنة والجماعة أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هم الوسط في فرق الأمة، كما أن هذه الأمة هي الوسط في الأمم. قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (1) أي: عدلاً خياراً.
وعقيدة أهل السنة والجماعة: هي العقيدة الصافية، السالمة من الإلحاد والتحريف، والتعطيل والتمثيل، والتكييف. نعم هذه الأمة هي الوسط في فرق الأمة، فلا غلو، ولا جفاء، ولا إفراط، ولا تفريط.
فأهل السنة والجماعة وسط بين المعطلة، والمشبهة؛ فالمعطلة جفوا، والمشبهة غلوا؛ المعطلة هم المعتزلة والجهمية، عطلوا الله من صفاته اللائقة به.
(1) البقرة الآية (143).
والمشبهة الذين شبهوا الله بخلقه. وهم بعض اليهود، والبعض من الكرامية، وغلاة الشيعة.
فقالوا ما معناه: الله له وجه ويد ورجل كواحد من خلقه، وحتى نقل الشهرستاني في كتابه 'الملل والنحل' عن داود الجواربي أنه قال: أعفوني عن الفرج واللحية، واسألوني عما وراء ذلك. وقال: إن معبوده جسم، ولحم، ودم، وله جوارح، وأعضاء من يد ورجل، ورأس، ولسان. تعالى الله عن قول المعطلة والمشبهة علواً كبيراً.
أما أهل السنة: فأثبتوا لله الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات.
وأيضاً؛ أهل السنة والجماعة وسط بين القدرية والجبرية، فالجبرية والقدرية متقابلتان تقابل التضاد؛ الجبرية في طرف، والقدرية في الطرف الآخر. الجبرية غلوا في إثبات القدر، فزعموا أن العبد مجبور على فعله، فلا إرادة له ولا قصد، ولا اختيار. فإذا فعل طاعة أو فعل معصية، فإنما ذلك فعل الله، تعالى الله عن هذا الفجور وهذا الزور علواً كبيراً.
أما القدرية: وهم المعتزلة، فغلوا في نفي القدر، فقالوا ما معناه: أفعال العباد من الطاعات والمعاصي، لم تدخل تحت قضاء الله ومشيئته وقدره، إنما العباد هم الذين يفعلونها، بقصد منهم واختيار، فعليه؛ العبد هو الذي يخلق فعل نفسه. فلازم قولهم هو أن الله لا يقدر أن يهدى ضالاً، ولا يضل مهتدياً. وهذا القول، وهذا المذهب من أخبث المذاهب، وأبعدها عن الحق والصواب.
عقيدة السلف:
إذا عرف ما تقدم؛ فعقيدة أهل السنة والجماعة هي حق بين باطلين، وهدىً بين ضلالتين، فالله تعالى هو خالق العباد وخالق أفعالهم، ومقدر أرزاقهم وآجالهم، هو خالق العبيد ولا يكون في ملكه ما لا يريد، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)} (1).
وأيضاً: أهل السنة والجماعة وسط بين المرجئة، وبين المعتزلة والخوارج. فالمرجئة جفوا، والمعتزلة والخوارج غلوا، وفي أثناء هذا الجزء يأتي الكلام على هذه الطوائف الضالة، إن شاء الله تعالى.
والمرجئة كما يأتي نسبة إلى الإرجاء وهو التأخير. أي: تأخير الأعمال عن الإيمان.
فعند المرجئة الخالصة: الإيمان هو مجرد التصديق بالقلب، والناس في الإيمان سواء، فإيمان أفسق الناس كإيمان الأنبياء، والمؤمنين الأتقياء.
وبناءً على ذلك؛ فلا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فلازم قول المرجئة هو أن من فعل شيئاً من كبائر الذنوب وترك الواجبات أو شيئاً منها، لا يضر ذلك، وهذا يؤدي إلى الانسلاخ من دين الإسلام.
أما المعتزلة والخوارج فقد غلوا، فقالوا ما معناه: من فعل كبيرة من كبائر الذنوب، ومات ولم يتب منها، فهو من المخلدين في نار جهنم، على
(1) الأنبياء الآية (23).
خلاف بين الطائفتين؛ فعند الخوارج: هو كافر وحلال الدم والمال. وعند المعتزلة يخرج من الإيمان، ولا يدخل في الكفر، بل هو في منزلة بين منزلتين.
وأهل السنة والجماعة وسط بين جفاء المرجئة، وغلو الخوارج والمعتزلة؛ فالإيمان نية وقول وعمل، يزيد بطاعة الله وينقص معصيته. فمن فعل كبيرة، يقال في حقه: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، أو يقال: هو مؤمن ناقص الإيمان. وإذا مات ولم يتب، فهو يوم القيامة تحت مشيئة الله، إن شاء الله غفر له، وأدخله الجنة مع السابقين، وإن شاء الله بعدله عذبه في نار جهنم بقدر ذنبه وجريمته، ولا يخلد في النار، لا يخلِّد فيها إلا الكافرين، والمشركين. هذا هو معتقد السلف الصالحين، وأهل السنة والجماعة أجمعين، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله على قول الحق، واعتقاده والعمل به، والدعوة إليه.
