الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحيوانات التي لجلودها بعض الأهمية التجارية، وقد ترتب على نشاط عمليات الصيد في هذه المناطق وتحويل كثير من أراضيها للزراعة أن أخذت أعداد الحيوانات البرية فيها في التناقص مما حدا ببعض الدول الواقعة في مناطق السفانا والغابات المدارية إلى أن تحدد مناطق خاصة تحيا فيها الحيوانات البرية حياتها الطبيعية ويقيد فيها صيدها، وتوجد بعض هذه المناطق في السودان وكينيا وغيرها من الدول الإفريقية، وهذه هي المناطق التي تعرف باسم Game Reserves.
14-
2- 2- 2-
الإستبس "حشائش العروض المتوسطة
":
وصفها وتوزيعها الجغرافي:
كان اسم الإستبس يطلق بمعناه الأصلي على الحشائش التي تغطي مساحات واسعة في داخل القارات في العروض المتوسطة، ولكنه أصبح في الوقت الحاضر يضم كذلك نطاقات أخرى من الحشائش الموجودة في العروض المدارية بين نطاقات السفانا من ناحية والصحاري الحارة من ناحية أخرى، وقد سبق أن أوضحنا ذلك عند شرح التقسيم المناخي الذي اقترحه كوبن، وسيكون كلامنا هنا مركزًا على حال على إستبس العروض المتوسطة، وهي في الواقع أعظم مناطق الإستبس اتساعًا وأهمها من حيث تنوع مظاهر استغلالها الاقتصادي في الوقت الحاضر، وهي تتميز بأن حشائشها أقصر وأكثر اخضرارًا وليونة من حشائش السفانا والإستبس الحار مما يجعلها أصلح منها لتغذية الماشية.
ومن الناحية المناخية نلاحظ أن مناخ السفانا والإستبس كلاهما قاري وأن أمطارهما تسقط في نصف السنة الصيفي، ألا أن أمطار الإستبس أقل نوعًا ما من أمطار السفانا، فبينما يبلغ معدل أمطار السفانا حوالي 100 سنتيمتر أو أكثر نجد أن معدل أمطار الإستبس يندر أن يزيد على 75 سنتيمترًا، وفيما يختص بدرجة الحرارة نجد أنها يندر أن تنخفض في أقاليم السفانا عن 21 ْمئوية في أي شهر من الشهور، أما أقاليم الإستبس فعلى الرغم من أنها تكون شديدة الحرارة في فصل الصيف فإنها تكون شديدة البرودة في فصل الشتاء الذي
ينخفض المعدل اليومي لدرجة الحرارة في أثنائه إلى أقل من 6 ْم، وقد ينخفض في بعض الجهات إلى ما دون درجة التجمد فيتغطى سطح الأرض بالجليد، وفي هذا الفصل تجف معظم الحشائش وتموت نهائيًّا أو تبقى في حالة سكون حتى بداية الفصل الدافئ الذي يتفق مع فصل سقوط الأمطار.
وتتباين الحشائش المعتدلة في كثافتها من جهة إلى أخرى على حسب كميات الأمطار، وعلى هذا الأساس يقسم بعض الجغرافيين1 المناطق التي تنمو فيها الحشائش إلى نوعين: هما
1-
البراري ويقصد بها المناطق التي تنمو بها حشائش كثيفة مرتفعة تختلط بها أحيانًا بعض الأشجار، وتتراوح كمية المطر السنوي فيها ما بين 75 و100 سنتيمتر، ومن أحسن الأمثلة عليها تلك المنطقة المعروفة باسم البراري في وسط أمريكا الشمالية.
2-
الإستبس ويقصد بها المناطق التي تغطيها حشائش فقيرة نسبيًّا، ويكون ذلك في الأقاليم التي تتراوح أمطارها بين 25 و50 سنتيمترًا، وهي تخلو تمامًا من الأشجار، وفي بعض هذه المناطق يتغطى سطح الأرض بخصل أو مجموعات متفرقة من الحشائش شكل "121"، بينما ينمو في بعضها الآخر غطاء متصل من الحشائش القصيرة.
شكل "121" حشائش الإستبس
1 finch، V.C. & Rtewatha، C. "physical elements of geography" 3 rd ed. 1949 p.
