الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خصائص الجزيرة العربيّة
تمهيد:
اقتضت حكمة الله أن تطلع شمس الهداية التي تبدد الظلام، وتملأ الدنيا نوراً وهداية، من أفق جزيرة العرب!
والجزيرة من حيث الاسم -كما نرى- مضافة إلى العرب لا غير، ويطلق عليها (جزيرة العرب)، و (أرض العرب)، و (بلاد العرب)، و (ديار العرب)، ويقال الآن (الجزيرة العربيّة)، و (شبه جزيرة العرب)، و (شبه الجزيرة العربيّة)(1)!
ونذكر خصائصها فيما يلي:
1 - البيت الحرام:
أول ما يطالعنا من خصائص الجزيرة: البيت الحرام، قال تعالى:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران]!
وهنا نبصر تقرير أن البيت الحرام أول بيت وضع في الأرض للعبادة وخصص لها، وجعله الله مباركاً وهدى للعالمين، يجدون عنده الهدى، وفيه آيات بيّنات على أنه مقام إبراهيم، وأنه مثابة الأمن لكل خائف، وليس هذا لمكان آخر في الأرض!
(1) انظر حدودها في: خصائص جريرة العرب: الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد: 15 وما بعدها، دار ابن الجوزي، السعودية، ط. أولى 1412 هـ - 1992 م.
ونبصر البيئة الطبيعيّة للرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم هي الجزيرة العربيّة بوجه عام (1)، سماؤها، وأرضها، شمالها وجنوبها، جبالها ووديانها، نجودها وتهائمها، وبوجه خاص شمال تلك الجزيرة المعروف بأرض الحجاز، وبوجه أخص (مكة المكرمة) من أرض الحجاز!
والتاريخ الطبيعي عرف للجزيرة العربيّة في جملتها خصائص شاملة تشترك فيها جميع أجزائها .. وعرف بعد ذلك خصائص فَصلَت الجنوب عن الشمال .. كما عرف خصائص امتازت بها أرض الحجاز، وخصائص امتازت بها (مكة المكرمة) في موقعها من أرض الحجاز!
عاصرت تلك الخصائص الجزيرة العربيّة مفرّقة بين شمالها وجنوبها آماداً طويلةً، وأحقاباً متعدّدةً، تدخل مع التاريخ في أعماقه البعيدة، حتى تقف معه عند مجاهد العصور التي لم تتبيّن له معالمها، ولم تزل تمخّضها الحوادث، وتدافعها الأحداث، وتمرّ مع الزمن في أطوار طبيعية، حتى تبلورت إلى صورة واحدة مشت بالجنوب إلى الشمال، فمزجته به في خصائصه، حتى صار كأنه هو، جدباً وشظف عيش، وقسوة طبيعيّة، وجفوةَ حياة، وعبوس جو، ولفح سموم، وكثرة تقلّبات، وقلق إقامة، وتطلعاً إلى السماء، رجاء غيث، وتوثّباً في أرجاء الأرض، طلباً لمرعى أو قطرة ماء!
وهي بعد ذلك بيئةٌ تَدَّرِعُ الليل، وتأنس بالوحش، وتستضيء بالنجوم، وتطرب لصوت الرعد، يكتنفها فضاء لا نهاية له، وتظلّها سماء لا تستقر على حال، تصفو مرّة فتلمحُ بالليل نجومها، وتَضْحى بالنهار شمسها، وتَغيم مرّة فيسودّ أديمها، وتتوارى كواكبها، وتحتجب شمسها، ويكفهرّ أفقها، ويتجهّم
(1) محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 1: 40 وما بعدها بتصرف.
منظرها، أكنافُها الجبال، ومسارحها الوديان، لا صناعة تشذِّب من مظاهرها، ولا زراعة ترفِّه من جوّها، وكل الأمل المرجوّ منها مرعى تجود به الطبيعة، لتحيا عليه قطعان من إبل وشاء، عليها قوام تلك البيئة القاسية!
وقد اشتهر ذلك عن الجزيرة العربيّة، حتى عرفه جيرانهم من الفرس والرومان، فزهدوا فيها مع طغيان روح الاستغلال الاستعماري في الدولتين!
هذه الخصائص الطبيعيّة كانت خلاصة ما انتهت إليه الأحداث الضخمة، والحوادث الهائلة، التي انتابت الجزيرة العربيّة في مدى الأحقاب المتوغّلة في مجاهد التاريخ، تجمعت من أرجائها كلها، وتلاقت في شمالها من أرض الحجاز، فكانت -فوق أنها خصائص الجزيرة منذ بدأ انسياح القبائل الجنوبيّة إلى الشمال طلباً للعيش عقب انهيار سد مأرب وتخريب عمران اليمن- هي في الوقت ذاته خصائص بلاد الحجاز منذ عرفها التاريخ!
أما (مكة المكرمة) بلد الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيئته اللصيقة به، فسمّها قرية أو مدينة أو ما شئت من أسماء الأمكنة التي كانت موئلاً لاستقرار قبيل من الناس، يضطربون فيه طلباً لوسائل الحياة والعيش، فيتسع لهم ويعطيهم ما تسمح به طبيعته، ويظهر أن أمر هذه التسمية يرجع إلى العرف ومصطلح الناس، وقد يختلف باختلاف الأزمنة والعصور، والقرآن الكريم أطلق عليها (بلداً)، وسماها مرة (قرية)، ومرة أخرى سماها (أم القرى)، وأصول الاجتماع لا تأبى عليها اسم (المدينة)!
ومهما يكن من أمر ذلك كله، فإنها منذ كانت عاصمة الحجاز من غير منازعة ولا مزاحمة، وإطلاق اسم المدينة عليها أقرب إلى تسمية القرآن لها (أم القرى) وأدنى ما عُرف لها من مكانة واحترام قبل البعثة المحمدية، وأشبه ما صارت إليه في الإسلام من منزلة دينيّة واجتماعيّة!
يقول ابن القيم رحمه الله (1) - عند تفسير قول الله تعالى:
{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68]!
ومن هذا اختياره سبحانه وتعالى من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها، وهي البلد الحرام، فإنه سبحانه وتعالى اختاره لنبيّه صلى الله عليه وسلم، وجعله مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه، من القرب والبعد، من كل فج عميق، فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين، كاشفي رؤوسهم، متجردين من لباس أهل الدنيا!
وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين منه، فقال تعالى:{وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3)} [التين]!
وقال جل شأنه: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1)} [البلد]!
وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها، والطواف بالبيت الذي فيها غيرها، وليس على وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه، وتحط الخطايا والأوزار فيه، غير الحجر الأسود، والركن اليماني!
يروي أحمد وغيره بسند صحيح عن عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو واقف على راحلته بالحزورة من مكة يقول:"والله! إِنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إِلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت"(2)!
(1) زاد المعاد: 1: 46 وما بعدها بتصرف.
(2)
أحمد: 4: 305، وابن عبد البر: التمهيد: 2: 288، والاستذكار: 26: 15 - 16، ويعقوب بن سفيان: المعرفة والتاريخ: 1: 244، والبيهقي: الدلائل: 2: 517 - 518، والترمذي (3925)، وابن ماجه (3108)، والحاكم: 3: 7، 431، وابن حبان (3708).
تلك المدينة التي كانت مسقط رأس الرسول صلى الله عليه وسلم، وموطن أسرته، ووطن قبيلته، وصفها القرآن الكريم على لسان خليل الله إبراهيم عليه السلام في قوله جل شأنه:{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [ابراهيم: 37]!
وهذا أصدق وصف (1)، وأجمع كلمة لخصائصها الطبيعيّة، فكلمة (واد) تصورأتم تصوير وضعها على الأرض، فهي منخفض تحيط به الجبال، وكلمة {غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} تعطيك أن هذا الوادي له طبيعة شحيحة أشد الشح بالماء، فهي لا تكاد تجود به نبعاً، وإذا جادت به غيثاً تفرّق في غير كبير فائدة، وتعطيك نتيجة لذلك جدوبة الأرض، وتعطيك صرامة الجو، ولفح السموم، وهو وصف في جملته يُدْخل على النفس يأساً، قلما أن تجد وسيلة من العيش الرغيد، أو سبباً من أسباب الكسب الربيح، في هذا البلد السجين بين شاهقات الجبال!
