الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدليل، ولم يجب علينا إتباعه.
وأما تخصيص الخبر بمخالفة الصحابي الغير الراوي، هل يجوز أم لا؟
فمن لا يجوز بمخالفة الراوي لم يجوز بمخالفة الصحابي الغير الراوي بالطريق الأولى.
وأما من يجوز تخصيصه به فمن قال منهم: إن قول الصحابي حجة خصص به، وإلا فلا.
المسألة الثالثة
في أن خصوص السبب لا يخصص عموم اللفظ
وتحقيق القول في ذلك، أن يقال: الخطاب الذي يرد جوابا عن سائل الحكم، إما أن لا يكون مستقبلا بنفسه دون السؤال، أو يكون مستقلا بنفسه دونه.
فإن كان الأول: فإما أن يكون [ذلك] الأمر يرجع إلى الوضع كقوله عليه السلام: حين سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال:"أينقص الرطب إذا جف"؟
قالوا: نعم.
قال: "فلا إذًا"، فقوله:"فلا إذًا" لا يفيد ما لم يعد السؤال فيه،
وعدم إفادته أينما كان، لأنه لم يوضع لأن يعاد به، أو لا يكون لذلك بل للعرف والعادة، كقول: القائل: والله لا أكلت.
في جواب من يقول له: "كل عندي" فإن قوله: "والله لا أكلت" يفيد بحسب الوضع، لأنه كلام تام يحسن السكوت عليه، لكن العرف والعادة اقتضى تخصيصه بالسؤال حتى صار تقديره والله لا أكلت عندك.
ولهذا لا يعدونه مخالفا بالأكل عند غيره، وحكم الجواب في هذين القسمين، هو أن يكون تابعا للسؤال في العموم، والخصوص، لكن في أحدهما بحسب اللغة، وفي الآخر بحسب العرف.
مثال العام من القسم الأول: ما سبق من الحديث.
مثال الخاص منه: نحو قول: القائل: "لا" حين سئل أيجوز بيع هذا الرطب بهذا التمر؟.
مثال العام من القسم الثاني: قول القائل/ (273/ ب): "والله لا أكلت" حين قيل له كل عن الناس.
مثال الخاص منه ما سبق.
وإن كان الثاني: وهو أن يكون الجواب مستقلا بنفسه بدون السؤال، فهذا على أقسام أربعة: لأنه إما أن يكون مساويا له، أو أخص منه، أو أعم منه، أو أعم منه من وجه وأخص "منه" من وجه.
ولنبين أمثلة هذه الأقسام وأحكامها.
القسم الأول: وهو أن يكون الجواب مساويا له، وهو إما في العموم: نحو قوله عليه السلام: "من أفطر في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر" لو فرض أنه قال في جواب من سأله عمن أفطر في نهار رمضان.
وأما في الخصوص: نحو قول القائل: يجب عليك كفارة الظهار، حين قال له:"ماذا يجب على وقد أفطرت في نهار رمضان؟ ". وحكمه ظاهر لا إشكال فيه.
القسم الثاني: وهو أن يكون الجواب أخص منه، نحو قول القائل: من جامع في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر، في جواب من سأله عمن أفطر في نهار رمضان، وهذا الجواب إنما يجوز بثلاث شرائط.
أحدها: أن يكون فيما خرج [من] الجواب تنبيه على ما لم يخرج منه، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز.
وثانيها: أن يكون السائل من أهل الاجتهاد وإلا لم يفد التنبيه.
وثالثها: أن لا يفوت وقت العمل بسبب اشتغال السائل بالاجتهاد، لئلا يلزم التكليف بما لا يطاق، وحكمه حينئذ في العموم والخصوص كحكم السؤال في
ذلك، لكن لا يسمى عاما وإن كان السؤال عاما، لأن الحكم في غير محل التنصيص غير مستفاد من اللفظ، بل من التنبيه.
والقسم الثالث: وهو أن يكون الجواب أعم منه، وهذا ينقسم إلى قسمين: لأنه إما أن يكون أعم منه فيما سئل عنه، لقوله عليه السلام: لما سئل عن بئر بضاعة: "خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه".
أو في غير ما سئل كقوله عليه السلام: حين سئل عن التوضؤ بماء البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، وحكم هذا القسم التعميم بالنسبة إلى ما سئل عنه، وإلى غيره من غير خلاف، لأنه وارد ابتداء بالنسبة إلى غير المسؤول عنه، وأما بالنسبة إلى المسؤول عنه فللمطابقة.
وأما القسم الأول: فقد اختلفوا فيه فذهب أبو حنيفة وأكثر الفقهاء ومعظم الأصوليين إلى تعميم حكمه.
