الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جود وسماحة، وحسن تأت، إذا وُجدت القيادة الحكيمة، فإن العربي أنف إلا إذا رأى القائد الحكيم الذي يقوده، ولعل أحسن تصوير للنفس العربيّة ما قاله أمير المؤمنين عمر الفاروق عندما تولى الإمارة، فقد قال رضي الله عنه:
مثل العرب كمثل جمل أنف، فليعلم قائده أين يقوده!
وبذلك يلتقي في العرب عناصر ثلاثة تجعلهم في أهلية الاختيار لموطن الرسالة في المكان اللائق، وفي المقدمة:
العنصر الأول: قوة في النفس تقاوم، ولا تستسلم، واعتبر ذلك في أتباع المسيح الذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا، ولَما حاول تبّع أن يغيرهم ووضعهم في الأخدود، ما نال مأرباً، ولا وصل إلى مبتغى!
العنصر الثاني: صفاء نفسي، وقوةُ مدارك، احتفظوا بها حتى في جاهليتهم، وصدق النفس، والصدق في القول، والعمل الذي يُوَجَّهون إليه!
العنصر الثالث: الأنفة، وألا يطيعوا في ذلة، بل يتبعون في هداية ورشد مختارين، غير مجبرين، ولقد جاءت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، فبدت هذه السجايا، وشقت طريق النور في وسط الظلمات!
4 - صفات العرب:
ورابع ما يطالعنا: صفات العرب، الذين اختارهم الله عز وجل ليتلقوا هذه الدعوة أولاً (1)، ثم يبلغوها إلى الناس؛ لأن ألواح قلوبهم كانت صافية، لم تكتب عليها كتابات دقيقة عميقة، يصعب محوها وإزالتها، شأن الروم،
(1) السيرة النبويّة: الندوي: 44 وما بعدها بتصرف.
والفرس، وأهل الهند، الذين كانوا يتيهون ويزهون بعلومهم وفلسفاتهم، فكانت عندهم عقد نفسية وفكرية لم يكن من السهل حلّها، أما العرب فلم تكن على ألواح قلوبهم إلا كتابات بسيطة خطّتها يد الجهل والبداوة، ومن السهل الميسور محوها وغسلها، ورسم غيرها مكانها!
وبالتعبير العلمي المعاصر كانوا أصحاب (الجهل البسيط) الذي تسهل مداواته، بينما كانت الأمم الأخرى تمثل (الجهل المركب) الذي تصعب مداواته وإزالته!
وكانوا على الفطرة، وأصحاب إرادة قوية، إذا التوى عليهم فهم الحق حاربوه، وإذا انكشف الغطاء عن عيونهم أحبوه واحتضنوه، واستماتوا في سبيله!
يعبّر عن هذه النفسيّة العربيّة خير تعبير، ما قاله سهيل بن عمرو فيما رواه البخاري، حين سمع ما جاء في كتاب الصلح في الحديبيّة -كما سيأتي- من حديث المسور ومروان:
هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله: (والله! لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك)(1)!
وما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
بعث النبي صلى الله عليه وسلم سريّة عيناً، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت -وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب- فانطلقوا، حتى إِذا كان بين عُسفان ومكة، ذُكروا لحيّ من هذيل، يقال لهم: بنو لحِيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام،
(1) البخاري: 54 - الروم (2731 - 2732).
