الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال المعممون: لا نزاع في أنه قصد بالكلام المدح والذم، لكن لم قلتم إن قصده مناف لقصد التعميم؟ وما الدليل عليه؟ فظاهر أنه ليس بمناف له إذ الجمع بينهما ممكن، وبهذا لو صرح به معه لم يعد ذلك تناقضا وتهافتا، وإذا لم يكن قصده منافيا لقصد التعميم، وقد وجد المقتضي له، وهو اللفظ العام وجب القول به.
المسألة السابعة
إذا عقب اللفظ العام باستثناء، أو تقييد بصفة، أو حكم خاص لا يتأتى في كل مدلوله بل في بعضه، فهل يوجب ذلك تخصيصه أم لا
؟
اختلفوا فيه.
فذهب أكثر أصحابنا، والقاضي عبد الجبار: إلى أن ذلك لا يوجب تخصيصه، وهو الأظهر.
وذهب أكثر الحنفية- رحمهم/ (277/ أ) الله تعالى-: إلى أنه
يخصصه.
ولهذا قالوا في قوله عليه السلام: "لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلا بكيل" أن المراد منه ما يكال من البر، فيجوز بيع الحفنة بالحفنتين، لأن ذلك القدر مما لا يكال.
وذهب جماعة نحو إمام الحرمين، والإمام وأبي الحسين البصري، إلى التوقف.
مثال: الاستثناء قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} إلى قوله: {إلا أن يعفون} ، فاستثنى العفو عنه بكناية راجعة إلى النساء.
ومعلوم أن العفو لا يصح إلا من البالغات العاقلات دون الصبية والمجنونة،
فهل يوجب ذلك أن يقال: إن المراد من النساء في أول الكلام البالغات العاقلات دونهن أم لا؟.
مثال: التقييد بالصفة قوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} ، ثم قال:{لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} يعني الرغبة في مراجعتهن، ولا شك أن ذلك لا يتأتى في الطلاق البائن، فهل يقتضي ذلك تخصيص الطلاق المذكور في أول الكلام بالرجعى أم لا؟
مثال: التقييد بحكم آخر نحو قوله [تعالى]: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ثم قال: {وبعولتهن أحق بردهن} ، وهذا مختص بالمطلقة بالطلاق الرجعى دون البائن.
فهل يقتضي ذلك أن يقال المراد من المطلقات الرجعيات أم لا؟.
إذا عرفت هذا، فنقول: الدليل على أن ذلك لا يوجب تخصيص العام، هو أن اللفظ عام ولم يوجد له مخصص، لأن المخصص لابد وأن يكون منافيا للعام، وكون الضمير عائدا إلى بعض مدلول العام غير مناف لعمومه
فوجب إجراؤه على العموم عملا بظاهر اللفظ.
فإن قلت: إن أردتم بقولكم: إن كون الضمير عائدا إلى بعض مدلول العام غير مناف لعموم أنه غير مناف له على سبيل القطع فهذا مسلم، لكن ليس من شرط المخصص أن يكون منافيا للعام على القطع، وإن أردتم به أنه ليس منافيا له لا قطعا ولا ظاهرا فممنوع.
وهذا لأن الأصل مطابقة الكناية في العموم والخصوص، فهذا الأصل يدل على أن المراد من العام البعض الذي يطابق الكناية، وإلا لزم الترك بهذا الأصل.
قلت: هذا الأصل إنما يجب العمل به لو لم يستلزم مخالفة أصل آخر، أما إذا استلزم ذلك، كما في مسألتنا فإن العمل بهذا الأصل يستلزم الترك/ (277/ ب) بمقتضى العام، وهو أيضا خلاف الأصل، إذ الأصل إجراء العام على عمومه، فلم قلتم: إنه يلزم العمل به حينئذ؟.
فإن قلت: فحينئذ يجب التوقف، كما ذهب إليه جماعة، لأنهما يتعارضان ويتساقطان، إذ ليس العم بأحد الأصليين أولى من العمل بالأصل الآخر.
قلت: لا نسلم إنه ليس العمل بأحد الأصلين أولى من الآخر، وهذا لأن
مراعاة إجراء العام على عمومه أولى من مراعاة مطابقة الكناية "للمكنى" لأن المكنى أصل والكناية تابعة لأنها تفتقر في دلالتها على مسعاها إليه من غير عكس، ومراعاة دلالة المتبوع أولى من مراعاة دلالة التابع، ولأنه أكثر فائدة وأظهر دلالة، فكان بالرعاية أجدر.
"النوع السادس"
الكلام في المطلق والمقيد
وفيه مسائل: