الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرسول صلى الله عليه وسلم يشهد حلف الفضول (المطيّبين):
وعاش الرسول صلى الله عليه وسلم في مطلع حياته مع قومه، يشاركهم وجدانهم في الخير، ويتجنب الشر ولا ينغمس فيه، فهو يعقل ما يتفق مع الفطرة المستقيمة التي فطره الله عليها، والمنهاج القويم الذي هداه الله تعالى إليه، وأدبه بأدبه!
ومن ذلك حلف الفضول (المطيّبين) الذي قال فيه ابن كثير: أكرم حلف سُمِع به، وأشرفُه في العرب (1)!
وقد كان ذلك الحلف والنبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ العشرين (2)، وقالوا: إنه كان بعد حرب الفجَار بأربعة أشهر، وأن الفجار كان في شعبان من هذه السنة (3)!
وكاَن سببه أن رجلاً من زبيد قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل، فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف: عبد الدار، ومخزوماً، وجمحاً، وسهماً، وعدي بن كعب، فأبوا أن يعينوا على العاص ابن وائل، وزبروه -أي انتهروه- فلما رأى الزبيدي الشر أوفى على أبي قبيس عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فنادى بأعلى صوته:
يا آل فِهر لمظلوم بضاعته
…
ببطن مكة نائي الدار والنفر
وَمُحْرِمٍ أشعثٍ لم يَقضِ عُمرته
…
يا للرجال وبين الحِجر والحَجَر
(1) السيرة النبوية: 1: 259.
(2)
انظر: السيرة النبوية الصحيحة: 1: 112، والسيرة النبوية: الذهبي: 30.
(3)
السيرة النبوية: ابن كثير: 1: 258 وما بعدها.
إِن الحرام لمَنْ تَّمت كرامتُه
…
ولا حَرَام لثوبِ الفاجِر الغَدِر
فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مَتْرك!
فاجتمعت هاشم، وزهرة، وتيم بن مُرَّة، في دار عبد الله بن جُدعان فصنع لهم طعاماً، وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونُنَّ يداً واحدة مع المظلوم على الظالم، حتى يُؤَدَّى إليه حقه ما بَلّ بَحْرٌ صوفةً، وما رسَا ثَبيرٌ وحِراء مكانهما، وعلى التآسي في المعاش!
فسمّت قريش ذلك الحلف (حلف الفضول)، وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فَضْل من الأمر. ثم مشوا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزَّبيدِي، فدفعوها إليه!
وقال الزبير بن عبد المطلب في ذلك:
حَلَفْتُ لنَعقدنْ حِلفاً عليهم
…
وإِن كنا جميعاً أهلَ دارِ
نُسمِّيه الفضول إِذا عَقَدنا
…
يعز به الغريبُ لذي الجوارِ
ويعلمُ مَنْ حوالي البيت أنَّا
…
أباةُ الضيم نمنع كل عارِ
وقال الزبير أيضاً:
إِن الفضول تعاقدوا وتحالفوا
…
ألا يقيم ببطن مكة ظالمُ
أمرٌ عليه تعاقدوا وتواثقوا
…
فالجارُ والْمُعْتَرُ فيهم سالمُ
وقد شهد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحلف، وأثنى عليه حين ذكره في الإِسلام!
يروي أحمد وغيره بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "شهدت حلف المطيّبين، مع عمومتي، وأنا غلام، فما أحب أن لي حمْر النعم، وإني أنكثه"(1)!
والمطيّبون: هاشم، وأمية، وزهرة، ومخزوم، وهو تحالف على التناصر، والأخذ للمظلوم من الظالم، ورد الفضول إلى أصحابها .. (2)!
وأمثال العاصي في ميدان التجارة والسياسة وأكل أموال الناس كثير .. والرسول صلى الله عليه وسلم أولى الناس بخصومتهم .. وأولى الناس بالرسول صلى الله عليه وسلم من أعان عليهم!
ترى، هل فقه أتباع خاتم النبيّين ذلك في عصرنا الحاضر؟! اللهم! وفق!
(1) أحمد: 1: 190، والبخاري: الأدب المفرد (567)، والحاكم: 2: 220، والبيهقي: 6: 366، والدلائل: 2: 37، 38، وابن حبان (4373)، وانظر: المجمع: 8: 172، وابن عدي: الكامل: 4: 1610، وأبو نعيم: معرفة الصحابة (495)، والبزار (1000)، وأبو يعلى (845، 844).
(2)
انظر: أحمد (1655) تحقيق أحمد شاكر، والنهاية: 1: 449 - 450، والمعجم الوسيط (طيب)، والطبقات: 1: 128 - 129، وعيون الأثر: 1: 46 - 47.