الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124)} (1)، وقوله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} الآية (2)، وقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} (3)، إلى غير ذلك من الآيات.
وهذه الآيات المذكورة نصوص صريحة في أن الإيمان يزيد، مفهوم منها أنه ينقص أيضا، كما استدل بها البخاري رحمه الله على ذلك، وهي تدل عليه دلالة صريحة لا شك فيها، لا وجه معها للاختلاف في زيادة الإيمان ونقصه كما ترى، والعلم عند الله تعالى. (4)
•
موقفه من القدرية:
- قال رحمه الله: قوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)} (5) يدل على أن الله هو الذي يجعل الفجور والتقوى في القلب، وقد جاءت آيات تدل على أن فجور العبد وتقواه باختياره ومشيئته كقوله تعالى: {فَاسْتَحَبُّوا
(1) التوبة الآية (124).
(2)
الفتح الآية (4).
(3)
الحديد الآية (28).
(4)
أضواء البيان (4/ 28 - 29).
(5)
الشمس الآية (8).
الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} (1). وقوله تعالى: {اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} (2) ونحو ذلك، وهذه المسألة هي التي ضل فيها القدرية والجبرية.
أما القدرية: فضلوا بالتفريط، حيث زعموا أن العبد يخلق عمل نفسه استقلالا من غير تأثير لقدرة الله فيه.
وأما الجبرية فضلوا بالإفراط، حيث زعموا أن العبد لا عمل له أصلا حتى يؤاخذ به.
وأما أهل السنة والجماعة فلم يفرطوا ولم يفرطوا، فأثبتوا للعبد أفعالا اختيارية، ومن الضروري عند جميع العقلاء أن الحركة الارتعاشية ليست كالحركة الاختيارية، وأثبتوا أن الله خالق كل شيء، فهو خالق العبد وخالق قدرته وإرادته، وتأثير قدرة العبد لا يكون إلا بمشيئة الله تعالى.
فالعبد وجميع أفعاله بمشيئة الله تعالى، مع أن العبد يفعل اختيارا بالقدرة والإرادة اللتين خلقهما الله فيه فعلا اختياريا يثاب عليه ويعاقب.
ولو فرضنا أن جبريا ناظر سنيا، فقال الجبري: حجتي لربي أن أقول إني لست مستقلا بعمل، وأني لابد أن تنفذ في مشيئته وإرادته على وفق العلم الأزلي، فأنا مجبور. فكيف يعاقبني على أمر لا قدرة لي أن أحيد عنه؟ فإن السني يقول له: كل الأسباب التي أعطاها للمهتدين أعطاها لك، جعل لك سمعا تسمع به، وبصرا تبصر به، وعقلا تعقل به، وأرسل لك رسولا، وجعل لك اختيارا وقدرة، ولم يبق بعد ذلك إلا التوفيق، وهو ملكه المحض، إن
(1) فصلت الآية (17).
(2)
البقرة الآية (16).
أعطاه ففضل، وإن منعه فعدل.
كما أشار له تعالى بقوله: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)} (1) يعني أن ملكه للتوفيق حجة بالغة على الخلق، فمن أعطيه ففضل، ومن منعه فعدل.
ولما تناظر أبو إسحق الاسفرائيني مع عبد الجبار المعتزلي. قال عبد الجبار: سبحان من تنزه عن الفحشاء، وقصده أن المعاصي كالسرقة والزنى بمشيئة العبد دون مشيئة الله، لأن الله أعلى وأجل من أن يشاء القبائح في زعمهم.
فقال أبو إسحاق: كلمة حق أريد بها باطل، ثم قال: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.
فقال عبد الجبار: أتراه يخلقه ويعاقبني عليه؟
فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرا عليه؟ أأنت الرب وهو العبد؟
فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى علي بالردى؟ أتراه أحسن إلي أم أساء؟
فقال أبو إسحاق: إن كان الذي منعك منه ملكا لك فقد أساء، وإن كان له، فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل، فبهت عبد الجبار. وقال الحاضرون: والله ما لهذا جواب.
وجاء أعرابي إلى عمرو بن عبيد وقال له: ادع الله لي أن يرد علي حمارة سرقت مني، فقال: اللهم إن حمارته سرقت، ولم ترد سرقتها فارددها
(1) الأنعام الآية (149).
عليه. فقال له الأعرابي: يا هذا كف عني دعاءك الخبيث. إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها، فقد يريد ردها ولا ترد. وقد رفع الله إشكال هذه المسألة بقوله تعالى:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (1) فأثبت للعبد مشيئة، وصرح بأنه لا مشيئة للعبد إلا بمشيئة الله جل وعلا. فكل شيء صادر عن قدرته ومشيئته جل وعلا.
