الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتنمية قدراته الخاصة التي عرفها أيام الرعي صبيًّا، وتدرج في تحمل المسؤوليّة إلى أن يدير تجارة، ويصمد إزاء إغراء الذهب والفضة أميناً لا تلحق أمانته ذرة من غبار .. قديراً على الارتفاع فوق مستويات الإغراء إلى آخر لحظة!
وجاء إسهامه في القضايا الكبرى التي عاشتها مكة آنذاك -كما عرفنا- جاء متنوعاً شاملاً مغطياً شتى مساحات العمل البشري الجماعي، وكأنما أُريد له أن يجرب كل شيء، وأن يسهم عاملاً في كل اتجاه، وأن يتبنى عبر إسهامه في القضايا الكبرى شخصيّة قادرة على التصدي لكل مشكلة .. والإسهام الإيجابي الفعال في كل ما من شأنه يعين حقاً أو يقيم عدلاً، وأعرب عن بداهته المثيرة للإعجاب في حل المشكلات التي تقوم فيها المعتقدات والقيم بدور كبير، وتأتي كبرى التجارب في الحياة، وتقف السيدة التي شاء الله أن تكون سنداً قوياً في السنين الصعبة الطويلة التي تطيش معها ألباب الثائرين!
هكذا تبدو حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة .. سلسلة مترابطة الحلقات والتجارب والخبرات في شتى الجهات:
عائليّة ونفسيّة!
واقتصاديّة وحركيّة!
وسياسيّة واجتماعيّة!
ودينيّة وفكريّة!
البعد الأخلاقي:
أما البعد الأخلاقي في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم المديدة هذه، فيتمثل واضحاً نقيًّا في انسلاخه الحاسم عن كل ممارسات الجاهليّين الباطلة، التي كانت تعج بها
الحياة العربيّة .. بمارسات شتى لا يحصيها العد .. كانت تجري على مسرح الجزيرة العربيّة، ومثلتها مكة ليل نهار .. ويغدو من تعاقبها وتكرارها أن تصبح إلفاً وعادة، ثم تتجاوز هذا إلى أن تصبح مفاخر ومكرمات، يتبارى العرب في الإتيان بالمزيد منها!
والرسول صلى الله عليه وسلم بعيد عن هذا كله، منسلخ منه، خارج عليه، ولقد منحه موقفه النبيل هذا -كما أسلفنا- نظافة وطهراً لم يعرفهما إنسان قط، وعلمه في الوقت نفسه كيف يكون الرفض الحاسم للباطل في شتى صوره وأشكاله، مهما حمل هذا الباطل من تبريرات انتقلت به من كونه إثماً وفسوقاً وفجوراً إلى مرتبة الإلف والعادة، ثم إلى مصاف القيم والمفاخر والمعتقدات!
ولم يبق ثمة إلا البعد الروحي الفكري، وهو أشد الأبعاد ثقلاً وخطراً في حياة الإنسان .. والروايات التي تحدثنا عن انقطاع الرسول صلى الله عليه وسلم بعيداً عن صخب الباطل وضجيجه، حيناً بعد حين، إلى الصحراء وحيداً فريداً، باحثاً مفكراً، الليالي ذوات العدد، كما سنعرف في حديثنا عن أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي .. هذه الروايات تكفي لالتقاط الإشارة الأخيرة الحاسمة المتممة للصورة التي يجب أن نعرفها عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه!
وإذا ما كان الانسلاخ الحاسم عن كل ممارسات الجاهليّة، قد أعطى القدرة العمليّة على الرفض الحاسم لكل ممارسات الجاهليّن الباطلة، فإن البعد الروحي قد أعطى امتداداً نفسيًّا متمماً لا يمكن أن يؤدي دوره الحاسم الكبير بدونه!
إنه امتداد باتجاه الاندماج والاتصال، بمواجهة رفض الجاهليّة وقيادتها وأعرافها وسلطانها .. اندماج بالكون على انفساحه بالعالم الجديد الذي جاء
لكي ينقل البشر إليه بالناموس الذي سيأتي عما قريب لجعل الإنسان في كل زمان ومكان موقناً به، مستمسكاً بمنهجه، مغادراً مواضعه المنحرفة الخاطئة التي ساقته إليها زعامات جائرة، وسلطات مستبدة، وأعراف مليئة بالدنس والرجس، والوحل والخطيئة!