فاقتصّوا آثارهم، حتى أتوا منزلاً نزلوه، فوجدوا معهم نوى تمر تزوّدوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصمٌ وأصحابه، لجؤوا إِلى فَدْ فَدٍ، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إِن نزلتم إِلينا ألا نقتل منكم رجلاً، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمّة كافر، اللهم! أخبر عنا نبيّك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصماً في سبعة نفر بالنّبل، وبقي خُبَيبْ وزيد ورجل، فأعطَوْهُم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إِليهم، فلما استمكنوا منهم حلّوا أوتار قِسِيّهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث معهما: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم، فجروه وعالجُوه على أن يصحبهم، فلم يفعل، فقتلوه، وانطلقوا بخُبيب وزيد، حتى باعوهما بمكة، فاشترى خُبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خُبيب هو قَتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيراً، حتى إِذا أجمعوا على قتله، استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها، فأعارته، قالت: فغفلت عن صبيّ لي، فدرج إِليه، حتى أتاه، فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرفَ ذلك منّي، وفي يده الموسى، فقال: أتخشينَ أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذاك إِن شاء الله!. وكانت تقول: ما رأيت أسيراً قط خيراً من خُبيب. لقد رأيته يأكل قِطف عنب، وما بمكة يومئذ ثمرة، وإِنه لموثق في الحديد، وما كان إِلا رزق رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين. ثم انصرف إِليهم فقال: لولا أن تروْا أن ما بي جزع من الموت لزِدت، فكان أول من سنّ الركعتين عند القتل هو، ثم قال:
اللهم! أحصهم عدداً، ثم قال:
ما أن أبالي حين أُقتل مُسلماً
…
على أي شِقٍّ كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإِله وإن يشأ
…
يبارك على أوصال شلْوٍ ممزّع
ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم ليُؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظُّلة من الدَّبْر، فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء (1)!
وقد قال عكرمة بن أبي جهل حين حمي الوطيس في معركة اليرموك، واشتد عليه الضغط:(قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل موطن، وأفرّ منكم اليوم؟ ثم نادى من يبايع على الموت؟ فبايعه من بايعه، ثم لم يزل يقاتل حتى أثبت جراحاً، وقتل شهيداً)(2)!
وكانوا واقعيّين جادّين، أصحاب صراحة وصرامة، لا يخدعون غيرهم ولا أنفسهم، اعتادوا القول السديد، والعزم الأكيد، يدل على ذلك دلالة واضحة ما رواه أحمد وغيره بإسناد حسن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين، يتَّبع الناس في منازلهم بعكاظ ومَجَنّة وفي المواسم بمنى يقول:
"مَن يُؤويني، مَن ينصرني، حتى أبلِّغ رسالة ربي، وله الجنة"!
(1) البخاري: 64 - المغازي (4086).
(2)
السيرة النبويّة: الندوي 45 - 46، وانظر: تاريخ الطبري: 4: 36.
حتى إِن الرجل ليخرج من اليمن أو مُضر، فيأتيه قومه، فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتِنْك، ويمشي بين رجالهم، وهم يُشيرون إِليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إِليه من يَثْرب، فآويناه وصدّقناه، فيخرج الرجل منّا فيؤمنُ به ويقرئُه القرآن، فينقلبُ إِلى أهله، فيسْلِمون بإِسلامه، حتى لم يبق دُورٌ من الأنصار إِلا وفيها رهطٌ من المسلمين، يظهرون الإسلام، ثم ائْتَمروا جميعاً، فقلنا: حتى متى نتركُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُطرد في جبال مكة ويُخافَ، فرحل إِليه منا سبعون رجلاً، حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شِعْب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين، حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله! نبايعك، قال:"تبايعوني على السّمع والطّاعة، في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله، لا تخافون في الله لومةَ لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إِذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة"!
قال: فقمنا إِليه فبايعناه، وأخذ بيده أسعدُ بن زُرارة، وهو من أصغرهم، فقال: رويداً يا أهل يثرب، فإِنا لم نضرب أكبادَ الإِبل إِلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإِن إِخراجه اليوم مفارقةُ (1) العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تَعضَّكم السيوف، فإِما أنكم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإِما أنكم تخافون من أنفسكم جُبَيْنةً (2)، فبيّنوا ذلك، فهو أعْذر
(1) أي معاداتهم جميعاً، وربما قامت بينكم وبينهم حرب فيقتلون خياركم، وتعمل فيكم سيوفهم.
(2)
أي جبنا.
لكم عند الله. قالوا: أمِط عنّا يا أسعد (1)، فوالله! لا ندع هذه البيعة أبداً، ولا نَسْلِيها أبداً (2)، قال: فقمنا إِليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط يعطينا على ذلك الجنة (3)!
رضي الله عنهم أجمعين!
وقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقد تجلّى هذا الصدق في العزم، والجد في العمل، وروح الامتثال للحق!
أما اليونان والرومان (4)، وأهل إيران، فقد اعتادوا مجاراة الأوضاع، ومسايرة الزمان، ولا يهيجهم ظلم، ولا يستهويهم حق، ولا تملكهم فكرة ودعوة، ولا تستحوذ عليهم استحواذاً يتناسون فيه أنفسهم، ويجازفون فيه بحياتهم ولذاتهم!
وكان العرب بمعزل عن أدواء المدنيّة والترف، التي يصعب علاجها، والتي تحول دون التحمّس للعقيدة والتفاني في سبيلها!
وكانوا أصحاب صدق وأمانة وشجاعة، ليس النفاق والمؤامرة من طبيعتهم، وكانوا مغاوير حرب، وأحلاس خيل، وأصحاب جلادة وتقشّف في الحياة، وكانت الفروسيّة هي الخُلق البارز الذي لا بد أن تتصف به أمة
(1) معناه: أمط عنا يدك، أي: نحّها وأبعدها عنا.
(2)
أي لا نرفضها ولا نتركها.
(3)
أحمد: 3: 322 - 323، والفتح الرباني: 2: 269 - 270، والبزار (1756) كشف الأستار، والبيهقي،: 8: 146، والدلائل: 2: 441 - 443، والحاكم: 2: 625 - 626 وقال: صحيح الإسناد جامع لبيعة العقبة ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال ابن كثير في تاريخه: هذا إسناد جيد على شرط مسلم، وابن حبان (6274، 7012)، وانظر؛ "المجمع: 6: 46.
(4)
السيرة النبويّة: الندوي: 47 وما بعدها بتصرف.
تضطلع بعمل جليل؛ لأن العصر كان عصر الحروب والمغامرات، والفتوة والبطولة!
وكانت قواهم العمليّة والفكريّة، ومواهبهم الفطريّة، مذخورة فيهم، لم تُستهلك في فلسفات خياليّة، وجدال عقيم (بيزنطي)، ومذاهب كلاميّة دقيقة، وحروب إقليميّة سياسيّة، فكانت أمة بكراً، دافقة بالحياة والنشاط، والعزم والحماس!
وكانوا أمة نشأت على الهيام بالحريّة والمساواة، وحب الطبيعة والسذاجة، لم تخضع لحكومة أجنبيّة، ولم تألف الرق والعبوديّة، واستعباد الإنسان للإنسان، ولم تتمرّس الغطرسة الملوكيّة الإيرانية أو الرومانيّة، واحتقارها للإنسان والإنسانيّة، فكان الملوك في إيران -المملكة المجاورة للجزيرة- فوق مستوى الإنسان والإنسانيّة، فكان الملك إذا احتجم، أو فصد له، أو تناول دواء، كان ينادى في الناس ألا يمارس إنسان من رجال البلاط، أو سكان العاصمة عملاً، ويكفوا عن كل صناعة أو ممارسة لنشاط (1)، وإذا عطس فلا يسوغ لأحد من رعاياه أن يدعو له، وإذا دعا أن يؤمّن عليه؛ لأنه فوق مستوى البشر، وإذا زار أحداً من وزرائه أو أمرائه في بيته كان يوماً مشهوداً خالداً، يؤرخ به في رسائله، ويصبح تقويماً جديداً، ويعفى من الضريبة إلى مدّة معيّنة، ويتمتّع باستثناءات أو مسامحات وتكريمات؛ لأن الملك شرفه بالزيارة (2)!
هذا فضلاً عن الآداب الكثيرة التي يتقيّد بها رجال البلاط، وأركان الدولة، وأفراد الشعب، ويحافظون عليها محافظة دقيقة من الوقوف بحضرته،
(1) إيران في عهد الساسانيين: 535 - 536.
(2)
المرجع السابق: 543.