بيد أن (مكة المكرمة) بلد الرسول صلى الله عليه وسلم لم تستسلم للطبيعة تحبسها في واديها الأجرد، بين جبالها السود المكفهرّة القاسية، بل تداركتها العناية الإلهيّة، فأهدت إليها (الكعبة) بيت الله الحرام، فصارت بها (مكة المكرمة) بلد الله الحرام، وكان الذي أقام الكعبة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وإبراهيم جد العرب الذي تنتهي إليه مفاخرهم، وإسماعيل أبوهم، وقد تعرّب منذ كان، فلم يعرف غير العرب شعباً، ولا غير الجزيرة وطناً، ولا غير (مكة المكرمة) بلداً، فحفظ الأبناء تراث الآباء، ووعى الأحفاد ذخيرة الأجداد!
وعظّم العرب (الكعبة البيت الحرام) وعظّموا لتعظيمها (مكة المكرمة)
(1) محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 1: 42 بتصرف.
واتخذوها حرماً آمناً يقدّسونه، ويتحاملون فيه المآثم، وينزهونه عن وقوع المظالم، ويؤمنون فيه الخائف، ويجبرون الكسير، وينصرون المظلوم، ويخافون الظلم فيه .. يحجون إليها، ويجتمعون في مواسمها، يتعبدون ويتجرون، ويجلبون إليها الأرزاق والسلع، ويتبادلون ذلك فيما بينهم، فيصدر عنها من وردها بغير ما ورد، ويردها من صدر عنها بغير ما صدر، ثم اتخذوها مناراً لإذاعة مفاخرهم، ومحكمة لتحاكمهم، وملجأ لضعفائهم، وملاذاً يلوذ به أصحاب التبعات والجرائر منهم، ومصدراً لمحالفاتهم وتعهداتهم، ووضعوا لذلك سنناً متبعة لا يحيدون عنها، ونظاماً مأثوراً يأثره الخلف عن السلف، من غيره أو انتهك حرمته فقد جاء بإحدى الكبر!
وهكذا أصبحت (مكة المكرمة) شيئاً آخر، غير كونها وادياً محصوراً بين الجبال، فقد أصبحت متعبد العرب قاطبة، تهفو إليها قلوبهم، تحنثاً فيها وتعبداً بالطواف حول بيتها المحرم، يقدسونها تقديساً لا يفوقه تقديس، ويفدون بيتها المعظم بالمهج والأرواح!
قال الشاعر: محاسنه هولي كل حسن
…
ومغناطيس أفئدة الرجال
قال ابن القيم (1): أخبر سبحانه أنه مثابة للناس، قال تعالى:{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)} [البقرة]!
(1) زاد المعاد: 1: 5 أو ما بعدها بتصرف.
أي يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطراً، بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا اشتياقاً!
لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها
…
حتى يعود إِليها الطرف مشتاقا
فللَّه كم لها من قتيل وسليب وجريح، وكم أنفق في حبّها من الأموال والأرواح، ورضي المحب بمفارقة فلذات الأكباد والأهل، والأحباب والأوطان، مقدّماً بين يديه أنواع المخاوف والمتالف، والمعاطف والمشاق، وهو يستلذّ ذلك كله ويستطيبه، ويراه -لو ظهر سلطان المحبة في قلبه- أطيب من نعم المتحلية وترفهم ولذاتهم!
وليس محباً من يَعُدُّ شقاءه
…
عذاباً إِذا ما كان يَرضَى حبيبُه
وهذا كله سرّ إضافته إليه سبحانه وتعالى بقوله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} [الحج: 26]!
فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته، كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك، وكذلك إضافته عباده المؤمنين إليه كستهم من الجلال والمحبة والوقار ما كستهم، فكل ما أضافه الرب تعالى إلى نفسه، فله من المزيّة والاختصاص على غيره ما أوجب له الاصطفاء والاجتباء، ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلاً آخر، وتخصيصاً وجلاله زائداً على ما كان له قبل الإضافة!
