الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما أولا: فلأنه مستقل بنفسه غير محتاج في الدلالة "على كونه بيانا إلى شيء آخر، بخلاف الفعل فإنه محتاج في ذلك" إلى غيره ما عرفت ذلك.
وأما ثانيا: فلأنا لو لم نقدمه في كونه بيانا، فإما أن نقدم الفعل عليه فيه أو لا نقدم واحدا منهما بل يحكم بالتعارض.
والأول: باطل، لأن تقديمه عليه إنما يكون بتقدير تقدمه في الورود، وذلك يستلزم أحد المحذورات، وهو إما الإجمال، أو النسخ أو التخصيص، أو الحكم بخلاف الغالب على ما عرفت ذلك، وتقدير تقدم القول عليه لا يستلزم ذلك فكان أولى.
المسألة الثالثة
] جواز البيان بالأدنى [
ذهب الجماهير إلى أن البيان لا يجب أن يكون كالمبين في القوة، بل
يجوز أن يكون أدنى منه، فيقبل المظنون في بيان المعلوم.
خلافا للكرخي، فإنه قال: إذا كان المبين لفظا معلوما كان بيانه يجب أن يكون كذلك أيضا، ولا يتوهم في حق أحد أنه ذهب إلى اشتراط أنه كالمبين في قوة الدلالة، فإنه لو كان كذلك، لما كان بيانا له، بل كان هو يحتاج إلى بيان آخر، لأن ما يكون كالمجمل في الدلالة لا يكون مبين الدلالة، فيحتاج هو إلى بيان آخر ولزم التسلسل، هذا في بيان المجمل.
وأما في بيان التخصيص والتقييد فالأمر فيه أظهر ضرورة أن المبين هاهنا أظهر دلالة من المجمل، وبيانه يجب أن يكون أظهر دلالة منه ولزم التسلسل بل المراد أنه هل هو كالمبين في قوة المتن حتى لو كان المبين معلوما والبيان مظنونا لا يكون مقبولا عند من يشترط المساواة.
لنا: أنا بينا أنه يجوز تخصيص مقطوع المتن، نحو القرآن، والسنة المتواترة، وتقييده بمظنون المتن، كخبر الواحد والقياس، مع ما بينهما من
المنافاة، فلأن يجوز بيان المقطوع بالمظنون مع عدم المنافاة بطريق الأولى.
وأيضا: فإن كثيرا من مجملات القرآن مبين بالمظنون نحو قوله تعالى:} وآتوا حقه يوم حصاده {بما روى عنه عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بالنضح والدوالي نصف العشر"، وقبلوا حديث المغيرة في المسح، في بيان قوله:} وامسحوا برءوسكم {، وكذا الأخبار التي وردت في صفة الصلاة فإنها أخبار آحاد، وقبلت الأمة ذلك.
واحتج له: بأن البيان يدل على ما لم "يدل" عليه المبين، فيشبه ذلك زيادة على النص والزيادة / (295/ب) على النص نسخ، فوجب أن لا يقبل فيه ما لم يقبل في النسخ.
وجوابه: أن المشابهة من وجه لا توجب المساواة في الحكم إلا إذا ثبت أن ما به المشابهة علة الحكم وهو ممنوع هنا.
سلمنا: ذلك لكن لا نسلم أن الزيادة على النص نسخ- وستعرف] ذلك [إن شاء الله تعالى.
إذا عرفت أن البيان لا يجب أن يكون كالمبين في القوة.
فاعلم أنه لا يجب أيضا أن يكون كالمبين في الحكم.
ونقل عن قوم أنهم قالوا: إن البيان يجب أن يكون كالمبين في الحكم.
والظاهر أن مرادهم من هذا أن المبين إذا كان واجبا كان بيانه واجبا، وإلا فلا، لأنه بيان لشيء واجب فأن ذلك مما لا يحتمله اللفظ بل لبنوا عنه، ولا أنه يدل على ما دل عليه المبين من الحكم، حتى يرد بأنه لم يكن أحدهما حينئذ بيانا للآخر، لأنه إنما يكون أحد الأمرين بيانا للآخر، إذا كان دالا على صفة مدلول الآخر، لأن ذلك ظاهر الفساد، ولا أنه يدل على وجوب ما تضمنه من صفات مدلول المبين أو ندبيته، كما دل المبين على أصل وجوب مدلوله أو ندبيته، وهذا وإن كان أقرب الاحتمالين المذكورين.
واختاره القاضي عبد الجبار بن أحمد، في تأويل ما نقل عنه، لكنه أيضا باطل، لأنه ليس البيان من حيث إنه بيان مشتمل على صفات مدلول المبين، لأن البيان قد يكون بأن يعين أحد مدلوي المجمل ولا يتصور فيه هذا الاحتمال.
ولئن سلم ذلك/ لكن ليس يجب أن يكون في البيان صيغة تدل على وجوب تلك الصفات أو ندبيتها، بل ليس يجب أن يكون فيه إلا ذكر تلك الصفات فبعضها يحتمل أن يكون واجبا، وبعضها ندبا، وليس من شرط بيان الواجب أو الندب أن لا يكون] مشتملا إلا على ذكر الصفات الواجبة أو المندوبة فقط، بل يجوز أن يكون [مشتملا على الواجب والندب معا، ثم يتميز أحدهما على الآخر بدليل آخر، كالأحاديث التي وردت في بيان الصلاة، فإنها مشتملة على ما هو واجب فيها ومندوب، ثم هذا المفهوم الظاهر من كلامهم أيضا باطل، لأنه إن كانت الحاجة داعية إلى بيان المجمل كان بيانه واجبا على الشارع سواء كان مدلوله واجبا أو غير واجب لئلا يلزم تكليف ما لا يطاق، إما بالنسبة إلى العمل والاعتقاد معا أو بالنسبة إلى الاعتقاد فقط، حيث لا تكليف في العمل، كما في الإباحة والندب والكراهية على رأي بعضهم، وأيضا فإن النزاع في أنها هل هي من التكليف أم لا؟ نزاع في التسمية ولا نزاع في أن الندب والكراهة دعاء إلى الفعل والترك، وفي الإباحة إذا / (296/أ) في الفعل والترك فإذا لم يعلم ما إليه الدعاء وكيفية علمه كان الدعاء إليه عبثا غير مفيد، وكذلك إذا لم يعلم ما أذن في فعله وتركه كان الأذن فيه عبثا غير مفيد، وإن لم تكن الحاجة داعية إلى بيانه لم يكن بيانه واجبا، سواء كان مدلوله واجبا أو لم يكن واجباً.