والتكفير له (1)، وقيام كقيام العباد أمام الرب في الصلوات، وهو تصوير حال كانت عليه إيران الساسانية في عهد أفضل ملوكها بالإطلاق، وهو (كسرى الأول المعروف بأنوشروان العادل 531 - 579) فكيف في عهد الملوك الذين اشتهروا في التاريخ بالظلم والعسف والجبروت؟!
وقد كانت حريّة إبداء الرأي والملاحظة فضلاً عن النقد مفقودة تقريباً في المملكة الإيرانيّة الواسعة، وقد حكى الطبري حكايته طريفة عن عهد أفضل ملوكها وأعدلهم (كسرى أنوشروان العادل) تدل كل الدلالة على مدى ما وصل إليه الحكم الإيراني من الاستبداد والحظر على إبداء الرأي الحر، والتعليق الجريء، في البلاد الإيراني، يقول الطبري:
(أمر الملك قباذ بن فيروز في آخر ملكه بمسح الأرض سهلها وجبلها، ليضع الخراج عليها، فمسحت، غير أن قباذ هلك قبل أن يستحكم له أمر تلك المساحة، حتى إذا ملك ابنه كسرى أمر باستتمامها وإحصاء النخل والزيتون والجماجم، ثم أمر كتابه فاستخرجوا جعل ذلك، وأذن للناس إذناً عاماً، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليه الجعل التي استخرجت من أصناف غلات الأرض وعدد النخيل والزيتون والجماجم، فقرأ ذلك عليهم، ثم قال لهم كسرى: إنا
(1) كفر له: خضع، بأن يضع يده على صدره، ويطأطئ رأسه ويتطامن تعظيماً، وكانت عادة متبعة في إيران، ومن هنا شاع هذا التعبير، ودخل في لغة العرب، جاء في لسان العرب (كفر): والكفر: تعظيم الفارسي لملكه: والتكفير لأهل الكتاب: أن يطأطئ أحدهم رأسه لصاحبه، كالتسليم عندنا، وقال في شرح قول جرير:
وإِذا سمعت بحرب قيس بعدها
…
فضعوا السلاح وكفروا تكفيراً
يقول: ضعوا سلاحكم فلستم قادرين على حرب قيس، لعجزكم عن قتالهم، فكفّروا لهم كما يكفّر العبد لمولاه، وكما يكفَر العلج للدهقان، يضع يده على صدره، ويتطامن له، واخضعوا وانقادوا.
قد رأينا أن نضع على ما أحصي من جريان هذه الساحة من النخل والزيتون والجماجم وصنائع، ونأمر بإنجامها في السنة في ثلاثة أنجم، ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال، ما لو أتانا من ثغر من ثغورنا أو طرف من أطرافنا فتق أو شيء نكرهه، واحتجنا إلى تداركه أو حسمه، ببذله فيه مالاً كانت الأموال عندنا معدة موجودة، ولم نرد استئناف اجتبائها على تلك الحال، فما ترون فيما رأينا من ذلك، وأجمعنا عليه؟ فلم يشر عليه أحد منهم بمشورة، ولم ينبس بكلمة، فكرر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات، فقام رجل من عرضهم وقال لكسرى: أتضع أيها الملك -عمرك الله- الخالد من هذا الخراج على الفاني من كرم يموت، وزرع يهيج، ونهر يفور، وعين أو قنا ينقطع ماؤها؟
فقال له كسرى: يا ذا الكلفة المشؤوم! من أي طبقات الناس أنت؟ قال: أنا رجل من الكتاب، فقال كسرى: اضربوه بالدّويّ حتى يموت، فضربه به الكتَّاب خاصة، تبرؤوا إلى كسرى من رأيه وما جاء منه، حتى قتلوه، وقال الناس: نحن راضون (1)!
ولم يكن الرومان يختلفون عن الإيرانيّين كثيراً، وإن لم يبلغوا شأوهم في الوقاحة وامتهان الإنسانيّة وإهدار كرامتها، فقد روى المؤرخ الأوروبي: ...... في كتابه (العالم الروماني) ما ترجمته:
(كانت القياصرة آلهة، ولم يكن ذلك عن طريق الوراثة، بل كان كل من تملك زمام البلاد كان إلهاً، وإن لم تكن هناك أمارة تدل على وصوله إلى هذه الدرجة، ولم يكن لقب (أغسطس) الملوكي المفخم ينتقل من إمبراطور إلى إمبراطور بموجب دستور أو قانون، ولكن لم يكن من شغل مجلس الشيوخ
(1) تاريخ الطبري: 2: 121 - 122، وانظر: إيران في عهد الساسانيين.
