الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاستثناء، وهو المستثنى مصرح به، لخلاف التخصيص، فإنما هو المراد من المخصوص غير معلوم منه، فلا يلزم من جواز ما لا تلتبس فيه جواز ما فيه التلبيس.
المسألة الثالثة
تمسك الشافعي رضي الله عنه في عدم جواز الإبدال في باب الزكاة
بقوله عليه السلام "في أربعين شاة شاة" فإن ظاهر هذا يقتضي وجوب الشاة بعينها، لأن قوله:"في أربعين شاة شاة" لا يمكن إجراؤه على ظاهره،
بل لا بد "فيه" من إضمار حكم، نحو وجوب الإخراج، أو ندبيته، أو غيرهما، ثم ليس هو غير الوجوب إجماعا. فتعين أن يكون هو، ولأنه بيان لقوله / (316/أ) تعالى:} وآتوا الزكاة {وهو للوجوب، فهو إذا للوجوب، ثم الواجب هو المذكور، أو غيره.
والثاني خلاف الأصل، فيتعين أن يكون هو، فثبت أن ظاهر قوله:"في أربعين شاة شاة" يقتضي وجوب شاة بعينها، فالقول بجواز صرف قيمتها عدول عن الظاهر، وإنه غير جائز من غير دليل.
هذا هو الحق والإنصاف، لا ما زعمه بعض الأصحاب أن الحديث المذكور نص في وجوب الشاة، فالقول بجواز صرف قيمتها قول بتأويل النص، وأنه غير جائز قطعا، لأن الحديث المذكور نص في أصل وجوب الشاة لا في تعيين وجوبها بدليل أنه لو صرح بعد ذكر وجوب الشاة بوجوب بدلها معه، لا يعد مناقضا كما لو قال: الواجب في أربعين شاة شاة، أو بدلها بخلاف ما لو صرح بنفي أصل الوجوب فإنه يعد مناقضا كما لو قال: الواجب في أربعين شاة شاة لا بل الواجب بدلها، وتحقيقه أن مفهوم وجوب الشيء أعم من أن يكون مع وجوب غيره يقوم مقامه أولا مع وجوب غيره
بتلك الصفة، بدليل صحة تقسيمه إليها. والدال على القدر المشترك لا دلالة "له""على ما به يتميز أحد القسمين على الآخر، فالدال على وجوب الشاة لا دلالة له" على أنه لا يجب معها شيء يقوم مقامها أو يجب فإذا ليس هو نصا في تعيين وجوب الشاة.
فإن قلت: ما ذكرتم هنا يقتضي أن لا يكون ظاهرا فيه أيضا،
وقد قلتم: من قبل أنه ظاهر فيه.
قلت: هو ظاهر فيه من حيث إن وجوب بدلها يحتاج إلى إضمار أو تقدير شيء آخر، نحو أن يقال: الواجب في أربعين شاة مقدار قيمة شاة، أو يقال: شاة أو بدلها وكلاهما خلاف الأصل، لا من حيث إن اللفظ الدال على وجوب الشاة دال على نفي وجوب بدلها بطريق التضمن، أو بطريق الالتزام، فلا منافاة بين ما ذكرنا أولا، وبين ما ذكرنا آخرا.
قالت الحنفية: نحن لا ننازعكم في أنه ظاهر في وجوب الشاة بعينها، لكن نقول: المراد منه غير ظاهر، وهو مقدار قيمة الشاة، وتقديره في أربعين شاة، مقدار قيمة شاة على تقدير حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه لدليل دل عليه، وهو أن المقصود من إيجاب شاة في أربعين شاة مثلا، إنما هو سد خلة الفقراء ودفع حاجاتهم وذلك يحصل بدفع القيمة كما
يحصل بدفع الشاة بعينها فلا معنى لتخصيص الشاة بوجوب الدفع.
قال أصحابنا: ما ذكرتم من التأويل محتمل لكنه ضعيف وبيانه من وجهين:
أحدهما: أنا لا ننكر / (316/ب) أن سد خلة الفقراء، ودفع حاجاتهم مقصود من إيجاب الشاة، لكن لا نسلم أن] ذلك [كل المقصود، فلعل معه مقصود آخر، نحو أن يشارك الفقير الغني في جنس ماله، إما تعبدا وهو المقصود غالبا في العبادات، وإما لأن حاجته قد تتعلق بخصوصية ذلك النوع من المال، وقد يعز وجوده فلا يقدر على تحصيله، أو وإن كثر لكنه كفى مؤنة التحصيل ومباشرة الشراء، وإذا احتمل ذلك كان المصير إليه أولى، لما فيه من الجمع بين ظاهر الحديث، والتعليل بسد الخلة، والتعبد الذي هو الغالب في العبادات، والاحتمال الذي ذكرناه وهو وإن كان مرجوحا، لكنه محتمل في الجملة.
