الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى "قولنا": رقبة مؤمنة سليمة عن العيوب، ومقيد بالنسبة إلى قولنا:"رقبة".
وإذا عرفت أن المطلق ينقسم إلى قسمين.
فاعلم أن المقيد أيضا ينقسم إلى قسمين مقابلتهما: فالمقيد على الإطلاق ومن كل وجه: هو اللفظ الذي لا اشتراك فيه أصلا كأسماء الأعلام/ (278/ أ).
وأما المقيد من وجه دون وجه فنحو "رقبة مؤمنة" و"رجل عالم" على ما عرفته.
وإذا "قد" عرفت معنى المطلق والمقيد وأقسامها فلنذكر أنه هل يحمل المطلق على المقيد أم لا؟.
المسألة الثانية
في حمل المطلق على المقيد
اعلم أن متعلق حكم المطلق: إما أن يكون عين متعلق حكم المقيد، أو لا يكون.
فإن كان الثاني: نحو أن يقول الشارع "مثلا": أدوا الزكاة، واعتقوا رقبة مؤمنة إذا حنثتم، فلا خلاف في أنه لا يحمل المطلق على المقيد، لأنه لا مناسبة بينهما ولا تعلق لأحدهما بالآخر أصلا.
وإن كان الأول: فإما أن يكون السبب واحدا، أو مختلفا وعلى التقديرين، إما أن يكون كل واحد من المطلق والمقيد أمرا أو نهيا، أو أحدهما أمرا والآخر نهيا، فهذه أقسام ستة:
"أحدها": أن يكون السبب واحدا وكل واحد منهما أمرا نحو أن يقول: اعتقوا رقبة مؤمنة إذا حنثتم، ثم يقول مرة أخرى: اعتقوا رقبة إذا حنثتم، فهاهنا لا خلاف في أن المطلق محمول على المقيد.
وكذا لو قال أولا: اعتقوا رقبة، ثم قال: اعتقوا رقبة مؤمنة.
وكذا لو لم يعلم التاريخ بينهما، وهذا التفصيل وإن لم يكن مصرحا به في المؤلفات، لكن إطلاقهم القول يدل عليه.
ولهذا اعترض الشيخ الغزالي "رحمه الله تعالى" وقال: "هذا صحيح مستقيم على رأي من لا يرى بين العام والخاص تقابل الناسخ والمنسوخ، والقاضي مع مصيره إلى ذلك، نقل الاتفاق من العلماء على ذلك".
وما ذكره الشيخ حسن متجه، لأن المطلق كالعام، والمقيد كالخاص.
فإذا تأخر المطلق عن المقيد، أو إذا لم يعلم التاريخ بينهما، ينبغي أن لا يحمل المطلق على المقيد، لأنه حينئذ يكون ناسخا كالعام إذا تأخر عن الخاص.
"وفي بعض المؤلفات قيل: إن تأخر المقيد نسخ المطلق، ويلزمه عكسه إن رأى نسخ الخاص بالعام".
ثم الدليل على ذلك أن العمل بالمقيد عمل بالمطلق، ضرورة أن المطلق جزء
من المقيد، والآتي بالكل آت بالجزء، فيكون العمل بالمقيد عملا بالدليلين.
وأما العمل بالمطلق فليس عملا بالمقيد، لأن الآتي بالجزء لا يكون آتيا بالكل، بل يكون تاركا له، فيكون العمل بالمطلق يستلزم الترك بأحد الدليلين بالكلية.
فإذا كان الجمع بين الدليلين واجبا حيث إنه يستلزم/ (278/ ب)"الترك" بأحد الدليلين بالكلية فإذا كان الجمع بين الدليلين واجبا حيث يستلزم" الترك بشيء من مدلولات لفظ أحدهما، فلأن يجب ذلك حيث لا يستلزم ذلك بطريق الأولى.
ولعلهم لهذا الفرق اتفقوا على حمل المطلق على المقيد كيف ما فرض الأمر من التقدم والتأخر، ولم يخرج على الخلاف الذي فيما بين العام المتأخر والخاص المتقدم.