الروماني إلا أن يؤكد صحة كل حكم يصدر بحكم السيف، ولم تكن هذه الإمبراطوريّة إلا صورة دكتاتورية عسكرية) (1)!
ولم يكن السجود للملوك نادراً، فقد حكى أبو سفيان بن حرب في القصة التي رواها هرقل قيصر الروم حين بلغه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام وفي آخره:
(فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان قال: ردّوهم عليّ، وقال: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدّتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل)(2)!
أما الهند فقد بلغ فيها إهدار كرامة الإنسان وازدراء الطبقات التي اعتبرها الشعب الآري المحتل للبلاد، والقانون المدني الذي وضعه مشرعوه مخلوقاً خسيساً، لا يتميز عن الحيوان الداجن إلا بأنه يمشي على اثنين، ويحمل صورة الآدمي، وإن كانوا سكان البلاد الأصلين .. بلغوا مبلغاً يصعب تصوره، فقد نص هذا القانون على أنه:
(إذا مد أحد من المنبوذين إلى برهمي يداً أو عصا، ليبطش به، قطعت يده، وإذا رفسه في غضب فرعت رجله (3)، وإذا ادعى أنه يعلمه سقي زيتاً فائراً (4)، وكفارة قتل الكلب، والقطة، والضفدع، والوزغ، والغراب، والبومة، ورجل من الطبقة المنبوذة سواء) (5)!
(1) The Roman world، (London. 1928) P. 418 .
(2)
انظر: البخاري: 1 - بدء الوحي (7)، وكتابنا:(دفاع عن حديث فضائل أبي سفيان رضي الله عنه).
(3)
"منوشا ستر" الباب العاشر.
(4)
المرجع السابق.
(5)
D. C. Dutt Ancientindia، P. 324 ، 343 .
إذا قورن هذا بما اعتاده العرب من الحريّة، وعزة النفس، والاقتصاد في التعظيم والأدب قبل ظهور الإسلام، ظهر فرق هائل بين طبيعة الأمتين: ووضع المجتمعين: العجمي، والعربي، فكانوا يخاطبون ملوكهم بقولهم:
(أبيت اللعن) و (عم صباحاً)، وقد بلغت هذه الحريّة وبلغ ذلك الاحتفاظ بالكرامة بالعرب إلى أنهم كانوا يمتنعون في بعض الأحيان عن الخضوع لمطالب بعض الملوك والأمراء (1)!
ولما دخل المغيرة بن شعبة رسول المسلمين على رستم، وهو في أبّهته وسلطانه، جلس معه -على عادة العرب- على سريره ووسادته، فوثبوا عليه، وأنزلوه، فقال:(كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوماً أسفه منكم، إنا معشر العرب سواء، لا يستعبد بعضنا بعضاً، إلا أن يكون محارباً لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه، ولم آتكم، ولكن دعوتموني)(2)!
ومن ثم كانت الجزيرة العربيّة مهد النبوات -كما أسلفنا-، وكانت مهجر المضطهدين الذين حلّ بهم الأذى، ونزل بهم سوء العذاب!
ومعلوم أن الرسالة أمرها هائل خطير -كما عرفنا-، أمر كوني تتصل فيه الإرادة الأزليّة الأبديّة بحركة عبد مصطفى، ويتصل فيه الملأ الأعلى بعالم الإنسان المحدود، وتتصل فيه السماء بالأرض، والدنيا بالآخرة، ويتمثل فيه الحق الكلي، في قلب البشر، وفي واقع الحياة!
(1) انظر: كتاب "الشعر والشعراء" لابن قتيبة: 36.
(2)
الطبري: 4: 108.
