الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سلمناه: لكن يجب إعلامه لئلا يعود "عليه" بناء على ظن الإباحة، ولأن فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو غير جائز وفاقًا.
وخامسها: أن لا يعلم واحدًا من الأمرين أعنى البلوغ، واللابلوغ فهاهنا أيضًا السكوت يدل على جوازه لما سبق.
المسألة السادسة
في التعارض الحاصل بين الفعلين، [أو بين الفعل والقول
أما الأول: فاعلم أن التعارض بين الفعلين] بالذات لا يتصور، لأنهما إن كانا بحيث يمكن الجمع بينهما فظاهر، وإن لم يمكن الجمع بينهما فحينئذ لابد وأن يكون وقت أحدهما غير وقت الآخر، وحينئذ لا يحصل التعارض بينهما ضرورة أن شرط التعارض اتحاد الوقت، بل إنما يتصور بالعرض، وهو على وجهين:
أحدهما: بأن يفعل الرسول عليه السلام فعلًا في وقت، ويدل دليل على أنه عليه السلام مأمور بمثل ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت، ثم أنه عليه السام فعل ضد ذلك في مثل ذلك الوقت، فيعلم أنه نسخ عنه وهو تفريع على عدم جواز صدور الذنب منه.
وثانيهما: أن يفعل الرسول عليه السلام فعلًا، ويدل دليل على أن غيره
مكلف به، ثم نراه بعد ذلك قد أقر بعض الناس على فعل ضده، فيعلم أنه مخصوص عنه، أو نسخ عنه "الحكم" على حسب ما يقتضيه الحال.
وأما الثاني: فإما أن يعلم أن القول هو المتقدم، أو الفعل، أو لا يعلم واحد منهما.
فإن كان الأول: فإما أن يكون/ (334/ب) القول خاصًا به، أو بنا، أو هو متناول له، ولنا.
فإن كان الأول: فإما أن يصدر الفعل قبل التمكن من امتثال مقتضى القول، أو بعده.
فإن كان الأول: كان الفعل ناسخًا لمقتضى القول عند من يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به، فأما من لم يجوز ذلك ولم يجوز صدور الذنب منه قال: لم يتصور وجود مثل هذا الفعل منه.
وأما من يجوز صدور الذنب منه، ولم يجوز النسخ قبل حضور الوقت حمله على كونه ذنبًا.
وإن كان الثاني: كان الفعل ناسخًا لمقتضى القول وفاقًا،. وهو ظاهر على رأي من لم يجوز صدور الذنب منه، وأما من جوز ذلك فكذلك، لأنه خلاف الظاهر على ما تقدم تقريره، والنسخ وإن كان خلاف الأصل أيضًا،
لكنه أكثر منه وأنه متفق عليه.
وخلاف بعض الشاذين فيه لو صح غير معتبر، بخلاف جواز صدور الذنب فإنه مختلف فيه، والأكثرون على عدم تجويزه، فكان الحمل على النسخ أولى.
هذا هو اللائق لمذهبهم، وإن لم نطلع عليه من حيث النقل.
وإن كان قوله: خاصًا بنا، فإما أن يدل دليل على وجوب التأسي به بذلك الفعل، أو لم يدل.
فإن كان الأول: فإما أن يحصل الفعل قبل التمكن من امتثال مقتضى القول، أو بعده.
فإن كان الأول: قال الإمام: وجب المصير إلى القول دون الفعل، وإلا لكان القول لغوًا، ولا يلغوا الفعل، لأن حكمه ثابت في حق الرسول.
وهذا يقتضى أن يكون الحكم كذلك إن فرض صدور الفعل بعد التمكن من الامتثال، لأن إمكان الحمل على النسخ حاصل في الموضعين على رأينا، وهو لم يقل به.
والقياس يقتضي أن يقال: إن ذلك الفعل مع ذلك الدليل ناسخ لمقتضى
القول المتقدم، عند من يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به.
