الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
النوع الأول"
في المجمل وما يتعلق به
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
في أقسام المجمل
اعلم أن الدليل إما شرعي، أو عقلي: والشرعي إما أصلى، أو مستنبط منه وهو القياس، والإجمال غير متصور في هذين القسمين: أعني العقل والمستنبط من الشرعي.
والأصلي، إما قول، أو فعل.
والقول: إما مفرد أو مركب.
والمفرد: إما علم "كزيد" المتردد بين الشخصين المسميين به، أو غيره.
وهو إما ظاهر: حكم عليه بالإجمال حال كونه مستعملا في موضوعه، وهو اللفظ الظاهر الذي يتناول معاني كثيرة، لا يجوز الحمل عليها بأسرها لا على وجه التعميم، ولا على وجه البدلية، كما في المطلق.
وهو على قسمين، لأن تناوله لها: إما بحسب خصوصياتها، وهو اللفظ المشترك كالقرء، والمختار، فإنه مشترك بين الفاعل، والمفعول، وقد عرفت أقسامه في بابه.
وأما بحسب معنى مشترك بينهما، وهو المتواطئ كقوله تعالى:{وآتوا حقه يوم حصاده} .
أو حال كونه مستعملا في بعض موضوعه، وهو العام المخصوص، وما يجري مجراه.
إما باستثناء مجهول كقوله تعالى: {وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم} .
أو بصفة مجهولة كقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين} .
فإنه لو لم يكن الحل مقيدا بقوله: {
…
محصنين} كان التعميم معلوما فلما قيده به وهو غير معلوم لنا صار ما هو المراد "منه" مجهولا "لنا".
أو بدليل منفصل، كما إذا قيل في عام، المراد منه البعض لا الكل.
أو حال كونه مستعملا خارج موضوعه، لا في كله، ولا في بعضه، وهو على قسمين لأنه: إما أن يكون مستعملا فيه بطريق النقل إليه، وهو الأسماء المنقولة الشرعية "أي" والمنقولات الخاصة دون العامة، فإن الاشتهار فيها واجب فيما بين أهل العرف، فلا يتحقق فيها الإجمال، أو لا بطريق النقل إليه، بل على وجه التجوز، وهو اللفظ الذي دل الدليل على أن الحقيقة غير مرادة منه وله مجازات عديدة/ (283/ ب) متساوية، فإن اللفظ يكون مجملا بالنسبة إلى تلك المجازات، إذ ليس الحمل على بعضها أولى من حمله على بعضها الآخر، كما هو في المشترك والمتواطئ، فيكون مجملا.
أو غير ظاهر نحو اسم الإشارة المتردد بين أمور يصلح كل واحد منها أن يكون مشارا إليه، ونحو اسم الموصول [المتناول] بصلته أشياء كثيرة،
ونحو الضمير الذي يكون مترددا في عوده إلى الشيء وغير ترددا سويًا، نحو "هو" عندما تقدم عليه ذكر أمور يصلح أن يكون مرجوعا إليه "له" وكذلك الضمير المتصل البارز، فإنه وإن كان لا يتلفظ بدون التركيب "لكن" لا مدخل له في إجماله وما نشاء إجماله من التركيب، لكن لا يجوز الحمل عليهما، لا بطريق المعية، ولا بطريق البدلية، بل يحمل على واحد منهما نحو قوله تعالى:{إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} "فإن قوله: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} " صالح للزوج، والولي وصادق عليهما.
وقد يكون بسبب حرف العطف الذي يصلح أن يكون ما بعده معطوفا على ما قبله، ويصلح أن يكون مبتدأ نحو قوله تعالى:{وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا} ، فإن قوله:{والراسخون} يصلح أن يكون معطوفا، ويصلح أن يكون مبتدأ، وإنما يتعين أحدهما بدليل من خارج.
وقد يكون بسبب التجوز الناشئ من التركيب، كما في النفي الداخل على الشيء الذي علم أنه غير منتفي، فإنه يجب صرف ذلك النفي إلى ما هو المطلوب منه من الصفات، فإذا كان ذلك أمورا عديدة نحو عدل السلطان، وعلمه وقدرته، وشجاعته، لم يمكن صرفه إلى الكل.
أما أولا: "فلأن" كل [ما] هو المطلوب منه غير منفي قطعا.
وأما ثانيا: فلأنه إضمار من غير ضرورة، إذ الضرورة مندفعة بإضمار بعض ملك الصفات فلا حاجة إلى إضمار كلها، ثم ليس البعض أولى من البعض فيتحقق الإجمال، وهذا على رأي بعضهم.
وقد يكون بسبب جميع الصفات وأردافها بما يصلح أن يرجع إلى كلها، أو إلى بعضها نحو قولك: زيد طبيب أديب خياط ماهر، فقولك:"ماهر"
يصح أن يكون راجعا إلى الكل، وإلى البعض فقط، وذلك البعض يصح أن يكون هو الأخير أو غيره.
فإن قلت: هو ظاهر في عوده إلى الكل عند البعض، وإلى الأخير عند البعض الآخر، وعلى التقديرين لا يتحقق الإجمال.
قلت: أليس أنه عند البعض مجمل غير ظاهر في شيء منهما؟
وغرضنا إنما هو/ (284/ أ) تطرق الإجمال في الجملة لا الإجمال المتفق عليه ثم الإجمال في مثل هذا لازم على رأيهم أيضا: إذا دل دليل على أنه لا يرجع إلى الكل أو إلى الأخير.
وقد يكون بسبب أن اللفظ متردد بين جميع الأجزاء، وبين جميع الصفات نظرا إليه، وإن كان أحدهما يتعين بدليل من خارج، نحو قولك: الثلاثة زوج وفرد، فإنه بالنظر إلى دلالة اللفظ لا يتعين أحدهما، وبالنظر إلى صدق القائل يتعين أن يكون المراد فيه جمع الأجزاء، فإن حمله على جميع الصفات، أو على جمعها يوجب كذبه.
وأما الفعل فالاحتمال فيه بالذات، لأنه لا يدل بمجرد على وجه وقوعه
والظهور والقطع في دلالته على وجه وقوعه، إنما هو من دليل خارج فإن اقترن به ذلك كان مبينا وإلا كان مجملا.
مثال الأول: مداومته عليه السلام على الركوع والسجود في الصلاة، فإن مجرد فعلها لا يدل على أنهما من واجبات الصلاة، لكن قرينة المداومة تدل على ذلك، إذ لو كان غير واجب لترك لئلا يعتقد وجوبه، فإن المداومة خصوصا مع قوله:"صلوا كما رأيتموني [أصلي] " يدل على ذلك.
مثال الثاني: تركه التشهد الأول، فإن مجرد تركه لا يدل على أنه ليس من واجبات "الصلاة" لاحتمال أن يكون تركه ناسيا، وإنما يدل عليه أن لو علم تركه متعمداً.