فإن قلت: لا نسلم أن المطلق جزء المقيد، وهذا لأن المطلق ضد المقيد، وأحد الضدين لا يكون جزء الآخر.
سلمنا: ذلك لكن ليس يتعين الجمع بينهما بما ذكرتم من الطريق بل هنا طريق آخر غير ما ذكرتم وهو: أن يجري المطلق على إطلاقه، ويحمل المقيد على الندب.
فلم قلتم: إن ما ذكرتم من الطريق أولى، وعليكم الترجيح، لأنكم مستدلون.
ثم إنه معنا: لأن على هذا التقدير مقتضى المطلق وهو تمكن المكلف من الإتيان بأي فرد شاء باق، ومقتضى المقيد أيضا: باق لأنا اعتبرنا ذلك القيد على وجه الندبية.
وأما على ما ذكرتم من التقدير فإن مقتضى الإطلاق غير باق.
قلت: الدليل على أن المطلق جزء المقيد هو: أن المطلق إن كان حقيقيًا فهو دال على نفس الماهية والحقيقة لا غير، والمقيد الذي يقابله دال عليها مع اعتبار آخر، ولا شك أن المفهوم الأول: جزء من المفهوم الثاني. وإن كان إضافيا فهو دال على الماهية مع اعتبار أمر آخر أو أمرين والمقيد الذي يقابله يدل على ذلك المجموع مع اعتبار أمر آخر ولا خفاء أن المفهوم الأول جزء من المفهوم الثاني.
قوله: المطلق ضد المقيد.
قلنا: لا نسلم بالمعنى الذي ذكرناه، وكيف يكون ضده بذلك المعنى، وقد
ذكرنا أن جزءه، بل بمعنى أن حكمه ضد حكم المقيد، أو بمعنى الدال على الشيء بشرط الخلو عن جميع القيود، وتحن لا نعتبر ذلك في المطلق، بل نعتبر أن لا يدل على القيود لا أنه يدل على عدم القيود، وفرق بين الشيء لا بشرط بشيء، وبين الشيء بشرط لا شيء، فإن عدم الشرط غير شرط العدم.
وعن الثاني: أنا لا نسلم أن مقتضى المقيد باق حينئذ، وهذا لأن ظاهر يقتضي وجوب المقيد، لأن ظاهر الأمر للوجوب على ما ثبت "ذلك"، ولأن الخصم مساعد عليه، فإذا حمل على الندب فقد ترك ظاهره.
بقى أن يقال: لو راعينا هذا لزم ترك مقتضى الإطلاق، وهو تمكن المكلف من الإتيان بأي فرد شاء، ولو راعينا مقتضى الإطلاق لزم/ (279/ أ) ترك ظاهر التقييد، فلم كان التزام ترك مقتضى الإطلاق أولى من التزام ترك مقتضى التقييد؟.
قلنا: التزام ترك مقتضى الإطلاق أولى.
أما أولا: فلأنه غير مدلول عليه باللفظ بطريق الوضع، لأن دلالته عليه معنوية.
ولئن سلم: أنه يدل عليه بطريق الوضع، لكنه ليس بصريح فيه، بخلاف المقيد فإنه يدل على وجوب ذلك المسمى المخصوص بطريق الوضع، وهو صريح في دلالته على اعتبار ذلك القيد.
وأما ثانيا: فلأن مراعاة ظاهر التقيد يقتضي الخروج عن العهدة بيقين،
ومراعاة مقتضى الإطلاق لا يقتضي ذلك، فكان أجدر بالرعاية.
وأما ثالثا: فلأنه ليس في حمل المطلق على المقيد التزام مجاز، ولهذا يجوز له أن يعتق الرقبة المسلمة، وإن لم يدل عليها قرينة.
وأما في صرف المقيد إلى الندب، فإن فيه التزام ذلك فكان الأول أولى.
وثانيها: أن يكون كل واحد المطلق والمقيد نهيا نحو أن يقول: "لا تعتق رقبة" ثم يقول مرة أخرى: "لا تعتق رقبة كافرة في كفارة اليمين" فمن لا يقول بمفهوم الخطاب لا يخصص النهي العام إذ لا موجب لذلك.
