الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع العاشر:"الكلام" في دلالة أفعال الرسول عليه السلام
وسكوته وتقريره
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
في عصمة الأنبياء
اعلم أنه لا يمتنع صدور الذنب منهم، قبل الإنباء كبيرة كانت أو صغيرة، عمدًا كانت أو سهوًا، بل لا يمتنع عقلًا إرسال من آمن بعد الكفر على رأي الجماهير منا ومن المعتزلة.
وذهب الشيعة إلى امتناعه كما بعد الإنباء/ (336/أ)
وأما بعد الإنباء، فاعلم أن كل معصية تناقض مدلول المعجزة، نحو الجهل بوجوده تعالى، والكذب فيما يدعيه من دعوى الرسالة وكتمانها، والجهل بتفاصيل الشرع الذي يدعيه أنه أمر بالدعوة إليه، "فهو" غير جائز
"عليهم" عقلًا لا عمدًا ولا سهوًا وفاقًا. وإن كان إيراد بعضهم مشعرًا بالخلاف في حالة السهو النسيان.
وأما ما ليس كذلك فكل ما يكفر به صاحبه سواء كان من باب الاعتقاد، أو من باب الأقوال، أو من باب الأفعال، فقد اتفقوا "أيضًا" على أنه لا يجوز ذلك أيضًا منهم لكن بدليل التوقيف، إلا الفضيلة من الخوارج،
فإنهم يجوزون صدور الذنب منهم فكل ذنب عندهم كفر. والأزارقة منهم أيضًا: فإنهم يجوزون أن يبعث الله نبيًا يعلم أنه يكفر بعد نبوته.
وأما ما ليس كذلك فهو على أقسام:
أحدها: أن يكون من باب الاعتقاد، فالاعتقاد الذي لا يكون مطابقًا ولا يكفر صاحبه، فقد اختلفوا فيه:
فمنهم: من أباه لكونه منفرًا لاسيما إذا كان بحيث يوجب تبديع صاحبه ومنهم: من جوزه.
وثانيها: ما يكون من باب التبليغ: وقد اتفقوا على أنه لا يجوز منهم تغيير وكتمان ما أوحي إليهم للتبليغ عمدًا، وإلا لزال الوثوق بقولهم.
واختلفوا في ذلك على وجه السهو والنسيان، فأباه الأكثرون لما تقدم.
وجوزه الأقلون بناء على أن ما كان من قبيل السهو والنسيان غير داخل تحت التحفظ، وهو نادر جدًا غير مخل بالوثوق بقولهم.
وثالثها: ما يتعلق بالفتوى عن اجتهاد، فإنه لو كان عن وحي فهو داخل في قسم التبليغ.
فإن قيل: بأن كل مجتهد مصيب فلا يتصور الخطأ في اجتهاد غيره، فكيف في اجتهاده عليه السلام.
وإن قيل: بأن المصيب واحد، فقد اتفق الأكثرون على عصمتهم عن الخطأ فيه، وجوزه قوم: عن سهو وغلط لا عن تعمد، لكنهم لا يقرون عليه، ثم قيل: ينبهون عليه عن قرب. ومنهم من لا يوجب ذلك بل يجوز بقاؤهم عليه زمنًا طويلًا، لكنه لا يجوز أن ينقرضوا عليه.
ورابعهما: ما كان من باب الأفعال: فما كان منها من الكبائر،
فالأكثرون على أنه لا يجوز أن يصدر منهم كبيرة عن تعمد. لكن اختلفوا: في أن مدركه السمع أو العقل؟
فذهب المحققون منا كالقاضي والغزالي وغيرهما إلى أن مدركه السمع.
وذهب بعض أصحابنا وجماهير المعتزلة: إلى أن مدركه العقل أيضًا كالمسند إلى المعجزة. هذا إذا لم يسنده إلى المعجزة في التحدي، فإن أسنده إليها كان امتناعه عقلياً وفاقًا.
وذهب [بعض] الحشوية: إلى جواز صدور الكبيرة منهم/ (336/ب)، ووقوعها منهم، وأما صدورها منهم على جهة السهو والنسيان، والتأويل فقد جوزه الكثيرون.
وذهب الأقلون وهم الشيعة: إلى امتناعه أيضًا. وأما ما ليس من الكبائر:
فإما أن يوجب الخسة والدناءة لفاعله، كالتطفيف وسرقة باقة من البقل والتميمة أو لا يكون كذلك، كالنظر، واللطمة، والشتم بغير الزنا. فإن كان الأول: فالظاهر اتفاق الأمة على عصمتهم من فعله على جهة التعمد، وأما على جهة السهو والنسيان: فعلى الخلاف السابق في الكبيرة. وإيراد بعضهم يشعر بالخلاف في جهة التعمد أيضًا. وإن كان الثاني: ففيه أربعة مذاهب:
أحدها: جواز صدوره منهم عمدًا وسهوًا، وعليه الأكثرون منا ومن المعتزلة.
وثانيها: عدم جواز صدوره منهم عمدًا "وسهوا"، وهو مذهب الروافض.
وثالثها: عدم جوازه عمدًا، وجوازه من جهة التأويل، وهو مذهب الجبائي.
ورابعها: عدم جوازه عمدًا. ومن جهة التأويل أيضًا، وجوازه سهوًا
وهم مأخوذون بما يقع منهم على هذا الوجه، دون غيرهم، لأن معرفتهم أتم وقوتهم على التحفظ أقوى. فهذه هي المذاهب المنقولة في هذه المسألة.
والمختار: أنه لا تجوز منهم الكبيرة: لا عمدًا ولا سهوًا. وأما الصغيرة فلا تجوز أيضًا عمدًا، ولكن تجوز سهوًا، ومن جهة التأويل، ولكن بشرط أن لا يقرون عليه وينبهون عليه. وأدلة هذه المذاهب مذكورة في الكتب الكلامية، على الاستقصاء ولا حاجة إلى ذكرها في هذا الفن، إذ الباحث فيه يكفيه أن يأخذ المذهب الذي يريد أن يفرع عليه مسلمًا.
فإن قلت: فالقول بوجوب الاقتداء به في مطلق الفعل، أو ندبيته أو إباحته، أو التوقف في هذه الأقسام، مفرع على أي قول من هذه الأقوال.
قلت: يحتمل أن يكون مفرعًا على امتناع صدور الذنب منهم بوجه ما كما هو مذهب الشيعة، ويحتمل أن يكون مفرعًا على القول بجواز صدوره منهم على وجه السهو والنسيان والتأويل، لأنه نادر جدًا والغالب في فعله إنما هو القربة والجواز، فاحتمال الذنب منهم على الندور لا يقدح في القول بوجوب الاقتداء به، أو ندبيته.
فإن قلت: هذا التعليل بعينه يجرى في المفعول على وجه القصد، فهلا فرع عليه أيضًا؟
قلت: لا نسلم، وهذا لأنه يبطل الثقة به عليه السلام فلا يمكن الحكم بالقلة إذ ذاك.