والله عز وجل هو وحده الذي يختار مكان الرسالة، والذين يحملون الرسالة، والذين ينزل عليهم الوحي:{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]!
وقد اختار أرض العرب؛ لأن فيها العرب، والمثلات، والآثار التي تدعو إلى الاعتبار!
وإن كانت في العرب عيوب، فإن الجزيرة لم يجر فيها الذل الذي يفرضه الملوك الذين يفسدون النفوس، ويجعلون أعزة أهلها أذلة، كما قال القرآن حكايته عن ملكة سبأ:{قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34)} [النمل]!
ومن ثم كانت نفوس أولئك الذين لم يعيشوا تحت حكم الملوك في جاهليّتهم، هي التي حملت رسالة العزة والكرامة إلى بقاع الأرض .. وإذا كانوا هكذا فإنهم قد قوّضوا عروش هؤلاء الملوك؛ لأنهم أعداء التحكم الفردي، ومن ثم قوّضوا قصورهم، بعد أن أشربوا حبّ (الدين القيّم)، وحملوا لواءه شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً!
ولو كان لنا اختيار في قوم آخرين، وأرض أخرى، لأعيانا الاختيار؛ لأن هؤلاء العرب أهل عزّة وكرامة، ولأن أرض العرب لا ذلة فيها، وهي أرض الحريّة، وأرض الشجاعة، ولا يحمل دين العزة والإقدام، والعمل الصالح إلا الأحرار الذين يتأبَّون الدنيّة، ويتسابقون في البذل، ويتحمّلون الشدائد، وليس ذلك إلا في العرب، وأرض العرب، ولذلك ما إن انطلقوا بالإِسلام رأيناهم يهدون إليه في غير مواناة، ولا فرار، ولا يأس!
ترى، لو تصورنا أرضاً للنبوة في غير أرض العرب، أتكون أرض
القياصرة، حيث تطامَن العامة لحكم قيصر، وديّثوا له بالصغار نفوسهم، حتى حسبوه من طينة غير طينتهم، وحيث يختلفون في كل شيء، وحيث لا يحكم بينهم إلا الهوى، وحيث العنصريّة الجاثمة على الرؤوس، وحيث رق النفوس لهوى الحكام، والخروج على كل منطق للمساواة الإنسانية!
وإذا لم يكن الرومان، أفتكون أرض الفرس أرض النبوة، وكسرى وقد فرض عليهم المذلة والهوان، وتوزّعتهم سيادة الأشراف، حتى إذا بعدوا عن ذل كسرى، وجدوا ذل الحاشية، ووجدوا أنفسهم يتنقلون في الذل والهوان، وقد لانت نفوسهم، وخنعوا وهانوا أمام الملوك، وهل هؤلاء في ذلتهم هم الذين يحملون دعوة الإسلام إلى العزة؟!
وهل هؤلاء في رقّهم النفسي هم الذين يدعون إلى الكرامة الإنسانيّة التي سجلها القرآن في قوله تعالت حكمته؟: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)} [الإسراء]!
لا يمكن أن تكون دعوة الحق ممن تمرّسوا بالظلم، حتى أمات نخوتهم، أو ممن ألفوا الذلة والخضوع، والهوان والخنوع، حتى لا يستطيعوا الابتعاد عنه، والخروج منه، ولا ممن قنعوا بالحياة الدون، ورضوا بالهون!
ولو تركنا الشرق الأدنى إلى الهند لوجدنا الطبقات قد قَتلت النخوة، ودفعت شعبها إلى الاستسلام للذل!
وهكذا .. شأن الناس، وشأن الأرض في كل القارات!
وعليه؛ فليس لدعوة الحق والعزة والحرية إلا العرب!