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (1):
كذلك ما خص به الكعبة الحرام من حين بناه إبراهيم، وإلى هذا الوقت من تعظيمه وتوقيره وانجذاب القلوب إليه .. ومن المعلوم أن الملوك وغيرهم يبنون الحصون والمدائن والقصور بالآلات العظيمة البناء المحكم، ثم لا يلبث أن ينهدم ويهان، والكعبة بيت مبني من حجارة سود بواد غير ذي زرع، ليس عنده ما تشتهيه النفوس من البساتين والمياه وغيرها، ولا عنده عسكر يحميه من الأعداء، ولا في طريقه من الشهوات ما تشتهيه الأنفس؛ بل كثيراً ما يكون في طريقه من الخوف والتعب والعطش والجوع ما لا يعلمه إلا الله، ومع هذا فقد جعل الله من أفئدة الناس التي تهوي إليه ما لا يعلمه إلا الله!
وقد جعل للبيت من العز والشرف والعظمة ما أذل به رقاب أهل الأرض، حتى تقصده عظماء الملوك ورؤساء الجبابرة، فيكون هؤلاء هناك في الذل والمسكنة كآحاد الناس!
وهذا مما يعلم بالاضطرار أنه خارج عن قدرة البشر، وقوى نفوسهم وأبدانهم، والذي بناه قد مات من ألوف السنين!
وإذا كان العرب لم ينسوا الله في وثنيّتهم، وأنهم قد أشركوا، فإن السبب يرجع إلى أن الأصل عندهم هو التوحيد، كما تلقوه عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام والذي كان بقيّة مما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب عليهم السلام!
وإذا كانت الإنسانيّة قد عاشت حياتها في حمأة الوثنيّة الهابطة (2)، وإذا
(1) خصائص جزيرة العرب: 47 نقلاً عن الصفدية: 1: 220 - 221.
(2)
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 1: 22 وما بعدها بتصرف.
كان عند كل أمة من أمم الجاهليّة الأولى آلهة شتى تُعبد من دون الله، فإن التاريخ قد استيقظ من غمرات غفلاته، وحزم تراثه وحمله على مناكبه، وسار به في سرعة خاطفة، ميمّماً مشرق الشمس، حتى إذا بلغ (الربوة الحمراء) في فيافي الجزيرة العربيّة، ألقى عن كاهله أثقاله!
والجزيرة العربيّة يومئذ في عزلة موحشة، ونسيان شرود، ولكن ضربات المخاض القاسية التي كانت أناتها بانفراجها عن الحدث الجليل ذكّرت التاريخ بها، فذهب إليها وهو يلهث مكدوداً، وألقى بثقله في أحضانها، على ربوتها في أرض أم القرى، وغطّ في نوم قلق مليء بالرؤى وأضغاث الأحلام، رجعاً لصدى ماضيه السحيق!
وعلى صوت حفيف أقدام خافت في رمال الصحراء تيقّظ من غفوته، وانتبه من غفلته، فانبعث من مرقده متكاسلاً يتمطى ويمسح عن عينيه رماص الكبر، وإذا به مع نفسه وحيداً إلا من طفل في مهده يضغُو من شدة العطش، وإلى جانبه أم رصينة، لهفانة، لا تستقر نظرتها على شيء، حتى على طفلها المتضاغي في مهده، كأنها تخاف أن تنظر إليه .. بيد أنها كانت تنوء تحت وطأة الآلام تعصر قلبها، وتحرق كبدها، كلما حرك الطفل قدميه يفحص بهما رمال الصحراء، كأنه يطلب شيئاً أودعه له فيها حفيظ أمن!
وانفجرت الرمال عن الوديعة، فإذا هي (زمزم) عين لا تغيض!، وصدق إلهام (هاجر) حين قالت لإبراهيم الذي جاء بابنه مع أمّه إلى هذا الوادي الأجرد اليابس، فيما رواه البخاري عن ابن عباس:"آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إِذن لا يضيعنا"!
وحين كانت زمزم عيناً معيناً، شربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك:
"لا تخافوا الضيعة، فإِن هاهنا بيت الله، يبني هذا الغلام وأبوه، وإِن الله لا يضيِّع أهله"(1)!