وذهب مالك، والمزني، وأبو ثور، وأبو بكر القفال، وأبو بكر الدقاق من أصحابنا إلى تخصيص حكمه بالمسؤول عنه.
وعزى ذلك أيضا إلى الشافعي/ (274/ أ) رضي الله عنه وصحح إمام الحرمين نقل ذلك أيضا عنه.
وعلى هذا الخلاف أيضا إذا ورد العام ابتداء على سبب خاص من غير
سؤال، كقوله: عليه السلام: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" فإنه روى أنه قال ذلك حين مر بشاة ميمونة.
ولنا وجوه: أحدها: أنا نعلم بالضرورة أنه يمكن أن يكون حكم غير
المسؤول مساويا لحكم غير المسؤول عنه. ونعلم أيضا بالضرورة، أنه لا منافاة بينه وبين بيان حكمهما بلفظ واحد عام، وإذا لم يكن بينهما منافاة، والثاني مقتضى لثبوت الحكم فيهما عملا بالمقتضى.
وثانيها: أنه لو كان خصوص السبب معارضا لعموم اللفظ، فحيث ثبت التعميم مع خصوص السبب، كما في كثير من العمومات، نحو آية السرقة، والظهار واللعان، وغيرها من الآيات، والأخبار التي يطول استقصاؤها لزم الترك بمقتضى الدليل المخصص، فكان تعميم أحكامها على خلاف الدليل، ولم يقل أحد من الصحابة والتابعين، بل أحد من الأمة أن تعميم كثير من عمومات الكتاب والسنة التي شأنها ما ذكرنا على خلاف الأصل.
ولئن سلم أنه لم ينعقد الإجماع عليه، لكن لا شك في أنه على خلاف الأصل فما يستلزمه أيضا خلاف الأصل.
وثالثها: لو كان خصوص السبب مقتضيا لاقتصار الحكم عليه فحيث بين حكمه بلفظ يتناوله وغيره، لزم التعارض بينه وبين ذلك اللفظ العام، والتعارض خلاف الأصل، وانتفاء مستلزمه يتعين أن يكون بانتفاء كون خصوص السبب مقتضيًا لاقتصار الحكم عليه، إذ الأمران الباقيان وهو العام وبيان العام وبيان الحكم به ثابتان بالاتفاق.
احتجوا بوجوه:
أحدها: أن اللفظ العام الوارد على السبب الخاص صار نصا صريحا فيه، وبهذا لم يجز تخصيصه عنه بالإجماع، ولو كان اللفظ عاما لم يكن نصا فيه، لأن دلالة العام على مسمياته متحدة، وحينئذ كان يجوز إخراجه عنه كغيره من المسميات، ولما لم يكن كذلك، علمنا أنه ليس بعام، بل هو مختص بالسبب.
لا يقال: لا نسلم حصول الإجماع على عدم جواز تخصيصه عنه، وهذا لأن أبا حنيفة- رضي الله عنه لم يثبت نسبة ولد الأمة المستفرشة عن سيده بمجرد الفراش، بل يعتبر في ذلك الإقرار/ (274/ ب) الصريح بالنسب مع ورود قوله عليه السلام:"الولد للفراش" فيه إذا روى أنه اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن زمعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
في ابن أم زمعة فقال سعد: "أوصاني أخي عتبة بقبض ابن أمة زمعة فإنه ابنه"، وقال عبد الله بن زمعة:"هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه" فقال عليه السلام: "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، وذلك يدل على أن أبا حنيفة رضي الله عنه يجوز إخراجه عنه على وجه التخصيص.
لأنا نقول: لا نسلم أن ذلك يدل عليه لاحتمال أن يقال: إنه إنما ذهب إليه لعدم اطلاعه على ورود الخبر عليه، أو وإن اطلع عليه لكن لم يصح ذلك عنده.
وجوابه: منع اللازم، وهذا لأنه [لا] يجوز أن يصير اللفظ [نصا] صريحا في بعض مسمياته، لقرينة خارجية تتصل به بالنسبة إليه، وهو إنما صار نصا فيه لقرينة الورود فيه لا من حيث الوضع، ودلالة العام إنما تتحد بالنسبة إلى مسمياته من حيث الوضع لا غير، فلا منافاة بين كونه نصا صريحا في محل الورود وبين كونه عاما.
وثانيها: أنه لو كان الحكم عاما ثابتا في محل الورود وغيره، لما تأخر البيان إلى وقوع تلك الواقعة ظاهرا، لكنه تأخر فلا يكون عاماً.
