الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فأي صورة ارتسمت في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الأحاديث التي تتحدث عن النبوة والوحي، وعن هذا الغلام اليتيم الأمّي الذي سيكون نبي هذه الأمة!
فما النبوة؟
وما الوحي؟
ومتى؟
وكيف؟
هذه أسئلة من الممكن القريب أن تكون دارت في تفكير الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عائد إلى مكة، وهو يرى أهلها يسبحون في عمياء الوثنيّة الجاهليّة البليدة، وهو يعتزلهم في أعيادهم ومواسمهم، وينأى بجانبه كارهاً مبغضاً لأصنامهم، رائياً لأحوالهم، متعجّباً من ضلال عقولهم!
ولكن هل حظي الرسول صلى الله عليه وسلم من داخل نفسه أو ما يحيط به من عوامل وعوالم بجواب عن هذه الأسئلة؟
ليس في حياته صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت ما يشعر بشيء، سوى أنه وجه إلى لون من الحياة يملؤها الإحساس بعظمة الكون وعظمة مدبّره جل شأنه، والشعور بسلطان قدرته المبسوط على الوجود!
تهافت المستشرقين:
وانتهز المستشرقون والمغرضون هذه الفرصة (1)، فصنعوا من الحبّة قبّة، وأسسّوا عليها بناءً متهاوياً، حيث زعموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تلقى رسالة التوحيد النقيّة، من عالم نصراني، وأغرب من هذا أن أحدهم ألف كتاباً في هذا
(1) السيرة النبوية: الندوي: 118 وما بعدها بتصرف.
الموضوع، أسماه (مؤلف القرآن)!، حاول أن يثبت أن بحيرى قد لقّن الرسول القرآن كله في هذا الوقت القصير! وفاته أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن قد بعث!
وهذا لا يقوله عاقل رزق من سلامة العقل والإنصاف ذرة، فكيف يُعقل أن غلاماً لم يُبعث بعد، قد تلقى وهو في هذه السن من شيخ لا يعرف لغته، ولم يجلس إليه إلا ما يستغرقه وقت الجلوس العابر، المسائل الدقيقة، والتفاصيل العميقة، في نقد عقيدة الشرك، والمسيحيّة الممسوخة في هذا القرن السادس المسيحي، التي لم يهتد إليها كبار النقاد في المذهب البروتستانتي، وكبار المصلحين في العالم المسيحي، والتمييز الدقيق بين عقائد الفرق المسيحيّة وأقوالها، وقد تعرض القرآن الكريم لحوادث لم تحدث إلا بعد ثلاثين أو أربعين سنة، حيث أصبحت عظام بحيرى نخرة .. كاندحار الروم أمام الفرس في الأعوام الأولى من القرن السابع المسيحي (602 - 616) إلى آخر نقطة من تراجع الجيوش، وتقلّص الحكومات، حتى كادت الإمبراطوريّة البيزنطيّة تلفظ نفسها الأخير، وتصبح مستعمرة ساسانيّة حقيرة، وانقطع كل أمل في نهوض الدولة البيزنطية وعودتها إلى أوجها الأول، ثم انتصار الروم البيزنطيّين الرائع، النافي لكل تقدير وتخمين، على الفرس الظافرين المنتصرين، حتى أوغلت الجيوش الروميّة في إيران، وغرزت أعلام الفتح في قلب البلاد، وأثخنت الشعب الإيراني قتلاً وجرحاً، وأهانت المعابد والمقدسات الدينية، وعادت من أسوار العاصمة ظافرة مرفوعة الرأس، وذلك كله في ظرف تسع سنين (1)، وهذا ما أعلنه القرآن بقوله:
(1) انظر: نبوة تتحدى ومعجزة تتحقق: للندوي: مجلة البعث الإِسلامي: عدد 4 جزء 15 رمضان 1390 هـ نوفمبر 1970 م.
وهي نبوة لا يقدر عليها إلا العلم القدير الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي!
ولم يكن شيء أغرب خيالاً، وأبعد منالاً، من هذه النبوة التي أعلنها القرآن عند فرح قريش المشركين بانتصار المجوس المشركين على أهل الكتاب المسيحيّن، وشماتتهم بهزيمة الروم المنكرة، فقال:{وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ} !
والبضع هو ما دون العشر، واستبعدته قريش كل الاستبعاد، حتى قامروا على ذلك استبعاداً له، يقول المؤرخ الإنكليزي (جبون):
(إن محمداً تَنبَّأ حين بلغت فتوح الإيرانيّين أوجها وقمتها، أن الرايات الروميّة سترتفع بالفتح والانتصار في بضع سنين، ولم يكن شيء أبعد عن القياس من هذه النبوة التي أعلنها محمد؛ لأن السنين الاثنتي عشرة الأولى من حكم هرقل كانت تعلن بتمزق الإمبراطوريّة الرومانيّة، ونهايتها القريبة)(1)!
ولكن تحققت هذه النبوة بشكل غريب خارق للعادة، وذلك في سنة 625 م -العام الثاني من الهجرة النبويّة عند غزوة بدر- يقول (جبون):
(1) انظر. تاريخ انحطاط روما وسقوطها: 3: 302 - 303 ط. 1890 م.