الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية
[تخصيص العموم بمذهب الراوي الصحابي]
لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي الصحابي عندنا وعند أكثر الأصوليين.
خلافا للحنفية، والحنابلة.
ومنهم من فصل: فقال: قوم "إن وجد ما" يقتضي تخصيصه به لم يخص بمذهب الراوي، بل به إن اقتضاه عند الناظر فيه، وإلا خص بمذهبه وهو مذهب القاضي عبد الجبار.
وقال إمام الحرمين رحمه الله تعالى: إن علم من حاله أنه فعل ما يخالف الحديث نسيانًا، فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف، إذ لا يظن بعاقل أنه يرجح فعله إذ ذاك، ولو احتمل أن يكون فعله احتياطا، كما لو روى ما يقتضي رفع الحرج عن الفعل فيما يظن فيه التحريم، ثم رأيناه متحرجا عنه غير ملابس به له فالتعويل على الحديث، ويحتمل فعله على الورع والتعلق بالأفضل، وإن لم يحتمل شيء من ذلك لم يجز التعلق بالحديث.
مثاله: ما روى ابن عباس رضي الله عنه عن النبي عليه السلام إنه قال: "من بدل دينه فاقتلوه" فهذا عام في الرجال والنساء.
لكن من مذهبه أن المرتدة لا تقتل، فهل يخصص عمومه بمذهبه أم لا؟.
فعندنا لا. ولهذا تقتل المرتدة.
وعندهم نعم، ولهذا لا يقتلونها.
وقد أورد الإمام رحمه الله تعالى، لهذا مثالا: خبر أبي هريرة فإنه روى عنه عليه السلام: أنه قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب".
ثم إن مذهبه الاكتفاء بالثلاث.
فهل يجوز تخصيصه به حتى يجوز الاقتصار على الثلاث، فعلى
الخلاف السابق.
وفي هذا المثال نظر: لأن أسماء الأعداد نصوص في مسمياتها، والنص لا يقبل التخصيص، إذ لا يجوز إطلاق العشرة وإرادة الخمسة منها، وإنما يقبل الاستثناء، وما يجري مجراه، فلا يكون المثال مطابقا.
نعم: قد يحسن إيراد ذلك مثالا: إذا صدرت المسألة هكذا: الراوي الصحابي إذا/ (272/ ب) خالف الحديث، وفعل ما يضاده، فالتعويل على الحديث، أو على فعله، فعلى الخلاف نحو خبر أبي هريرة.
لنا: أن العام دليل ظاهر فيما اقتضاه من التعميم، ولم يوجد له معارض فوجب الجري على موجبه.
أما الأول: فظاهر.
وأما الثاني: فلأنه لم يوجد ما يصلح أن يكون معارضا له سوى فعله، وهو غير معارض له إما بحسب ذاته فظاهر، وإما بحسب سنده، فلأن فعله
لم يكن مستندا" إلى قاطع دال على أن المراد من ذلك العام الخاص، كما أنه لم يكن مستندا" إلى مجرد التشهي ومجرد إتباع الهوى، لظهور عدالته لأنه لو كان كذلك لبينه وأشهر، إزالة للتهمة عن نفسه، والشبهة عن غيره، ولو كان كذلك لظهر، لأنه مما تتوفر الدواعي على "نقله، وحيث لم يظهر دل على أنه ما بينه وأشهره، بل يكون مستندا إلى" ما يظنه دليلا أقوى منه، فيحتمل أن يكون دليلا، ويحتمل أن لا يكون، وبتقدير أن يكون دليلا، يحتمل أن يكون أقوى منه، ويحتمل أن لا يكون.
وإذا كان كذلك لم يكن فعله معارضا له بحسب سنده أيضا، إذ الاحتمالات متعارضة، ولو سلم أن الاحتمالين الأولين أظهر من مقابلتهما، لكن ليس ظهورهما بحيث يقام ظهور العام، إذ الدلالة اللفظية أظهر من القرينة التي ظاهر الحال.
ولو سلم أن ظهورها مثل ظهوره، لكن حكمه في وجوب الإتباع مقصور في حقه دون غيره، إذ لا يجب على غيره متابعته مهما أدى اجتهاده إلى شيء بخلاف العام، فإن حكم ظهوره غير مقصود في حقه، بل يجب إتباعه على كل من اعتقد عمومه، فكان بالإتباع أولى.
احتجوا: بأن مخالفة الراوي للحديث، إن كانت لا عن طريق قدح ذلك في عدالته، والقدح في عدالته في الخبر، فلم يجز العمل به فضلا عن أن
يكون واجبا.
وإن كانت عن طريق، ذلك الطريق ليس بمحتمل، ولو سلم أنه كذلك فالمقصود أيضا حاصل.
أما الأول: فلأنه لو كان كذلك لبينه إزالة للتهمة عن نفسه والشبهة عن غيره، وإذا لم يكن محتملا كان قاطعا فيجب إتباعه إذ إتباع القاطع واجب.
وأما الثاني: فلأنه حينئذ يجب تخصيصه به أيضا، كيلا يلزم الترك بذلك الدليل المحتمل.
وجوابه/ (273/ أ): أن لا نسلم أنه ليس بمحتمل، ولا نسلم أن المقصود حاصل على تقدير أن يكون محتملا.
قوله: لو كان محتملا لبينه وأشهره.
قلنا: متى إذا اتفق في ذلك مناظرة أو مطلقا.
والأول: مسلم لكن لعلها لم تتفق.
والثاني: ممنوع، وهذا لأنه لا يجب إتباعه عبثا فلا يجب إظهاره، بخلاف القاطع فإنه يجب إتباعه عبثا فيجب إظهاره.
قوله: على تقدير أن يكون محتملا يجب تخصيصه به جمعا بين الدليلين.
قلنا: على من ظهر له ذلك الدليل أو على الكل.
والأول: مسلم.
والثاني: ممنوع.
فلم قلتم: إنه يجب علينا تخصيصه به، فإنه لم يظهر لنا ذلك.