الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح، كما جرى لمهلكهم أبرهة، فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء وأخبرهم بما جرى لهم ثم مات (1)!
إنها صورة حسيّة للتمزيق البدني بفعل هذه الأحجار التي رمتهم بها جماعات الطير .. ولا ضرورة لتأويلها بأنها تصوير لحال إهلاكهم بمرض الجدري أو الحصبة!
5 - دروس وعبر:
وخامس ما يطالعنا: العبر المستفادة من التذكير به، وهي كثيرة:
وأول ما توحي به أن الله سبحانه لم يرد أن يكل حماية بيته إلى المشركين، ولو أنهم يعتزون بهذا البيت، ويحمونه ويحتمون به، فلما أراد أن يصونه ويحرسه ويعلن حمايته له، وغيرته عليه، ترك المشركين يُهزمون أمام القوة المعتدية، وتدخلت القدرة سافرة لتدفع عن بيت الله الحرام، حتى لا تكون للمشركين يد على بيته ولا سابقة في حمايته، بحميّتهم الجاهليّة، ولعل هذه الملابسة تُرجِّح ترجيحاً قويًّا أن الأمر جرى في إهلاك المعتدين مجرى السنة الخارقة -لا السنة المألوفة المعهودة- فهذا أنسب وأقرب!
ولقد كان من مقتضى هذا التدخل من القدرة الإلهيّة لحماية البيت الحرام أن تبادر قريشر ويبادر العرب، إلى الدخول في دين الله، حينما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم، وألا يكون اعتزازهم بالبيت وسدانته وما صاغوا حوله من وثنيّة هو المانع لهم من الإسلام!
(1) في ظلال القرآن: 4: 552 بتصرف.
وهذا التذكير بالحادث على هذا النحو هو طرف من الحملة عليهم، والتعجّب من موقفهم العنيد!
كذلك توحي دلالة الحادث بأن الله لم يقدّر لأهل الكتاب - أبرهة وجنوده - أن يحطّموا البيت الحرام أو يسيطروا على الأرض المقدّسة، حتى والشرك يدنّسه، والمشركون هم سدنته. ليبقى هذا البيت عتيقاً من سلطان المتسلّطين، مصوناً من كيد الكائدين، وليحفظ لهذه الأرض حريتها حتى تنبت فيها العقيدة الجديدة حرة طليقة، لا يهيمن عليها سلطان، ولا يطغى فيها طاغية، ولا يهيمن على هذا الدين الذي جاء ليهيمن على الأديان وعلى العباد، ويقود البشريّة ولا يُقاد، وكان هذا من تدبير الله لبيته ولدينه قبل أن يعلم أحد أن خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم قد ولد في هذا العام!
ونحن نستبشر بإيحاء هذه الدلالة اليوم ونطمئن، إزاء ما نعلمه من أطماع فاجرة ماكرة ترف حول الأماكن المقدسة من الصليبيّة والصهيونيّة، ولا تني أو تهدأ في التمهيد الخفي اللئيم لهذه الأطماع الفاجرة الماكرة، فالله الذي حمى بيته من أهل الكتاب، وسدنَتُهُ مشركون، سيحفظه إن شاء الله، ويحفظ مدينة رسوله من كيد الكائدين ومكر الماكرين!
والإيحاء الثالث هو أن العرب لم يكن لهم دور في الأرض، بل لم يكن لهم كيان قبل الإسلام .. كانوا في اليمن تحت حكم الفرس أو الحبشة، وكانت دولتهم حين تقوم هناك أحياناً تقوم تحت حماية الفرس .. وفي الشمال كانت الشام تحت حكم الروم، إما مباشرة وإما بقيام حكومة عربيّة تحت حماية الرومان!
ولم ينج إلا قلب الجزيرة من تحكم الأجانب فيه .. ولكنه ظل في حالة
بداوة، أو في حالة تفكك لا تجعل منه قوة حقيقية في ميدان القوى العالمية .. وكان يمكن أن تقوم الحروب بين القبائل أربعين سنة -كما أسلفنا- ولكن لم تكن هذه القبائل متفرقة ولا مجتمعة ذات وزن عند الدول القوية المجاورة، وما حدث في عام الفيل كان مقياساً لحقيقة هذه القوة حين تتعرض لغزو أجنبي!
وتحت راية الإسلام، ولأول مرة في تاريخ العرب، أصبح لهم دور عالمي يؤدّونه، وأصبحت لهم قوّة دوليّة يحسب لها حساب .. قوة غالبة تكتسح الممالك، وتحطم العروش، وتتولى قيادة البشرية، بعد أن تزيح القيادات الجاهليّة المزيّفة الضالة!
وتحت راية الإسلام ولأول مرة في تاريخهم نسوا نعرة الجنس، وعصبيّة العنصر، وذكروا أنهم مسلمون .. ومسلمون فقط، ورفعوا راية الإسلام، وراية الإسلام وحدها، وحملوا عقيدة ضخمة قويّة يُهدونها إلى البشرية رحمة وبراً بالبشريّة .. ولم يَحملوا قوميّة ولا عنصريّة ولا عصبيّة .. حملوا عقيدة يُعَلِّمون الناس بها، لا مذهباً أرضياً يخضعون الناس لسلطانه، وخرجوا من أرضهم جهاداً في سبيل الله وحده، ولم يخرجوا ليؤسّسوا إمبراطوريّة عربيّة ينعمون ويرتعون في ظلها، ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها، ويُخرجون الناس من حكم الروم والفرس إلى حكم العرب، وإلى حكم أنفسهم!
إنما قاموا ليُخرجوا الناس من عبادة العباد جميعاً إلى عبادة الله وحده!
عندئذ فقط كان للعرب وجود، وكانت لهم قوة، وكانت لهم قيادة .. ولكنها كانت كلها لله وفي سبيل الله، وقد ظلت لهم قوتهم، وظلت لهم