أرأيت كيف كان طريق البناء النفسي، والتكوين العملي بمثابة إرهاص حركيّ حيّ؟!
أرأيت كيف كان الانقطاع، عكساً إزاء طغيان الجاهليّة، وطرداً تجاه يوم الوحي، بمثابة الإرهاص الأكبر، إلى أن هذه الشخصيّة التي ربّتها عناية الله في مدى أربعين سنة، قد غدت على استعداد تام للتلقي؟!
وإزاء هذا الهيكل المرئي من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، يقف عدد من الإشارات والأحداث، لافتاً الأنظار في ذلك الحين، وفي كل حين، إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اصطفاه الله .. وإلى أن تدفق الخير على مضارب القبيلة التي احتضنت محمداً، بعد أيام العسر والجفاف، يوحي فيما يوحي إلى أن مجاعة العالم كله، وجفاف الروح الإنسانيّة، وعسر الحضارة البشريّة في تمخضها الدائم، تنتظر من يعيد توجيهها وصياغتها من جديد فيحيل الجوع شبعاً وريًّا، وجفاف الروح امتلاء وانطلاقاً، وعسر الحركة الحضارية تدفقاً وإبداعاً .. وبشارةً وإنذاراً!
بشارة لكل الذين بعدوا عن دنس الجاهليّة ورجسها، واستعلوا على كل صور الضلال، وآلوا على أنفسهم أن يتحملوا المسؤوليّة، وأن يسيروا في طريق الحق، وأن يسيروا بالناس من عبادة العباد إلى عبادة الله!
وإنذاراً إلى أن هذا العفن الذي يغمر العالم إنما هو من صنع الناس أنفسهم، وأنهم يغرقون إلى أذقانهم بما صنعوا!
وقد يسأل سائل: أتنقدح المعارف المتصلة بالكون وما وراءه، والناس وما يفيضون فيه، في نفوس المرسلين فجأة، دون إعداد سابق أو تهيئة حكيمة؟
والجواب، كلا، فالأنبياء، وإن لم يتعلموا بالطرق والقوانين التي يتعلم بها أمثالنا (1)، لهم من سلامة فكرهم واستقامة نظرهم ما يجعلهم في الطليعة وإن لم يتعلموا بما نعهد من أساليب!
ما العلم الذي تربَّى به النفس؟! أهو حفظ الدروس واستيعاب القواعد والقوانين؟
إن هناك ببغاوات كثيرة تردد ما تسمع دون وعي، ولقد نرى أطفالاً يلقون - بإتقان وتمثيل- خطباً دقيقة لأشهر الساسة والقادة!
فلا الأطفال -بما استحفظوا من كلام هؤلاء- أصبحوا رجالاً، ولا الببغاوات تحولت بشراً .. وقد تجد من يحفظ، ويجادل ويغلب، ولكن العلم في نفسه كعروق الذهب في الصخور المهملة، لا يبعث على خير، ولا يزجر عن شر!
وشبه القرآن اليهود الذين يحملون التوراة ولا يتأدبون بها بالحمير!
إنهم حمّلوا التوراة (2) وكلفوا أمانة العقيدة والشريعة!
(1) فقه السيرة: 70 وما بعدها بتصرف.
(2)
في ظلال القرآن: 6: 3567 بتصرف.
وحملها يبدأ بالإدراك والفهم والفقه، وينتهي بالعمل لتحقيق مدلولها في عالم الضمير وعالم الواقع، ولكن سيرة بني إسرائيل كما عرضها القرآن الكريم، وكما هي في حقيقتها، لا تدل على أنهم قدروا هذه الأمانة، ولا أنهم فقهوا حقيقتها، ولا أنهم عملوا بها، ومن ثم كانوا كالحمار يحمل الكتب الضخام!