ومن لم يجوز ذلك فلا تتصور المسألة عنده، أو يقول بترجيح القول كما ذكره الإمام.
وإن كان الثاني: كان الفعل مع ذلك الدليل ناسخًا لمقتضى القول المتقدم وفاقًا.
وإن كان الثاني: كان الفعل مختصًا به، والقول مختصًا بنا ولا تعارض بينهما.
فإن كان قوله متناولًا له ولنا، فإما أن يحصل الفعل قبل التمكن من الامتثال أو بعده.
فإن كان الأول: فإن دل دليل على وجب التأسي به في ذلك الفعل كان ذلك نسخًا لمقتضى القول على ما ذكرنا من القياس، على رأي الإمام: يكون فعله مخصصًا له "عن" عموم القول [وإن لم يدل عليه دليل كان الفعل مخصصًا له عن عموم القول].
وإن كان الثاني: فإن دل دليل على وجوب التأسي به في ذلك الفعل كان نسخًا لمقتضى/ (345/أ) القول وفاقًا.
وإن لم يدل عليه دليل: فإما أن يكون قبل العمل بمقتضى القول، أو بعده.
فإن كان الأول: كان ذلك تخصيصًا في حقه وتبقى الأمة مندرجة تحت خطاب القول، لأنه وإن أمكن جعله نسخًا في حقه لكن الحمل على التخصيص أولى مهما أمكن الحمل عليه.
وإن كان الثاني: كان نسخًا في حقه دون الأمة، [و] إن دل دليل على تكرر العمل بمقتضى الأول.
وإن كان الثاني: وهو أن يكون الفعل متقدمًا على القول: "فإن" لم يدل دليل على تكرر العمل به، ولا على تأسي الأمة به فيه فلا تعارض بينهما سواء كان القول خاصًا به، أو بنا، أو هو متناول له ولنا، وسواء حصل عقيب الفعل أو متراخيًا عنه، لأن القول المتأخر لم يرفع شيئًا من حكم ما تقدم من الفعل لا في الماضي ولا في المستقبل، إذ الماضي لا يمكن رفعه ولا حكم له في المستقبل.
وإن دل الدليل عليهما معًا، أو على تكرره في حقه عليه السلام فقط، أو على تأسي الأمة به فيه فقط، فلا يخلو إما أن يحصل القول عقيب الفعل، أو متراخيًا عنه، وعلى التقديرات، إما أن يكون القول خاصًا به أو بنا أو هو متناول له ولنا.
فهذه أقسام:
أحدها: أن يدل دليل على تكرره في حقه وعلى تأسي الأمة به، فإن حصل القول عقيب الفعل، وكان خاصًا به عليه السلام كان القول مخصصًا له عن عموم حكم الفعل.
وإن كان خاصًا بالأمة كان مخصصًا للأمة عن عمومه.
وإن كان متناولًا له ولهم دل على سقوط حكم الفعل عنه وعنهم، وهو بطريق النسخ على رأي من يجوز قبل التمكن من الامتثال، وأما على رأي من لم يجوز ذلك، فيحتمل أن يكون بطريق الترجيح، وإن حصل القول متراخيًا عنه، فإن كان مختصًا به كان ذلك نسخًا لحكم الفعل في حقه فقط، وإن كان مختصًا بالأمة كان نسخًا في حقهم فقط، وإن كان متناولًا له ولهم كان نسخًا في حقه وحقهم جميعًا.
وثانيها: أن يدل دليل على تكرره في حقه عليه السلام فقط، فإن حصل القول قبل وقت التكرار وكان خاصًا به كان نسخًا له في حقه عند من يجوز النسخ قبل التمكن من الامتثال.
وإن كان خاصًا بالأمة فلا تعارض بينهما.
وإن كان متناولًا له ولهم كان نسخًا في حقه ولا تعارض بينهما بالنسبة إلى الأمة، وإن حصل بعد وقت التكرار فالحكم على ما سبق، غير أن يكون نسخًا في حقه بالاتفاق حيث يكون القول متناولًا له.