وقوله: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)} (2)
وأما على قول من فسر الآية الكريمة بأن معنى {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)} (3) أنه بين لها طريق الخير وطريق الشر، فلا إشكال في الآية. وبهذا المعنى فسرها جماعة من العلماء. والعلم عند الله تعالى. (4)
- وقال رحمه الله: ومن أعظم الأدلة القطعية الدالة على بطلان مذهب القدرية، وأن العبد لا يستقل بأفعاله دون قدرة الله ومشيئته، أنه لا يمكن أحدا أن ينكر علم الله بكل شيء قبل وقوعه، والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا ينكرها إلا مكابر.
وسبق علم الله بما يقع من العبد قبل وقوعه، برهان قاطع على بطلان تلك الدعوى.
(1) الإنسان الآية (30).
(2)
الأنعام الآية (149).
(3)
الشمس الآية (8).
(4)
دفع إيهام الاضطراب الملحق بأضواء البيان (9/ 330 - 332).
وإيضاح ذلك أنك لو قلت للقدري: إذا كان علم الله في سابق أزله تعلق بأنك تقع منك السرقة أو الزنا في محل كذا في وقت كذا، وأردت أنت بإرادتك المستقلة في زعمك دون إرادة الله ألا تفعل تلك السرقة أو الزنا الذي سبق بعلم الله وقوعه، فهل يمكنك أن تستقل بذلك؟ وتصير علم الله جهلا، بحيث لا يقع ماسبق في علمه وقوعه في وقته المحدد له؟
والجواب بلاشك: هو أن ذلك لا يمكن بحال كما قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (1)، وقال الله تعالى:{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)} (2).
ولا إشكال ألبتة في أن الله يخلق للعبد قدرة وإرادة يقدر بها على الفعل والترك، ثم يصرف الله بقدرته وإرادته قدرة العبد وإرادته إلى ما سبق به علمه، فيأتيه العبد طائعا مختارا غير مقهور ولايجور، وغير مستقل به دون قدرة الله وإرادته كما قال تعالى:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (3).اهـ (4)
- وقال رحمه الله: أما قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81)} (5) على القول بأن إن شرطية لا تمكن صحة الربط بين
(1) الإنسان الآية (30).
(2)
الأنعام الآية (149).
(3)
الإنسان الآية (30).
(4)
أضواء البيان (7/ 224 - 225).
(5)
الزخرف الآية (81).
شرطها وجزائها ألبتة، لأن الربط بين المعبود وبين كونه والدا أو ولدا لا يصح بحال.
ولذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا أشك ولا أسأل أهل الكتاب» (1) فنفى الطرفين مع أن الربط صحيح، ولا يمكن أن ينفي صلى الله عليه وسلم هو ولا غيره الطرفين في الآية الأخرى، فلا يقول هو ولا غيره: ليس له ولد ولا أعبده.
وعلى كل حال، فالربط بين الشك وسؤال الشاك للعالم أمر صحيح، بخلاف الربط بين العبادة وكون المعبود والدا أو ولدا فلا يصح.
فاتضح الفرق بين الآيتين وحديث: «لا أشك ولا أسأل أهل الكتاب» رواه قتادة بن دعامة مرسلا. وبنحوه قال بعض الصحابة، فمن بعدهم، ومعناه صحيح بلا شك.
وما قاله الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة يستغربه كل من رآه لقبحه وشناعته، ولم أعلم أحدا من الكفار فيما قَصَّ الله في كتابه عنهم يتجرأ على مثله أو قريب منه.
وهذا مع عدم فهمه لما يقول وتناقض كلامه. وسنذكر هنا كلامه القبيح للتنبيه على شناعة غلطه، الديني واللغوي.
قال في الكشاف ما نصه: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} (2) وصح ذلك
(1) أخرجه عبد الرزاق (6/ 125 - 126/ 10211) وابن جرير (7/ 168) عن قتادة. قال الزيلعي في تخريج الكشاف (2/ 140): "هو معضل". وأخرجه ابن أبي حاتم (6/ 1986/10583) بسنده إلى ابن عباس. وفيه هشيم وهو مدلس كثير الإرسال وقد عنعن.
(2)
الزخرف الآية (81).
وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها، فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه.
وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفي الولد والإطناب فيه، وألا يترك للناطق به شبهة إلا مضمحلة، مع الترجمة عن نفسه بإثبات القدم في باب التوحيد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالا مثلها، فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها.
ونظيره أن يقول العدلي للمجبر، إن كان الله تعالى خالقا للكفر في القلوب ومعذبا عليه عذابا سرمدا فأنا أول من يقول: هو شيطان وليس بإله.
فمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه نفى أن يكون الله تعالى خالقا للكفر.
وتنزيهه عن ذلك وتقديسه ولكن على طريق المبالغة فيه من الوجه الذي ذكرنا، مع الدلالة على سماجة المذهب، وضلالة الذاهب إليه، والشهادة القاطعة بإحالته والإفصاح عن نفسه بالبراءة منه وغاية النفار والاشمئزاز من ارتكابه.
ونحو هذه الطريقة قول سعيد بن جبير رحمه الله للحجاج حين قال له (أما والله لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى): (لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلها غيرك).
