الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والزهد فيما ليس عنده، ويمنع الغلظ والفظاظة، ويشمل العفو عن المسيء، وإقالة عثرته، ويشمل الرد على المسيء بالإحسان، ويشمل تخليص القلب من الإحن، ويشمل الإعراض عن الجاهليّة، وترك المهاترة، والمماراة والمجادلة، ويشمل التيسير وترك التعسير، ويشمل التبشير دون التنفير!
وفي الجملة يشمل تهذيب النفس، وتربية الوجدان، والتآلف مع الناس، والقرب إليهم، والتواضع والرفق بالضعفاء، والقرب منهم، والألم لآلامهم، والسرور لسرورهم، والاندماج فيهم من غير تأثر، ولا تجانف لإثم!
وكل هذا يؤثر في الدعوة إلى الحق، بما لا تؤثر البراهين وضروب الأقيسة!
لقد هيأ الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم ليكون الهادي إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، فوهبه الخلق الكامل، الذي يؤلف القلوب، ويجمع النفوس، إلا من طغى واستكبر، وآثر الهوى على الحق .. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة يحب العشير، ويقرب الصديق، ولا يعنت أحداً بعداوة، بل كان يعفّ عن قول الخنا وفعله، ويبتعد عن الهوى وجموحه، لا يعادي، ولا يصخب، ولا يفحش في قول أو عمل، وهو الصادق، وهو الأمين وهو الذي يعين الكلّ، ويغيث الضعيف، ويعين على نوائب الدهر!
وصف هند بن أبا هالة:
ونقبس من حديث هند بن أبي هالة، وهو ابن أم المؤمنين خديجة -من غير النبي- ما يتصل بخلق الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث قال:
(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، ويؤلّفهم ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كل قوم ويولّيه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير
أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خُلقه (1)، يتفقّد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسّنَ الحسن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، لكل حال عنده عَتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجوزه، الذين يلُونه من الناس خيارهم، أفضلُهم عنده أعمُّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة!
وقال: وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يُعطي كل جُلسائه نصيبَه، لا يحسب جليسُه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه بسطُه وخلقه، فصار لهم أباً وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن (2) فيه الحُرم، ولا تُنْثَى (3) فلتاته، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب!
وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخّاب، ولا فحّاش ولا عيّاب، ولا مدّاح (4)، يتغافل عمّا لا يشتهي، ولا يؤِيس منه، ولا يخيِّب فيه (5)، قد ترك نفسه
(1) شمائل الرسول: ابن كثير: 53 تحقيق الدكتور مصطفى عبد الواحد. دار المعرفة، بيروت.
(2)
تؤبن: تنتهك أو تعاب.
(3)
تنثى: تشاع أو تذاع. والفلتات: جمع فلتة. وهي الزلة. أراد أنه لم يكن لمجلسه فلتات فتثنى: النهاية: 2: 133.
(4)
في البداية: 6: 33 "ولا مزاح".
(5)
في البداية: 6: 33 ولا يؤيس منه (راجيه) وفي الهامش: هذه الزيادة من الشمائل، وفي =
من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً، ولا يعيّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده (1)، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه يستجلبونه (2) في المنطق، ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة فارفدوه (3)، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ (4)، ولا يقطع على أحد حديثه، حتى يجوز فيقطعه بانتهاء (5)، أو قيام!
ويقول: كان سكوته على أربع: الحلم! والحذر! والتقدير! والتفكر! فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس! وأما تذكّره، أو قال تفكّره ففيما يبقى ويفنى!
وجمع له صلى الله عليه وسلم الحلم والصبر، فكان لا يغضبه شيء، ولا يستفزه!
= شمائل الرسول لابن كثير: 54 في الشمائل للترمذي: 2: 145 "ولا يجيبه"، وقد ذكر شارحها الرواية المذكورة، وقال: والظاهر أنه سهو؛ لأن الخيبة مصدر اللازم، ولا يظهر معناه في هذا المقام.
(1)
في شمائل الترمذي: لا يتنازعون عنده الحديث.
(2)
في المرجع السابق: يستجلبونهم، والمعنى يأتون بهم إلى مجلسه ليستفيدوا من أسئلتهم. وفي التيمورية: يستحلونه: البداية: 6: 33 هامش.
(3)
ارفدوه: أي أعينوه بالعطاء والصلة أو بالشفاعة.
(4)
المكافئ: المقتصد في ثنائه المقارب في مدحه، أو المكافئ بالثناء على نعمة أنعمها عليه، لا المبتدئ بالثناء.
(5)
كذا، والرواية في الشمائل: بنهي، ومعنى يجوز: يجاوز الحق.
وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسنى، والقيام لهم فيما جمع لهم الدنيا والآخرة صلى الله عليه وسلم) (1)!
ويقول الشيخ أبو زهرة (2):
ولنقف وقفة في تجزئة ذلك القول البليغ، ودلالته على ما رواءه، مما ينبغي أن تكون عليه أخلاق الداعي إلى الحق، وصاحب الرسالة، وأثر ذلك في الإجابة!
لقد قال بعض الكتاب معدداً الخوارق التي صاحبت الدعوة المحمديّة، فقال: إن أعظم الخوارق التي كانت لمحمد صلى الله عليه وسلم الأخلاق، فكانت في ذاتها أمراً خارقاً للعادة بين بني الإنسان، فهي أعلى من أخلاق الملائكة؛ لأن الملائكة حسنت أخلاقهم بمقتضى كونهم:{لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)} (التحريم)!
وليس فيه روحانيّة عيسى عليه السلام المجردة، بل كانت فيه الروحانيّة الإنسانيّة، بما في الإنسان من مطالب الجسم، وتجرد الروح، فحمد صلى الله عليه وسلم بين الناس الإنسان الذي تتجلى فيه الإنسانيّة الكاملة، وفي طبعه روحانيّة إراديّة، فكل ما فيه من أخلاق للتربية والإرادة دخل في تكوينه، فهو ليس حصوراً، ولكنه عفيف لم يتدل إلى خنا قط، ففضيلته كف للشر، وتجنب له، والعفة من حصور ليست كالعفة ممن له شهوات تغالبه، وأهواء تعاوده، وبمعركة بين القوتين تكون النصرة للعفة، والغلبة للفضيلة، وما يكون الوصول إليه بغلاب يكون أعلى وأنفس، مما يجيء رخيصاً سهلاً!
(1) الحديث رواه الترمذي في الشمائل، والبيهقي في "الدلائل": انظر: شمائل الرسول: ابن كثير: 54 وما بعدها.
(2)
خاتم النبيين: 1: 242 وما بعدها بتصرف.