وثالثها: أن يدل دليل على تأسي الأمة به في ذلك الفعل فقط، فالقول إن حصل/ (345/ب) عقيب الفعل، فكان مختصًا بالأمة كان ذلك نسخًا لحكم الفعل في حقهم، على رأي من يجوز النسخ قبل حضور الوقت، وإن كان مختصًا بالرسول عليه السلام فلا تعارض بينهما.
وإن كان متناولًا له ولهم فالحكم على ما سبق، وهو أنه يكون نسخًا
في حقهم على رأي أصحابنا، ولا تعارض بينهما بالنسبة إليه عليه السلام، وإن حصل متراخيًا عنه فالحكم على ما لا يخفى عليك.
وإن كان الثالث: وهو أن لا يعلم تقدم أحدهما على الآخر: فإن لم يدل دليل على تكرر الفعل في حقه، ولا على تأسي الأمة به، فلا تعارض بينهما ويجب العمل بمقتضى القول، لاحتمال أن يكون الفعل متقدمًا، والقول متأخرًا، وعند ذلك لا يتحقق التعارض بينهما لما سبق.
وإن دل دليل على تكرر العمل بالفعل في حقه عليه السلام وعلى تأسي الأمة به فيه، فإما أن يكون القول متناولًا له وللأمة، أو له فقط، أو للأمة فقط.
فإن كان الأول: فالعمل بمقتضى القول عند الجماهير.
ومنهم: من رجح القول.
وتوقف فيه آخرون.
احتج الأولون بوجهين:
أحدهما: أن دلالة القول أقوى من دلالة الفعل.
أما أولًا: فلأنه مستغن عن الفعل في الدلالة، والفعل غير مستغن عنه فيها، فكان أقوى.
وأما ثانيًا: فلأنا لو سلمنا: أنه مستغن عنه، لكنه ليس صريح الدلالة
بخلاف القول.
وأما ثالثًا: فلأن دلالة القول أعم من دلالة الفعل، لإمكان التعبير به عن المحسوس وغيره، بخلاف الفعل فإنه لاينبئ من غير المحسوس، والأعم أقوى والأقوى راجح والعمل بالراجح واجب، فيكون العمل به واجبًا.
وثانيهما: أن كون القول متناولًا لنا محقق، وكون الفعل متناولًا لنا ليس كذلك، لاحتمال أن يكون القول متقدمًا والفعل صدر عقيبه فيكون مخصصًا له عن عموم القول فقط، والمعلوم أولى مما ليس كذلك.
وإن كان الثاني: فلا تعارض بين القول والفعل بالنسبة إلى الأمة لعدم تناول قوله لهم، وأما بالنسبة إليه عليه السلام فيتحقق التعارض، وتأتي المذاهب الثلاثة المذكورة لو تصور الجهل بالتاريخ في حقه.
وإن كان الثالث: لم يعارض قوله فعله بالنسبة إليه لعدم تناول قوله: إياه، وأما بالنسبة إلى الأمة فيتحقق.
وتأتي المذاهب الثلاثة، وإن دل دليل على تكرر العمل بالفعل في حقه فقط، فإن كان القول خاصًا به، أو إن كان متناولًا له والأمة تحقق التعرض بينهما بالنسبة إليه دون الأمة، والخلاف فيه كالخلاف فيما تقدم/ (346/أ) وإن كان خاصًا بالأمة فلا تعارض بينهما.
وإن دل دليل على تأسي الأمة "به" في ذلك الفعل فقط، فإن كان
القول خاصًا بالأمة أو كان متناولًا له ولهم تحقق التعارض بالنسبة إليهم والخلاف على ما تقدم.
وأما بالنسبة إليه فلا تعارض بينهما، وإن كان خاصًا به عليه السلام فلا تعارض بين القول والفعل أصلًا.
