الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رمقهم، ويستر عورتهم، يرزحون تحت أثقال الضرائب والإتاوات، ويرسفون في القيود والأغلال، ويعيشون عيش البهائم، حتى ترك كثير من المزارعين أعمالهم، أو دخلوا الأديرة فراراً من الضرائب، والخدمة العسكريّة (1)، وكانوا وقوداً حقيراً في حروب طاحنة مدمرة، قامت في فترات من التاريخ، ودامت سنين طوالاً بين المملكة الشرقيّة الساسانيّة والمملكة الغربيّة البيزنطيّة، لا مصلحة للشعب فيها ولا رغبة (2)!
ولا نتحدث عن المجوسيّة، والبوذيّة، والهندكيّة، وغير ذلك مما كان منتشراً في هذا العصر الجاهلي، حتى لا يطول بنا الحديث!
وحسبنا ما ذكرنا من الحديث عن الإمبراطوريّة الإيرانيّة كنموذج؛ لأنها كانت الإمبراطوريّة المقابلة للإمبراطوريّة الرومانيّة الشرقيّة!
7 - {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} :
وفي هذا بيان ضلال عقيدة أهل الكتاب، وأنها تضاهئ عقيدة المشركين من العرب، والوثنيّين من قدامى الرومان وغيرهم، وأنهم لم يستقيموا على
(1) راجع المصدر السابق.
(2)
راجع المصدر السابق: مملكة الشرق ومملكة الغرب: 269 - 333.
العقيدة الصحيحة التي جاءت بها كتبهم، فلا عبرة إذن بأنهم أهل كتاب، وهم يخالفون في الاعتقاد والأصل الذي تقوم عليه العقيدة الصحيحة في كتبهم!
ومن قرأ كتب اليهود والنصارى رأى فيها لقب (ابن الله) قد أطلق (1) على آدم (انظر إنجيل لوقا: 3: 38) وعلى يعقوب، وداود، مع لقب البكر (انظر سفر الخروج: 4: 22، 23، والمزمور: 98: 26، 27) وكذلك على أفرام (انظر نبوة أرمياء: 31: 9)، وعلى المسيح، ولكن مع لقب الحبيب، وأطلق مجموعاً على الملائكة، وعلى المؤمنين الصالحين، وهذا الاستعمال كثير في العهد الجديد، ومنه ما حكاه متى في وعظ المسيح على الجبل (5: 9 طوبى لصانعي السلام؛ لأنهم أبناء الله يدعون)!
وقال بولس في رسالته إلى أهل رومية: (8: 14 لأن كل الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله)!
وجاء في سياق المناظرة بين المسيح واليهود من إنجيل يوحنا ما نصه:
(8: 41 أنتم تعلمون أعمال أبيكم، فقالوا له: إننا لم نولد من زنى، لنا أب واحد، وهو الله: 42 فقال لهم يسوع: لو كان الله أباكم لكنتم تحبوني -إلى أن قال-: 44 أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا)!
وفي هذا المعنى ما جاء في الرسالة الأولى من رسالتي يوحنا:
(3: 9 كل من هو مولود من الله لا يفعل خطيئة؛ لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ؛ لأنه مولود من الله 10 بهذا أولاد الله ظاهرون، وأولاد إبليس)!
وقال جورج بوست في قاموس الكتاب المقدس (2): (الله) اسم خالق
(1) تفسير المنار: 6: 314.
(2)
المرجع السابق: 10: 332 وما بعدها بتصرف.