ومع هذا، فالوثنيّة العربيّة تزيّن باطلها بطلاء من الحق (1)، ليسهل على النفوس ازدراد ما فيها من مرارة، حيث تزعم الإيمان بإله خلق السموات والأرض، وفي الوقت نفسه تشرك معه آلهة أخرى، هي مزدلف إليه ووسيلة .. ولما كان خلق السموات والأرض بعيداً عن مرأى الأعين، فقد أنس العبّاد المشركون بالآلهة المزعومة القريبة من أيديهم، والتي يتردّدون عليها صباحاً ومساءً، حتى صارت صلتهم بها هي الصلة الوثيقة، وأصبح ذكر هذا الإله المتوسّل إليه بغيره لا يَرد -كما أسلفنا- إلا في معرض الجدال والاعتذار:
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت: 61]!
غير أن هذا التعصب لهذا السخف جاوز الحدود، فأما العامة فهم بُهم، أحلاس ما توارثوا، ما داموا قد فقدوا نعمة العقل المدرك، وعاشوا يهرفون بما لا يعرفون!
وأما الذين أوتوا حظًّا من التفكير، فإن تفكيرهم يرتطم بحدود شهواتهم، وربما كتموا ما عرفوا، بل ربما حاربوا ما عرفوا!
وقليل من الناس من يتجرأ على التقاليد المستحكمة، ويجهر بالحق!
وقد وجد قبل البعثة من نظر إلى وثنيّة العرب نظرة استهزاء، وعرف أن قومه يلتقون على أباطيل مفتراة، ولكنه لم يجد الطريق أو الطاقة على كفهم!
(1) فقه السيرة: الغزالي: 81 بتصرف.
يروي البخاري عن عبد الله بن عُمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيَ زيدَ بن عمرو بن نُفَيل بأسفل أبطح، قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، فُقدِّمت إِلى النبي صلى الله عليه وسلم سُفْرَةٌ، فأبَى أن يأكل منها!
ثم قال زيد: إِني لست آكل مما تذبحون على أصنامكم، ولا آكل إِلا مما ذكر اسمُ الله عليه، وإِن زيد بن عمرو كان يَعيبُ على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله؟ إِنكاراً لذلك وإِعظاماً له!
قال موسى: حدثني سالم بن عبد الله -ولا أعلمه إلا تحدث به عن ابن عمر- أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إِلى الشام، يسأل عن الدِّين ويتّبِعُه، فلقيَ عالمِاً من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إِنِّي لعلّي أن أدينَ دينكم، فأخبرني، فقال: لا تكونُ على ديننا، حتى تأخذَ بنصيبك من غضب الله! قال زيد: ما أفِرُّ إلا مِن غضب الله، ولا أحملُ من غضب الله شيئاً أبداً، وأنى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إِلا حنيفاً! قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دينُ إِبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولا يعبد إِلا الله! فخرج زيدٌ، فلقيَ عالماً من النصارى، فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا، حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله! قال: ما أفِرُّ إِلا مِن لعنة الله، ولا أحملُ من لعنة الله ولا من غضبه شيئاً أبداً، وأنّي أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إِلا أن يكون حنيفاً! قال: وما الحنيف؟ قال: دين إِبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولا يعبد إِلا الله! فلما رأى زيد قولهم في إِبراهيم عليه السلام خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللهم! إِني أشهدك أني على دين إِبراهيم!
وقال الليث: كتب إليّ هشام عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: رأيتُ زيد بن عمرو بن نفيل قائماً مسنداً ظهره إِلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إِبراهيم غيري، وكان يُحيي الموءودة، يقول للرجل إِذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتُلها، أنا أكفيك مُؤْنتها، فيأخذُها فإِذا ترعرعت قال لأبيها: إِن شئت دفعتها إِليك، وإِن شئت كفيتك مؤنتها (1)!
و (زيد بن عمرو بن نفيل) هو ابن عم عمر بن الخطاب بن نفيل، ووالد سعيد بن زيد، أحد العشرة، وكان ممن طلب التوحيد، وخلع الأوثان، وجانب الشرك، لكنه مات قبل البعثة (2)!
وهذا يبيّن مقدار الحيرة التي سادت الدنيا (3)، وغطّت بضبابها الكثيف على الرسالات الظاهرة!
اليهود يشعرون بأنهم مطاردون في الأرض، منبوذون من أقطارها، فعلى الداخل في دينهم أن يحمل وزراً من المقت المكتوب عليهم!