وجوابه: أنه إنما لا يجوز تأخير بيانه إلى ذلك الوقت إن لو اتفقت الحاجة إليه قبله، وهو ممنوع، أما إذا لم تتفق فلا نسلم أنه لا يجوز تأخيره إليه لا قطعا ولا ظاهرا، وما الدليل عليه؟.
ولئن سلم ذلك: لكنه منقوض بما أنه لا يختص بذلك الشخص، وبذلك الزمان، وبذلك المكان بالاتفاق.
ولئن سلم: سلامته عن هذا النقض، لكنه منقوض بالعمومات الواردة على الأسباب الخاصة الغير المختصة بها.
وثالثها: أن الجواب لو لم يستقل بنفسه اختص بالسؤال وفاقا.
فكذا إذا استقل قياسا عليه، والجامع عدم إلغاء فائدة السؤال.
وجوابه: الفرق وهو ظاهر فإنه لو لم يتعلق به ثمة للغا فائدة السؤال والجواب، وما نحن فيه لو لم يتعلق الجواب بالسؤال كان الجواب مفيدا بنفسه، بل فائدته حينئذ يكون أكثر مما إذا عقلناه به وما هو المقصود من السؤال حاصل أيضا.
ورابعها: أن الرجل إذا قال لغيره: كلم فلانا فقال:/ (275/ أ) والله لا أكلم، فإنه يختص بذلك الرجل حتى لا يحنث بالكلام مع غيره مع عموم اللفظ وفاقا. فلو لم يكن خصوص السبب مقتضيًا للتخصيص لما كان كذلك.
وجوابه: أنا لا نسلم أن ذلك لخصوص السبب، بل للقرينة العرفية، فإن من الظاهر أنه لم يحلف على أنه لم يكلم أصلا مع مسيس حاجته إليه، وهذه القرينة منتفية بالنسبة إلى خطاب الشارع، فلم يلزم من تخصيص خطاب الناس بعضهم مع بعض، تخصيص خطاب الشارع.
وخامسها: أن الجواب لو كان عاما غير مقتصر على السؤال لم يكن الجواب مطابقا للسؤال، [وحينئذ لم يجز ضرورة أن الجواب يجب أن يكون مطابقا للسؤال] ولهذا لم يجز أن يكون الجواب خاصا والسؤال عاما.
وجوابه: أن المعنى من قوله: "الجواب يجب أن يكون مطابقا للسؤال، هو أنه يجب أن يستوعبه ولا يغادر منه شيئًا، والخاص لما لم يكن مطابقا "للسؤال" بهذا المعنى لا جرم لم يجز، لا أنه يجب أن لا يتضمن بيان شيء آخر مع بيانه، يدل عليه أنه عليه السلام لما سئل عن التوضؤ بماء البحر أجاب بقوله: "هو الطهور ماؤه والحل ميتته" ولو كان يجب أن يكون الجواب مطابقا للسؤال بمعنى أنه لا يزيد عليه ولا ينقص منه، لما جاز هذا الجواب وهو خلاف الأصل إذ لم يقل أحد من الأمة بذلك.
وسادسها: أن السبب يجري مجرى العلة، لأنه المثير للحكم فوجب أن يختص الحكم به كما في العلة.
وجوابه: أنه لا يلزم من اشتراك الشيئين في بعض الأمور اشتراكهما في الماهية، ولئن ذكر ما ذكر بطريق القياس فنطالبهم بالجامع المناسب، ثم نجيبهم بالفرق وهو ظاهر، ولئن سلم صحة القياس، لكنه منقوص بالسائل فإنه هو المثير للحكم، والحكم غير مختص به وفاقا.
وسابعها: أنه لو لم يكن للسبب مدخل في اختصاص الحكم به، لم يكن في فعله فائدة، فكان الاشتغال به عبثا، لكن الأمة اتفقت على نقله خلفا عن سلف، ويرون ذلك جائزا، واتفاق الأمة بأسرها على العبث والباطل غير جائز.
وجوابه: منع الملازمة، وهذا لأن الفائدة غير منحصرة في اختصاص الحكم به فإن معرفة أسلوب التنزيل ومعرفة تلك القضية وعدم جواز تخصيصه عن النص فوائد.
وأما القسم الرابع: وهو أن يكون الجواب أعم من السؤال من وجه دون وجه، فنحو ما إذا سئل هل على من أفطر بالجماع/ (275/ ب) في نهار رمضان كفارة؟.
فيقول في جوابه: على من أفطر في نهار رمضان الكفارة إذا تعمد الإفطار لا إذا ما أفطر ناسيا، فالسؤال خاص بالمجامع، عام في الناسي