وأما من يقول به فأصله يقتضي تخصيص النهي العام بالكفارة، لأن النهي الثاني عنده يدل على "إجزاء المسلمة لأنه مختص بالنهي عن الكفارة وهو بمفهومه يدل على" إجزاء المسلمة والتخصيص بالمفهوم جائز عنده.
وثالثها: أن يكون أحدهما أمرا والآخر نهيا، وهو على قسمين: لأنه إما أن يكون المطلق أمرا والمقيد نهيا نحو أن يقول في كفارة اليمين أيضا: اعتق رقبة، ثم يقول: لا تعتق رقبة كافرة، أو بالعكس نحو أن يقول: لا تعتق رقبة، ثم يقول: اعتق رقبة مؤمنة، وفي هاتين الصورتين لا خلاف أيضا:
في أن المقيد يوجب تقييد المطلق بضده، وهو أهر غني عن البيان.
ورابعها: أن يكون كل واحد منهما أمرا، لكن السبب مختلف نحو قوله تعالى في كفارة الظهار:{والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة مؤمنة} ، وقوله تعالى في كفارة القتل:{من قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} .
فهاهنا اختلفوا على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو قول الشافعي رضي الله عنه، وجمهور أصحابه: أنه إن قام دليل نحو القياس على المقيد أو غيره، حمل المطلق على المقيد وإلا بقى على إطلاقه.
وثانيها: وهو قول بعض أصحابنا أنه يحمل عليه من غير حاجة إلى دليل آخر فإن تقييد أحدهما/ (279/ ب) يوجب تقييد الآخر لفظاً.
وثالثها: وهو قول: الحنفية أنه لا يجوز الحمل عليه بحال، لأن ذلك الدليل إن كان دون المطلق في القوة لم يصلح لنسخه، وإن كان مثله، فإن علم شرط النسخ كان ناسخا له، وإلا كان معارضا فهو غير محمول على المقيد بحال.
لنا وجهان:
أحدهما: أن القياس دليل شرعي عام في كل الصور إلا ما فقد فيه ركنه أو
شرط لانعقاد الإجماع عليه، ولأن الأدلة التي تدل على أن القياس حجة غير مخصص له بصورة دون صورة، فإذا دل القياس على حمل المطلق على المقيد وجب المصير إليه عملا بالدليل.
فإن قلت: لا نزاع في أنه لو وجد شرائطه وأركانه لوجب العمل به، لكن لا نسلم أنه وجد ذلك فيما نحن فيه، وهذا لأن من جملة شرط صحة القياس أن لا يكون مخالفا للنص، فإذا أوجب تقييده بما اقتضاه النص من الإطلاق كان مخالفا له، لأن التقييد مخالف للإطلاق فلم يجب العمل به.
قلت: إن عنيتم بقولكم إن من [شرط] القياس أن لا يكون مخالفا للنص: أن لا يكون مخالفا له مخالفة لا يمكن الجمع بينهما، بأن يكون رافعا لكل ما اقتضاه، فهذا مسلم لكنه مفقود هنا.
وإن عنيتم به أن لا يكون مخالفا له بوجه ما، بأن لا يكون رافعا ولو لشيء من مقتضاه فهذا ممنوع.
هذا لأن تخصيص النص بالقياس جائز باتفاق بيننا وبينكم، مع أنه مخالف له من بعض الوجوه، إذ هو رافع لبعض مقتضاه.
سلمنا: ذلك لكنه منقوض بالتخصيص.
فإن قلت: إنه ليس بمخالف، بل هو بيان المراد من العام.
قلت: كذلك نقول: إن المقيد مع ذلك القياس ينبئ عن المراد من المطلق.
وثانيهما: القياس على تخصيص العام بالقياس، والجامع مع صيانة القياس عن الإلغاء، بل هذا أولى، لأن دلالة العام على كل الأفراد لفظية ودلالة المطلق عليه ليست لفظية، بل معنوية والدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية، فإذا جاز أن تقاوم القياس أقوى الدلالتين، فلأن يجوز أن تقاوم أضعفها بالطريق الأولى.