وأيضاً، أهل السنة والجماعة وسط بين غلو الرافضة، وجفاء الخوارج؛ لأن الرافضة والخوارج في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في طرفي نقيض.
فالرافضة: غلوا في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأهل البيت، غلواً جاوز الحد والمشروع.
وأما الخوارج: فإنهم كفروا علياً، ومن كان موالياً له. وإذا عرف ذلك، فأهل السنة ولله الحمد والمنة، دائماً وأبداً بين الغلو والجفاء، وبين الإفراط والتفريط، مع العلم أن الرافضة قبحهم الله يسبون أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ويلعنونهم ويكفرونهم.
وأهل السنة يحبون جميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويوالونهم ويدعون الله لهم، ويترحمون الله لهم، ويسألونه لهم المغفرة والرضوان؛ لأنهم رضي الله عنهم؛
هم صفوة هذه الأمة وخيارها، أبرها أقوالاً، وأزكاها أعمالاً، وأقواها إيماناً، قوم لا كان ولا يكون مثلهم، اختارهم الله لصحبة نبيه ولنصر دينه. وبعد ما استنارت قلوبهم بالإيمان، صاروا رضي الله عنهم مضرب المثل في عبادة الله، وفي الزهد والورع، والخشية، والتقوى، والصدق، والأمانة، والشجاعة، فهم الرجال إذا ذكر الرجال. {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)} (1)، {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)} (2).
وأيضاً هذه الأمة الإسلامية وسط بين غلو النصارى، وجفاء اليهود. فالنصارى غلوا في عيسى، فقالوا: هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة. وقالت اليهود: عيسى ولد زنا. فعلى اليهود لعائن الله المتتابعة إلى يوم الدين.
والمسلمون يقولون: عيسى هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. والحمد لله الذي عافانا من الفلسفة والسفسطة، والشطح، والشقشقة، ومن التعطيل والتمثيل، ومن البدع والأباطيل. ونسأله تعالى الثبات على الحق، والعمل به. (3)
- وقال أيضا: الاختلاف مصيبة:
(1) الأحزاب الآية (23).
(2)
الحشر الآية (10).
(3)
عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (2/ 308 - 313).
الخلاف والاختلاف بين الأفراد والمجتمعات الإسلامية مصيبة. الاختلاف مصيبة كبرى، ومحنة عظمى. [و] الخلاف من حيث هو شر وفتنة وشقاء وبلاء وعناء.
الاختلاف نقمة، والاتفاق رحمة، وبالأخص الخلاف في المسائل العقائدية التي هي الأصل في شريعة الإسلام.
أما الخلاف في المسائل الفروعية -فالأمر في ذلك أسهل-: فإذا كان على طريق الاجتهاد وتحري الصواب في المسائل الغامضة فلا بأس بذلك.
أما إذا كان على طريقة الهوى والتعصب للمذاهب، وأقوال الرجال، فهو مذموم شرعاً وعقلاً وفطرةً.
وأما ما يذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «اختلاف أمتي رحمة» فهذا الحديث ليس له خطام ولا زمام، فلا أصل له (1). قال تعالى:{وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (2)، وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (3)، وقال تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (4)، وقال تعالى:
(1) وكذا قال الشيخ الألباني في الضعيفة (57).
(2)
الأنفال الآية (46).
(3)
الأنعام الآية (159).
(4)
الأنعام الآية (153).
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (1)، وقال تعالى:{* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (2).
والآيات في الأمر بالائتلاف والنهي عن الاختلاف كثيرة، وكذا أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمر بالوفاق، والنهي عن الشقاق، كثيرة جداً، سواء كان الاختلاف في العقائد وأصل الديانة أو غير ذلك.
قال صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» متفق عليه، من حديث عائشة رضي الله عنها (3).
وعلى سبيل العموم؛ ليس للمسلمين عز ولا نصر إلا إذا حصل بينهم اتفاق ووفاق، وتكاتف وتساند. فهذا الحديث فيه رد على كل من ابتدع في دين الله ما ليس منه.
وفي حديث العرباض بن سارية الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي، يقول صلى الله عليه وسلم:«فإنه من يَعِش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عُضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (4).
(1) آل عمران الآية (103).
(2)
الشورى الآية (13).
(3)
تقدم تخريجه ضمن مواقف الخلال سنة (311هـ).
(4)
تقدم تخريجه ضمن مواقف عمر بن الخطاب سنة (23هـ).