جميع الكائنات، والحاكم الأعظم، على جميع العوالم، والمعطي كل المواهب الحسنة، و (الله)"روح غير محدود، أزلي غير متغير في وجوده وحكمته وقدرته وقداسته وعدله، وجودته وحقه" وهو يظهر لنا بطرق متنوعة، وأحوال مختلفة، في أعماله وتدبير عنايته (رو: 1: 20) ولا سيما في الكتب المقدسة، حيث يتجلى غاية التجلي في شخصيّته وأعمال ابنه الوحيد المخلص يسوع المسيح .. ثم قال:"طبيعة الله" عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر (مت 28: 19، 2 كو 13: 14) الله الآب، والله الابن، والله الروح القدس، فإلى الآب ينتمي الخلق بواسطة الابن (مز 33: 6، وكو 1: 16، وعب: 201) وإلى الابن الفدى، وإلى الروح القدس التطهير، غير أن الثلاثة أقانيم تتقاسم جميع الأعمال الإلهيّة على السواء، أما مسألة التثليث فغير واضحة في العهد القديم، كما هي في العهد الجديد، وقد أشير إلى هذا الأمر في تك ص 1 حيث ذكر (الله) و (روح الله) (قابل مز 33: 6، ويو: 1: 1، 3) والحكمة الإلهيّة المشخصة (أم ص 8) تقابل (الحكمة) في (يو ص 1) وربما تشير إلى الأقنوم الثاني. وتطلق نعوت القدير على كل أقنوم من هذه الأقانيم على حدته .. ثم قال:
وهذا اللقب يدل على طبيعة المسيح الإلهيّة، كما أن القول بأنه (ابن الإنسان) يدل على طبيعته البشريّة، والمسيح هو ابن الله الأزلي، والابن الوحيد (قابل يو 1801 ، 5: 19 - 26 ، و 9: 35: 38، ومت 11: 27، 16، 21: 37 وآيات أخرى غير هذه في الرسائل) ومع أن المسيح يأمرنا بأن ندعو الله (أبانا) فهو لا يدعوه كذلك، إنما يدعوه (أبي) وذلك إيماء لما هنالك من الألفة العظيمة، والعلاقة الشديدة الكائنة بينهما، مما تفوق علاقته كل علاقة بشريّة،
وإشارة إلى أننا نحن أولاده ليس على سبيل البنوة التي للمسيح ربنا، من قبيل البنوة التي أنعم علينا بها بواسطة التبني والتجديد) ا. هـ بحروفه!
وقد ناقش صاحب المنار رحمه الله هذه الأقوال وفندها (1)!
وقال (2): والجدال عن الأقانيم في اللاهوت ابتدأ في العصر الرسولي، وقد نشأ على الأكثر عن تعاليم الفلاسفة الهيلانيّين، والغنوسطيّين، فإن (ثيوفيلوس) أسقف أنطاقية في القرن الثاني استعمل كلمة (ثرياس) باليونانيّة، ثم كان (ترتليانوس) أول من استعمل كلمة (ترينيتاس) باليونانيّة، ثم كان (ترتليانوس) أول من استعمل كلمة (ترينيتاس) المرادفة لها، ومعناها (الثالوث)!
وفي الأيام السابقة للمجمع النيقاوي حصل جدال مستمر في هذا التعليم، وعلى الخصوص في الشرق، وحكمت الكنيسة على كثير من الآراء بأنها (أراتيكيّة)(3)، ومن جملتها (آراء الأبيونيّين) الذين كانوا يعتقدون أن المسيح إنسان محض، و (السابيليّن) الذين كانوا يعتقدون أن الآب، والابن، والروح القدس إنما هي صور مختلفة، أعلن بها الله نفسه للناس، و (الآريوسيّين) الذين كانوا يعتقدون أن الابن ليس أزليًّا كالأب؛ بل هو مخلوق منه قبل العالم، ولذلك هو دون الأب، وخاضع له، و (المكدونيّين) الذين كون الروح القدس أقنوما!
(1) انظر تفسير المنار: 10: 334 وما بعدها.
(2)
المرجع السابق: 329 وما بعدها بتصرف.
(3)
المراد بالأراتيكية: المبتدعة، من الأرتقة، والأشهر: الهرتقة، وبعضهم يقول: هرطقة، بقلب التاء طاء، وأصله تفخيمها.
وأما تعليم الكنيسة فقد قرره المجمع النيقاوي سنة 325 للميلاد، ومجمع القسطنطينيّة سنة 381 وقد حكما بأن الابن، والروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت، وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب، وأن الروح القدس منبثق من الأب، ومجمع طليطلة المنعقد سنة 589 حكم بأن الروح القدس منبثق من الابن أيضاً، وقد قبلت الكنيسة اللاتينية بأسرها هذه الزيادة وتمسكت بها، وأما الكنيسة اليونانية فمع أنها كانت في أول الأمر ساكتة لا تقاوم، قد أقامت الحجة فيما بعد على تغيير القانون، حاسبة ذلك بدعة!
وعبارة (ومن الابن أيضاً) لا تزال من جملة الموانع الكبرى للاتحاد بين الكنيسة اليونانيّة والكاثوليكيّة، وكتب اللوثريّين والكنائس المصلحة أبقت تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة للثالوث على ما كان عليه من دون تغيير، ولكن قد ضاد ذلك منذ القرن الثالث عشر جمهور كبير من اللاهوتيّين، وعدة طوائف جديدة، كـ (السوسينيانيّين)، و (الجرمانيّن)، و (العموميّين)، وغيرهم .. حاسبين ذلك مضاداً للكتاب المقدس والعقل، وقد أطلق (سويدنبرغ الثالوث) على أقنوم المسيح، معلماً بثالوث، ولكن لا ثالوث الأقانيم، بل ثالوث الأقنوم، وكان يفهم بذلك أن ما هو إلهي في طبيعة المسيح هو الأب، وأن الإلهي الذي اتحد بناسوت المسيح هو الابن، وأن الإلهي الذي انبثق منه هو الروح القدس، وانتشار مذهبي العقليين في الكنائس اللوثيريّة، والمصلحة أضعف مدة من الزمان اعتقاد الثالوث بين عدد كبير من اللاهوتيّين الجرمانيّين!