وثانيهما: أن العلة في المنصوص عليه فرع الحكم "إذ يعرف" الحكم فيه أولا، ثم يستنبط منه العلة، وإذا كان كذلك وجب أن لا يستنبط على وجه يعكر على أصله بالإبطال.
وقوله: "في أربعين شاة شاة". ظاهره يقتضى وجوب الشاة بعينها على ما تقدم تقريره، فجعل سد الخلة ودفع الحاجة علة لذلك يرفع وجوب عينها فوجب أن لا يصح، وعلى هذا الأصل نقول: كل تأويل يعتمد صحته على علة مستنبطة من الحكم رافعة له أو لشيء من المدلولات اللفظية أو المعنوية للنص الدال على ذلك الحكم كان ذلك باطلا، لأن العلة تجب أن تكون ملائمة للحكم لا منافية له رافعة إياه، كما أن الحكم يجب أن يكون ملائما لظاهر اللفظ الدال عليه. فعلى هذا يلزم بطلان تأويل من أول آية الصدقات، إلى بيان جهة الصرف والاستحقاق، وجوز صرف الصدقة إلى واحد من الأصناف الثمانية وترك ظاهرها الذي يقتضي استيعاب الأصناف الثمانية والتشريك بينهم ضرورة كون الصدقات مضافة إليهم بلام التمليك وواو العطف المقتضى للاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه، بناء على أن المقصود من إيجاب الصرف إليهم وهم الأصناف الثمانية إنما هو دفع الحاجة عن جهة من هذه الجهات الثمانية لا استيعابهم بدليل سياق الآية، فإنه تعالى ذكر أولا طمع جماعة في الصدقة ليسوا أهلا لها في قوله:} ومنهم من يلمزك في الصدقات {الآية، ثم بين بعد ذلك من هم أهل لها، فإذا دفع إلى
واحد منهم فقد اندفعت الحاجة عنهم، فوجب أن يجوز. لأن هذه العلة مستنبطة مما دل عليه ظاهر الآية، وهو الاستيعاب والتشريك، لما تقدم وهي رافعة لهذا الحكم ومبطلة لدلالة "اللام" و"الواو"، وكانت باطلة، والتأويل مبنى عليهما فكان باطلا. هذا من حيث المعارضة.
وأما بطلانه من حيث المنع في مقدمات / (317/أ) الدليل فيمنع أن ما ذكروه هو المقصود فقط، ولم لا يجوز أن يكون استيعابهم وتشريكهم أيضا مقصود مع ما ذكروه، وهذا أولى لما فيه من الجمع بين ظاهر اللفظ وبين المعنى المستنبط من الحكم، وبين الاحتمال المذكور، وكونه مذكورا عقيب ذكر من ليس أهلا للصدقة لا ينافي وجوب الصرف إلى جميع من ذكر أنه أهل لها إذ فيه بيان جهة الصرف وزيادة. ومن هذا الأصل يعرف أيضا بطلان تأويل الحنفية آية الكفارة وهي قوله تعالى:} فإطعام ستين مسكينا {فإنهم أولوها إلى إطعام طعام ستين مسكينا على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. لزعمهم أن المقصود إنما هو دفع حاجة المسكين ولا فرق في ذلك بين
دفع حاجة ستين مسكينا وبين دفع حاجة مسكين واحد في ستين يوما، فجوزوا الاقتصار على إطعام مسكين واحد ستين يوما. لأن هذه العلة مستنبطة مما دل عليه ظاهر قوله تعالى:} فإطعام ستين مسكينا {وهو وجوب صرف الطعام إلى ستين مسكينا وهي رافعة لاعتبار العدد الذي هو حكم الأصل فكانت باطلة لما تقدم. والتأويل مبني عليها فكان باطلا، هذا لو سلم ما ذكروه من أن المقصود إنما هو دفع حاجة المسكين، ولا فرق في ذلك بين دفع حاجة ستين مسكينا، وبين دفع حاجة مسكين واحد في ستين يوما، أما إذا لم يسلم ذلك، وهو الأولى، إذ الدفع أسهل من الرفع، بناء على أن المنافسة المعنوية والدلالة اللفظية كلتيهما متطابقتان على اعتبار العدد، فكان] من [اندفاعه] ما ذكروه [وسقوطه أظهر. أما المناسبة المعنوية فلأن كثرة الدعاء مطلوب المؤمن لصلاح دينه ودنياه واستجلاب كثرة المحسنين إليه طريق صالح لتحصيله، ولا يبعد أن يقصد الشارع رعاية العدد مع رعاية دفع الحاجة نظرا لجانب المكفر لما يناله من الخير في الدنيا والآخرة بسبب كثرة دعائهم له. وليتحصن عن المكاره والعذاب بسبب صرف همتهم إليه وقل ما يخلو جميع المسلمين عن ولي من أولياء الله تعالى مستجاب الدعوة يغتنم دعاؤه وتستجلب همته فمع مناسبة هذا، كيف يمكن إلغاء العدد عن درجة الاعتبار وجعل مجرد دفع الحاجة علة لذلك الحكم.