وقد تمحل الناس بما أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف الملئ بالنكت والفوائد المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه، فقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين الموحدين لله المكذبين قولكم
لإضافة الولد إليه اهـ. الغرض من كلام الزمخشري.
وفي كلامه هذا من الجهل بالله وشدة الجراءة عليه، والتخبط والتناقض في المعاني اللغوية ما الله عالم به. ولا أظن أن ذلك يخفى على عاقل تأمله.
وسنبين لك ما يتضح به ذلك فإنه أولا قال: إن كان للرحمن ولد وصح ذلك ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته، والانقياد له كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه.
فكلامه هذا لا يخفى بطلانه على عاقل، لأنه على فرض صحة نسبة الولد إليه، وقيام البرهان الصحيح والحجة الواضحة على أنه له ولد، فلا شك أن ذلك يقتضي، أن ذلك الولد لا يستحق العبادة بحال، ولو كان في ذلك تعظيم لأبيه، لأن أباه مثله في عدم استحقاق العبادة، والكفر بعبادة كل والد وكل مولود شرط في إيمان كل موحد، فمن أي وجه يكون هذا الكلام صحيحا. أما في اللغة العربية فلا يكون صحيحا ألبتة.
وما أظنه يصح في لغة من لغات العجم فالربط بين هذا الشرط وهذا الجزاء لا يصح بوجه.
فمعنى الآية عليه لا يصح بوجه، لأن المعلق على المحال لا بد أن يكون محالا مثله.
والزمخشري في كلامه كلما أراد أن يأتي بمثال في الآية خارج عنها اضطر إلى أن لا يعلق على المحال في زعمه إلا محالا.
فضربه للآية المثل بقصة ابن جبير مع الحجاج، دليل واضح على ما
ذكرنا وعلى تناقضه وتخبطه.
فإنه قال فيها إن الحجاج قال لسعيد بن جبير: لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى. قال سعيد للحجاج: لو علمت أن ذلك إليك ما عبدت إلها غيرك. فهو يدل على أنه علق المحال على المحال، ولو كان غير متناقض للمعنى الذي مثل له به الزمخشري لقال: لو علمت أن ذلك إليك لكنت أول العابدين لله.
فقوله: لو علمت أن ذلك إليك في معنى {إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} (1)، فنسبة الولد والشريك إليه معناهما في الاستحالة وادعاء النقص واحد.
فلو كان سعيد يفهم الآية كفهمك الباطل لقال: لو علمت أن ذلك إليك لكنت أول العابدين لله.
ولكنه لم يقل هذا، لأنه ليس له معنى صحيح يجوز المصير إليه.
وكذلك تمثيل الزمخشري للآية الكريمة في كلامه القبيح البشع الشنيع الذي يتقاصر عن التلفظ به كل كافر.
فقد اضطر فيه أيضا إلى أن لا يعلق على المحال في زعمه إلا محالا شنيعا فإنه قال فيه:
ونظيره أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله تعالى خالقا للكفر في القلوب ومعذبا عليه عذابا سرمدا فأنا أول من يقول هو شيطان وليس بإله.
فانظر قول هذا الضال في ضربه المثل في معنى هذه الآية الكريمة بقول الضال الذي يسميه العدلي: إن كان الله خالقا للكفر في القلوب إلخ.
(1) الزخرف الآية (81).
فخلق الله للكفر في القلوب وتعذيبه الكفار على كفرهم، مستحيل عنده كاستحالة نسبة الولد لله، وهذا المستحيل في زعمه الباطل، إنما علق عليه أفظع أنواع المستحيل وهو زعمه الخبيث أن الله إن كان خالقا للكفر في القلوب، ومعذبا عليه فهو شيطان لا إله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، فانظر رحمك الله فظاعة جهل هذا الإنسان بالله، وشدة تناقضه في المعنى العربي للآية. لأنه جعل قوله: إن كان الله خالقا للكفر ومعذبا عليه بمعنى {إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} (1) في أن الشرط فيهما مستحيل، وجعل قوله في الله إنه شيطان لا إله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. كقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أول العابدين.
فاللازم لكلامه أن يقول: لو كان خالقا للكفر فأنا أول العابدين له، ولا يخفى أن الادعاء على الله أنه شيطان مناقض لقوله: فأنا أول العابدين.
وقد أعرضت عن الإطالة في بيان بطلان كلامه، وشدة ضلاله، وتناقضه لشناعته ووضوح بطلانه، فهي عبارات مزخرفة، وشقشقة لا طائل تحتها، وهي تحمل في طياتها الكفر والجهل بالمعنى العربي للآية. والتناقض الواضح وكم من كلام ملئ بزخرف القول، وهو عقيم لا فائدة فيه، ولا طائل تحته كما قيل:
وإني وإني ثم إني وإنني
…
إذا انقطعت نعلي جعلت لها شسعا
فظل يعمل أياما رويته
…
وشبه الماء بعد الجهد بالماء
(1) الزخرف الآية (81).