وعلينا أن نتصور هاجر ومعها طفلها، ولا أنيس ولا جليس، ونتصور نفس الكلمات التي قالتها، حين أراد إبراهيم أن يرجع، ويتركها وطفلها في هذا الوادي، وقد علمت أن ذلك بأمر الله تعالى .. ومن ثم فإن شدة الموقف التي تعجز الكلمات عن تصويرها لا وجود لها ما دام الأمر من الله، والله لا يضيع أهله!
أجل، يا أم إسماعيل: لن يضيّعكما الله، وفي صلب وليدك وديعة الوجود، وهداية السماء إلى الحياة بمن فيها وما فيها!
أجل، يا أم إسماعيل: إن الله تعالى سيجدّد بوليدك صادق الوعد ديباجة الحياة، وسيخلع عليها من جلابيب الفيض السماوي ما يحوّل ظلامها نوراً، وجبالها مآذن، وهضابها منابر للهداية، ووديانها مساجد يتعبّد في محاريبها الموّحدون، وآفاقها مراتع للحريّة الإنسانيّة، يرتفع في مسارحها المؤمنون بقداسة الحياة، وتتفلّق صخورها عن سر الأسرار في هذا الوجود .. عن النور المخبوء في مشكاة كنز الغيب، عن كلمة الحق وأمانته!
صبراً يا أم إسماعيل، إن إبراهيم عليه السلام خليل الله، وله مع ربّه مناجاة، وفي المناجاة أسرار وأسرار، وفي المصافاة أضواء وأنوار، سوف تتفجّر عنها رمال الحياة، كما انفجرت عن زمزم رمال الصحراء!
أجل، يا أم إسماعيل، لقد جيء بك وبوليدك إلى هنا لتؤديا أمانة الله إلى
(1) البخاري: 60 - الأنبياء (3364).
الحياة، في هذا الوادي (الصَّدْيان) لتكون الآية الإلهية أضخم من تراث التاريخ كله، في فلسفته وعلومه ومعارفه، وتجاربه وأنظمته، منذ وعى التاريخ حقيقة الحياة!
وافترّ ثغر (هاجر) عن ابتسامة الرضى، وهي ترى هذا الوادي الأجرد المقفر يجذب إليها لثاماً من الناس، كانوا يقرون به من قبل، فلا يجدون فيه أثراً للحياة!
وشبّ إسماعيل وترعرع بين أطفال (جرهم) وشبابها عربيًّا خالصاً، ولما استوت رجوليّته أصهر فيهم إلى سيّدهم، وجاء إبراهيم خليل الله زائراً ولده، ولقي إسماعيل أباه، وتحدثا حديث حنان الأبوة، ووَلَه البنوة، وأفضى خليل الله إلى ابنه إسماعيل بسرّ الحياة في رمال الصحراء التيَ كان قد أودعه فيها مع أمّه في هذا الوادي الأجرد، ليؤديّا أمانة الله إلى الحياة!
ونبأه بأمر الله في بناء بيته، وقد بوأه الله مكانه من الربوة الحمراء، وبنى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام (الكعبة المشرفة) بيتاً لله تعالى، ليكون رمزاً إلى الحقيقة الكبرى في الوجود .. حقيقة التوحيد في توحيد التوجه إلى الله الواحد الأحد، وتضرّع خليل الله ودعا، وأمّن إسماعيل، أن يجعل الله أفئدة من الناس تهوي إلى ذريته في جوار هذا البيت الحرام:
وهذه ضراعة داعية تنساب من قلب خليل الله إبراهيم، لجوءاً إلى أرحم الراحمين، أن يجعل من هذا الوادي الأفْيَح المقفر اليابس، بلداً عامراً بذريّة
هذا الوليد الذي جاء به إلى هنا وحيداً إلا من أمّه الراضية الوالهة، استجابة لأمر الله تعالى .. ولمّا يعلم الخليل ما كتبه قلم القدر الحكيم في لوح الكون من أسرار تحجبها رمال الصحراء في هذا الوادي .. ولكن إلهام (الخُلّة) في وحي النبوة ألْقَى إليه كلمة الله في رسالة التوحيد .. تلك الرسالة التي حاف عليها تاريخ المجتمع البشري، فلم تجد له في تراثه إلا سمَّ الخياط منفذاً تَنْسرب منه، متسلّلة في مسارب الحياة!