والنصارى وقع بينهم شقاق رهيب رعيب في طبيعة المسيح ووضعه، ووضع أمه، مع الإله الكبير -كما يزعمون- وقد أثار هذا الخلاف بينهم الحروب المهلكة، وقسمهم فرقاً يلعن بعضهم بعضاً!
وكان نصارى الشام الذين سألهم زيد (يعاقبة) يخالفون المذهب الرسمي لكنيسة الرومان، فلا غرابة إذا أشعروا زيداً بما يقع عليه من عذاب لو دخل في
(1) البخاري: 63 - مناقب الأنصار (3826 - 3828).
(2)
انظر: فتح الباري: 7: 177.
(3)
فقه السيرة - الغزالي: 83 بتصرف.
عقيدتهم، أو لعل هذه اللعنة المرهوبة هي تبعات الخطيئة التي اقترفها آدم واستحقها من بعده بنوه كما يدعي ذلك النصارى، وهم يبررون صلب المسيح!
ومن حق زيد أن يدع هؤلاء وأولئك، ويرجع إلى دين إبراهيم عليه السلام يبحث عن أصوله وفروعه!
وإن زيداً من المفكرين القلائل، الذين سخطوا ما عليه الجاهليّة من نكر، وإنه ليشكر على تحريه الحق، ولا يغمط هو ولا غيره المكان اللائق بين قومهم ..
ومن شعره في التوحيد، ما حكاه محمد بن إسحاق والزُّبيرُ بن بكار وغيرهما (1):
وأسلمت وجهي لمن أسلمت
…
له الأرض تحمل صخراً ثِقالاً
دَحَاها فلما استوت شَدَّهَا
…
سواءً وأرْسَى عليها الجِبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت
…
له المُزْنُ تحمل عذباً زَلالا
إِذا هيَ سِيقَت إِلى بلدةٍ
…
أطاعتْ فصبّت عليها سِجالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت
…
له الريح تَصرِفُ حالاً فحالا
* * *
(1) السيرة النبويّة: ابن كثير: 1: 162 وما بعدها.
وروى ابن إسحاق أيضاً:
أربًّا واحداً أم ألفَ ربٍّ
…
أَدين إِذا تقسّمت الأمور
عزلتُ اللَّات والعُزَّى جميعاً
…
كذلك يفعل الجلْدُ الصبور
فلا العُرى أَدينُ ولا ابْنَتَيْهَا
…
ولا صَنَمي بَني عمرو أزور
ولا هُبلاً (1) أَدينُ وكان ربًّا
…
لنا في الدهر إِذ حُلْمي يسير
عجبْتُ وفي الليالي معجباتٌ
…
وفي الأيام يعرفها البصير
بأن الله قد أفْنَى رجالاً
…
كثيراً كان شأنَهم الفُجور
وأبقَى آخرينَ بِبِرّ قومٍ
…
فَيَرْبُل منهم الطفل الصغير
وبينا المرءُ يعثُر ثاب يوماً
…
كما يتَرَوَّحُ الغُصن النضير
(1) الروض الأنف: 1: 257 وفي المرجع السابق: (ولا غنما).
ولكن أعبدُ الرحمن ربِّي
…
ليغفر ذنبي الربُّ الغفور
فتقوى الله ربكمُ احفظوها
…
جمَتَى ما تحفظوها لا تَبوروا
ترى الأبرارَ دارُهم جِنانٌ
…
وللكفار حاميةٌ سعير
وخِزيٌ في الحياة وإِن يَمُوتوا
…
يُلاقوا ما تضيق به الصدور
وقالت أسماء بنت أبي بكر: قال ورقة لزيد بن عمرو:
رَشَدْتَ وأنعمت ابن عمرو وإِنما
…
تَجَنَّبْتَ تنوراً من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله
…
وترك جنان الخبال كما هيا
تقول إِذا جاورت أرضاً مخوفة
…
حنانيك لا تظهر عليّ الأعاديا
حنانيك إِن الجن كانت رجاؤهم
…
وأنت إِلهي ربَّنا ورجائيا