صورة زرية بائسة، ومثل سيء شائن، ولكنها صورة معبرة عن حقيقة صادقة!
والذين يعيشون في هذا الزمان، وهم يحملون أسماء وشهادات، ولا يعملون عمل المسلمين، وبخاصة أولئك الذين يقرؤون ولا ينهضون، أولئك مثلهم كهؤلاء، وهم كثيرون!
فليست المسألة مسألة كتب تحمل وتدرس، إنما هي مسألة فقه وعمل!
وهذه الطبائع التي تحمل العلم بهذه الصورة المزرية البائسة، لا تصلح به، إنما تسيء!
وهناك من آتاه الله آياته، ولكنه انسلخ منها، وتعرّى عنها، ولصق بالأرض، واتبع الهوى، فأمسى مطروداً من حمى الله، لا يهدأ ولا يطمئن، نبصر مثله في مشهد حيّ متحرّك، عنيف الحركة، شاخص السمات، بارز الملامح، واضح الانفعالات، يحمل كل إيقاعات الحياة الواقعيّة، إلى جانب العبارة الموحية (1)، ونحن نقرأ قوله الله تعالى:
(1) المرجع السابق: 3: 1396 بتصرف.
إنه مشهد من المشاهد العجيبة، الجديدة كل الجدة على ذخيرة العربيّة من التصوّرات والتصديقات .. إنسان يؤتيه الله آياته، ويخلع عليه من فضله، ويكسوه من علمه، ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع .. ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخاً .. ينسلخ كأنما الآيات أديم له متلبّس بلحمه، فهو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقة، انسلاخ الحيّ من أديمه اللاصق بالكيان؟!
ها هو ذا ينسلخ من آيات الله، ويتجرّد من الغطاء الواقي، والدرع الحامي، وينحرف عن الهدى ليتبع الهوى، ويهبط من الأفق المشرق فيلتصق بالطين المعتم، فيصبح غرضاً للشيطان لا يقيه منه واق، ولا يحميه منه حام، فيتبعه ويلزمه ويستحوذ عليه!
ثم إذا نحن أولاء أمام مشهد مفزع بائس نكد .. إذا نحن بهذا الخلوق لاصقاً بالأرض، ملوّثاً بالطين .. ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب، يلهث إن طورد ويلهث إن لم يطارد!
كل هذه المشاهد المتحرّكة تتتابع وتتوالى، والخيال شاخص يتبعها في انفعال وانبهار وتأثّر .. فإذا انتهى إلى المشهد الأخير منها .. مشهد اللهاث الذي لا ينقطع .. سمع التعليق المرهوب الموحي، على المشهد كله:
ذلك مثلهم!
فلقد كانت آيات الهدى وموحيات الإيمان متلبّسة بفطرتهم وكيانهم وبالوجود كله من حولهم .. ثم إذا هم ينسلخون منها انسلاخاً .. ثم إذا هم أمساخ شائهو الكيان، هابطون عن مكان الإنسان إلى مكان الكلب الذي يتمرّغ في الظن .. وكان لهم من الإيمان جناح يرفون به إلى عليّين، وكانوا من فطرتهم الأولى في أحسن تقويم، فإذا هم ينحطون منها إلى أسفل سافلين!
{سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)}
وهل أسوأ من هذا المثل مثلاً؟!
وهل أسوأ من الانسلاخ والتعرّي من الهدى؟!
وهل أسوأ من اللصوق بالأرض واتباع الهوى؟!
وهل يظلم إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا؟!
من يعرّيها من الغطاء الواقي والدرع الحامي، ويدعها غرضاً للشيطان يلزمها ويركبها، ويهبط بها إلى عالم الحيوان اللاصق بالأرض، الحائر القلق، اللاهث لهاث الكلب أبداً!!
وهل يبلغ قول قائل في وصف هذه الحالة وتصويرها على هذا النحو العجيب الفريد، إلا هذا القرآن الكريم؟!
وهناك الأمثال التي يضيق المقام عن ذكرها، في آيات هذا الكتاب!
وهناك الخرافيّون الذين يغالطون في هذه الحقائق أنفسهم، كأن عقولهم