احتجوا: بأن تقييد النص المطلق بالقياس نسخ له به إما لأنه رافع لحكم كان ثابتا بالنص لولاه، أو لأنه زيادة على النص، وأنه نسخ والنسخ بالقياس غير جائز بالاتفاق.
وجوابه: أنا لا نسلم أن زوال ذلك الحكم بطريق النسخ، بل هو عندنا بطريق التقييد، ولهذا كان/ (280/ أ) الحكم كذلك أيضا، لو كان المطلق والمقيد مقترنين في الورود، أو كان المقيد متقدما ولو كان ذلك بطريق النسخ لما كان كذلك، فلم قلتم إنه ليس كذلك؟ أو أن ذلك غير جائز بالقياس.
وأما الطريقة الثانية: فلا نسلم أن الزيادة على النص نسخ، وسيأتي
ذلك إن شاء الله تعالى.
سلمناه أنه نسخ لكن يلزم أن يكون التخصيص أيضا نسخا، لأنه يدل على رفع حكم كان ثابتا لولاه، فكان ينبغي أن لا يجوز فما هو جوابكم فهو جوابنا.
سلمنا: سلامته عن هذا النقض، لكنه منقوض بما أنكم اعتبرتم سلامة الرقبة عن كثير من العيوب، فإن اشتراطهما يخرج الرقبة المعيبة عن أجزاء مطلق الرقبة الذي كان ثابتا بالنص، كما أن اشتراط الإيمان يخرج الكافرة عنه، فكان اشتراطها نسخا للنص، فكان ينبغي أن لا يجوز إثباتها بالقياس.
وأما من قال من أصحابنا أن تقييد أحدهما يوجب تقييد الآخر لفظا من غير حاجة إلى دليل آخر.
فقد احتجوا بوجوه:
أحدها: أن المطلق في باب الشهادة نحو قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} محمول على المقيد نحو قوله تعالى: {وأشهدوا
ذوي عدل منكم}، ولذلك اعتبرت العدالة في شهود المداينة مع إطلاق النص فيها فكذا هاهنا، والجامع تقديم المقيد الذي هو كالخاص على المطلق "الذي" هو كالعام.
وجوابه: أنا لا نسلم أن ذلك التقييد بحسب اللفظ من غير دليل، بل هو للإجماع والنص وهو قوله تعالى:{إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} ، والقياس على الموضع الذي نص فيه على العدالة، بجامع حصول الثقة بقولهم.
وثانيها: أن الذاكرات محمول على قوله تعالى: {والذاكرين الله كثيرا} من غير دليل، إذ الأصل عدم ما يفرض دليلا عليه، فلو لم يكن المطلق محمولا على المقيد لفظا لما جاز هذا.
وجوابه: منع أنه من غير دليل، وهذا لأن دليله العطف فإنه يوجب حمله عليه، لأن قوله:{والذاكرات} لا استقلال له في نفسه فلو لم يكن محمولا على قوله: {والذاكرين الله [كثيرا]} ومشاركا له فيما هو به مما للغا، وكلام الله تعالى يصان عن ذلك، بل كلام العقلاء.
وثالثها: أن القرآن كالكلمة الواحدة، فتقييد الرقبة بالإيمان في كفارة القتل، كتقييدها به في كفارة الظهار.
وجوابه: أنكم إن ادعيتم أن القرآن كالكلمة الواحدة، في أنه لا تناقض فيه فهذا مسلم [و] معلوم أن الاختلاف في/ (280/ ب) الإطلاق والتقييد لا يستلزم ذلك.
وإن ادعيتم أنه كالكلمة الواحدة في كل شيء فهذا ممنوع.
وكيف يمكن ادعاؤه مع اختلافه في العموم والخصوص "والإطلاق"، والتقييد والأمر والنهي وغير ذلك من الاختلافات.
وخامسها: أن يكون كل واحد منهما نهيا والسبب مختلف، نحو أن يقول: لا تعتق رقبة في كفارة الظهار مثلا، ثم يقول: لا تعتق رقبة كافرة في كفارة القتل، فمن يقول: بالمفهوم وتقييد المطلق بالمقيد إن وجد دليل، فأصله يقتضي تخصيص النهي العام بالكافرة إن وجد دليل وإلا فلا.