فرع:
إذا وقع التعارض بين قوله العام المتناول له، وللأمة -المطلق بالنسبة إلى الحالتين الشامل لهما جريا على الإطلاق- وبين فعله الخاص بإحدى الحالتين نحو "نهيه عليه السلام عن استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة" وفعله الذي روى "أنه جلس في البيت لقضاء الحاجة مستقبل
بيت المقدس"، واستقباله من بيته لا يمكن إلا باستدبار الكعبة.
فهل يكون نهيه مخصوصًا بفعله بإحدى الحالتين في حقه وحقهم، أم يختص فعله به ويجرى النهي عن إطلاقه في حق الأمة، "أو" يتوقف فيه؟
فيه خلاف.
فذهب الشافعي: إلى الاحتمال [الأول]، ولهذا قال: لا بأس باستقبال القبلة واستدبارها في البنيان، ويكون فعله دليلًا على أن ذلك غير "مراد""و" يختص النهي في حقه وحقهم في الصحراء.
وذهب الكرخي إلى الاحتمال الثاني: ولهذا قال: استقبال الكعبة واستدبارها منهي عنه في البناء والصحراء معًا، وإنما كان يجوز في البنيان للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الخصوصية.
وذهب القاضي عبد الجبار: إلى الاحتمال الثالث، زعمًا منه أن التخصيص [لازم] على المذهبين [على ما ستعرف وليس] أحد
التخصيصين أو [لى من الآخر] فيتوقف فيه إلى ظهور المرجح.
حجة الإمام الشافعي رضي الله عنه: أن القول بتخصيص فعله به يوجب إبطال الدليل الدال على وجوب التأسي به في ذلك الفعل، والقول بتخصيص النهي بإحدى الحالتين وتعميم حكم الفعل في حقه وحق الأمة إعمال للدليلين، أما دليل وجوب التأسي به، فلأنه معمول به من كل وجه، وأما نهيه فلأنه معمول به في إحدى الحالتين وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.
فإن قلت: لو قيل بتخصيص الفعل به لم يلزم إبطال دليل وجوب التأسي به بالكلية، ضرورة أنه معمول به في غير ذلك الفعل، بل غاية ما يلزم أنه يصير مخصوصًا بالنسبة إلى ذلك الفعل، وحمل النهي على إحدى الحالتين أيضًا يوجب "الترجيح" فالتخصيص لازم على المذهبين.
فلم قلتم: إن تخصيصكم أولى من تخصيصنا، بل تخصيصنا أولى، لأن دليل وجوب التأسي به في كل فعل مع كل فعل أعم من ذلك النهي، ضرورة/ (346/ب) أنه متناول لكل فعله، ونهيه عن الاستقبال غير متناول لكل فعل وتخصيص الخاص بالعام غير جائز.
قلت: دليل وجوب التأسي به في كل فعل مع كل فعل ليس هو المخصص للنهي حتى يلزم تخصيص الخاص بالعام، بل دليل وجوب التأسي به في ذلك الفعل مع ذلك الفعل بخصوصيته وأنه أخص من ذلك النهي، ضرورة أنه غير متناول لغير ذلك الفعل، ونهيه متناول له ولغيره، فكان أخص منه
وتخصيص العام بالخاص أولى من العكس فكان تخصيصنا أولى لا يقال نحن لا نخصص دليل وجوب التأسي به في ذلك الفعل مع ذلك الفعل بالنهي حتى يلزم تخصيص الخاص بالعام، بل تخصيص دليل وجوب التأسي به في الفعل فقط بالنهي وإنه أعم من النهي لما سبق.
لأنا نقول: لا منافاة بين دليل وجوب التأسي به في الفعل فقط، وبين النهي حتى يخصص به، بل المنافاة بينهما إنما هو باعتبار الفعل، فكان المعتبر هو المجموع وأنه أخص من النهي.
ومما سبق لا يخفى عليك مأخذ الكرخي رحمه الله.