وكانت هذه الضراعة الداعية دعوة عامة، تستهدف الاستقرار والأمن، وجلب الرزق لذرية إسماعيل، وتبرز ما استسر وراء سجُف الغيب من تجليّات وأحداث تجعل من إسماعيل دوحةً تُلقي بظلال أفنانها على جنبات الوادي الأجرد، فتُحيله حياة حيّة خالدة، تهوي إليه الأفئدة من أطراف الأرض، هائمة وَالهةً بحب الحقيقة الكبرى في رمزها العظيم (الكعبة المشرفة)!
واستجاب إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لأمر الله، وطهّرا بيت ربّهما الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً!
طهّراه من رجس الوثنيّة التي أثقلت كاهل التاريخ على طول مسيرته في حياة المجتمع البشري، ونادى إبراهيم في الناس بالحج إلى بيت الله، وأبلغ الله
النداء إلى أهله في عالَمي الغيب والشهود، وأتَوْا من كل فجٍّ عميق، وأوب سحيق، ملبِّين دعوة ربّهم على لسان خليله إبراهيم، يتداولون عصراً بعد عصر، وجيلاً بعد جيل، تحقيقاً لوعد الله بقبول دعاء إبراهيم وإسماعيل!
ونبصر التعبير هنا يرسم مشهد تنفيذ إبراهيم وإسماعيل للأمر الذي تلقياه من ربّهما بإعداد البيت وتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود (1)، يرسمه مشهوداً كما لو كانت الأعين تراهما اللحظة وتسمعهما في آن!
ونبصره يبدأ بصيغة الخبر:
{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} !
وبينما نحن في انتظار بقيّة الخبر، إذا بالسياق يكشف لنا عنهما، ويُرينا إياهما، كما لو كانت رؤية العين .. إنهما أمامنا حاضران، نكاد نسمع صوتيهما:{رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)} !
إنه طلب القبول، هذه هي الغاية، فهو عمل خالص لله، الاتجاه في قنوت وخشوع إلى الله، والغاية المرتجاة من ورائه هي الرضا والقبول، والرجاء في قبوله متعلق بأن الله سميع للدعاء، عليم بما وراءه من النية والشعور!
ونبصر جو الدعاء، كأنما الدعاء يقع اللحظة حاضراً شاخصاً متحركاً .. ونبصو رد المشهد الغائب الذاهب حاضراً يُسمع ويُرى، ويتحرك وتفيض منه الحياة، ونبصر تضامن الأجيال في العقيدة:{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ}
(1) في ظلال القرآن: 1: 114 بتصرف.
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)} [البقرة]!
وماذا في ثنايا الدعاء؟
إنه أدب النبوة، وإيمان النبوة، وشعور النبوة بقيمة العقيدة في هذا الوجود .. وهو الأدب والإيمان والشعور الذي يريد القرآن أن يعلمه لورثة الأنبياء، وأن يعمّقه في قلوبهم ومشاعرهم!
إنه رجاء العون من ربّهما في الهداية إلى الإسلام، والشعور بأن قلبيهما بين أصبعن من أصابع الرحمن، وأن الهدى هداه، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فهما يتجهان ويرغبان، والله المستعان!
ثم هو طابع الأمة المسلمة، التضامن، تضامن الأجيال في العقيدة:{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)} !
وهي دعوة تكشف عن اهتمامات القلب المؤمن، فأمر العقيدة هو الشغل الشاغل، وشعور إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بقيمة النعمة التي أسبغها الله عليهما، نعمة الإيمان، تدفعهما إلى الحرص عليها في عقبهما، وإلى دعاء الله ألا يحرم ذريتهما هذا الإنعام الذي لا يكافئه إنعام، لقد دَعَوَا الله ربهما أن يرزق ذريتهما من الثمرات، ولم ينسيا أن يدعواه ليرزقهم من الإيمان، وأن يريهم جميعاً مناسكهم، ويبيّن لهم عباداتهم، وأن يتوب عليهم بما أنه هو التواب الرحيم!
وتزاحفت القرون والعصور متواثبة، وهي تطوي بساط التاريخ، وتسوق