وقد ذهب (كنت) إلى أن الأب والابن والروح القدس إنما تدل على صفات أساسية في اللاهوت، وهي القدرة والحكمة والمحبة، أو على ثلاثة فواعل عليا، وهي الخلق والحفظ والضبط، وقد حاول كل من (هيجين) و (شلنغ) أن يجعلا
لتعليم الثالوث أساساً تخيلياً، وقد اقتدى بهما اللاهوتيون الجرمانيون المتأخرون، وحاولوا المحاماة عن تعليم الثالوث بطرق مبنية على أسس تخيلية ولاهوتية، وبعض اللاهوتيين الذين يعتمدون على الوحي لا يتمسكون بتعليم استقامة الرأي الكنائسية بالتدقيق، كما هي مقررة في مجمعي نيقية والقسطنطينية المسكونيين، وقد قام محامون كثيرون في الأيام المتأخرة لعضد أراء السابيليين على الخصوص. اهـ!
من هذا العرض المجمل المفيد، نرى أن هؤلاء لا يدينون دين الحق!
ونرى التعقيب القرآني، الذي بدأنا به حديثنا على قول {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} وقول النصارى {الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} يثبت أنهم في هذا يماثلون قول الذين كفروا من قبلي ومعتقداتهم وتصوراتهم:
{ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} !
فهو أولا يثبت (1) أن هذا القول صادر منهم، وليس مقولاً عنهم، ومن ثم يذكر (أفواههم) لاستحضار الصورة الحسيّة الواقعيّة -على طريقة القرآن في التصوير- إذ إنه مفهوم أن قولهم يكون بأفواههم، فهذه الزيادة ليست لغواً -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- وليست إطناباً زائداً، إنما هي طريقة التعبير القرآنية التصويرية، فهي التي تستحضر صورة القول، وتحيلها واقعية، وكأنها مسموعة مرئية!
وذلك فضلاً على ما تؤديه من معنى بياني آخر -إلى جانب إحياء الصورة وإثباتها-، وهو أن القول لا حقيقة له في عالم الواقع، إنما هو مجرد قول بالأفواه ليس وراءه موضوع ولا حقيقة!
(1) في ظلال القرآن: 3: 1640 بتصرف.
وهو ثانياً يثبت جانباً من جوانب الإعجاز في القرآن الكريم، يدل على مصدره الرباني، ذلك قوله جل شأنه:
{يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} !
ولقد كان المفسرون يقولون عن هذه الآية: إن المقصود بها أن قولتهم بنبوة أحد لله، تماثل قول المشركين العرب بنبوة الملائكة لله، وهذا صحيح، ولكن دلالة هذا النص القرآني أبعد مدى، ولم يتضح هذا المدى البعيد إلا حديثاً، بعد دراسة عقائد الوثنيين في الهند، ومصر القديمة، والإغريق. . مما اتضح مع أصل العقائد المحرفة عند أهل الكتاب -وبخاصة النصارى- وتسربها من هذه الوثنيات إلى تعاليم (بولس) أولاً، ثم إلى تعليم المجامع أخيراً!
إن الثالوث المصري المؤلف من (أوزوريس)، و (إيزيس)، و (حورس) هو قاعدة الوثنية الفرعونية، و (أوزوريس) يمثل الأب، و (حورس) يمثل الابن في هذا الثالوث!
وفي علم اللاهوت الإسكندري الذي كان يدرس قبل المسيح بسنوات كثيرة (الكلمة هي الإله الثاني) ويدعى أيضاً (ابن الله البكر)!
والهنود كانوا يقولون بثلاثة أقانيم، أو ثلاث حالات يتجلى فيها الإله (برهما) في حالة الخلق والتكوين، و (فشنو) في حالة الحفظ والقوامة، و (سيفا) في حالة الإهلاك والإبادة .. وفي هذه العقيدة، أن (فشنو) هو (الابن) المنبثق والمتحول عن اللاهوتية في (برهما)!
وكان الأشوريّون يؤمنون بالكلمة، ويسمونها (مردوخ) ويعتقدون أن مردوخ هذا هو ابن الله البكر!