وتغطي الحشائش المعتدلة مساحات واسعة من القارات المختلفة، ففي أوراسيا نجد أنها تنتشر في معظم دول شرق أوروبا وجنوب روسيا وغرب آسيا، وهي تتدرج من إقليم الغابات النفضية في الغرب ومن إقليم الغابات الصنوبرية في الشمال، وتتناقص كثافتها كلما اتجهنا شرقًا تبعًا لتناقص الأمطار حتى تنتهي في صحاري وسط آسيا، ولكنها تعود للظهور مرة أخرى في منشوريا، وهي تظهر فضلًا عن ذلك في مساحات واسعة نسبيًّا في بعض دول حوض البحر المتوسط خصوصًا في إيطاليا وإسبانيا. وفي إفريقية نجد أنها تنمو في القسم الجنوبي من هضبة إفريقية الجنوبية إلى الشرق من صحراء كلهاري، ومنها الحشائش التي تنمو على هضاب الفلد والتي اشتهرت باسمها هذه الهضاب. وفي أستراليا تنمو هذه الحشائش في السهول الوسطى في حوض نهر مرى - دارلنج، وتتناقص كثافتها كلما اتجهنا غربًا حتى تنتهي في النطاق الصحراوي الذي يشمل معظم وسط القارة، وإذا انتقلنا إلى العالم الجديد نجد أنها تشغل معظم السهول الوسطى في الولايات المتحدة وجنوب كندا، وتتناقص كثافتها كلما اتجهنا غربًا تبعًا لتناقص الأمطار، ولهذا فمن الممكن أن نقسمها إلى قسمين هما:
1-
إقليم البراري في وسط الولايات المتحدة وجنوب كندا، وهو يمتاز بعلو حشائشه وكثافتها وكثرة الأزهار التي توجد بها، ويعتبر خط طول 100 ْغربًا الحد الغربي لهذه الأقاليم على وجه التقريب.
2-
إقليم الإستبس الذي تعطيه حشائش فقيرة نسبيًّا، ويمتد إلى الغرب من ذلك حتى ينتهي عند المنحدرات الشرقية لجبال روكي.
ولكن يلاحظ أن مساحات واسعة من منطقة الحشائش المعتدلة في جميع القارات تقريبًا قد حولت إلى حقول زراعية لإنتاج بعض الغلات التي من أهمها الحبوب الغذائية مثل القمح.
القيمة الاقتصادية:
ليس من شك في أن مناطق الحشائش المعتدلة تعتبر في الوقت الحاضر أعظم مناطق إنتاج اللحوم في العالم، بل إنها أصبحت كذلك أعظم مناطق إنتاج القمح وبعض الحبوب الغذائية الأخرى وقد ساعد على ذلك
عدة عوامل أهمها:
1-
اعتدال مناخها وملاءمته لنمو الحشائش والمحاصيل الزراعية.
2-
عظم صلاحية حشائشها لتغذية الماشية والأغنام.
3-
وجود معظمها في دول متحضرة يمكنها أن تحسن استغلالها.
4-
جودة التربة في معظم مناطقها.
وقد ترتب على قرب مراعي أوروبا وأمريكا الشمالية، من مراكز الصناعة وازدحام السكان بالقارتين، وشدة الحاجة إلى الحبوب الغذائية أن تحولت مساحات واسعة منها إلى حقول زراعية ففي الولايات المتحدة مثلًا نجد أن معظم البراري التي في القسم الشرقي من السهول الوسطى أصبحت في الوقت الحاضر من أعظم مناطق إنتاج القمح والذرة في العالم، وقد بدأت الزراعة تنتشر في هذه السهول منذ أواخر القرن الثامن عشر، فقد كان سكان البلاد القليلون وقتئذ ينتشرون في الولايات الشرقية بالقرب من ساحل المحيط الأطلسي.
وكان رعي الماشية موجودًا جنبًا إلى جنب مع الزراعة في نفس هذه الولايات، إلا أن السكان أخذوا في التزايد بسرعة وترتب على ذلك أمران هما:
أولًا: زيادة الاهتمام باستغلال أراضي الولايات الشرقية للإنتاج الزراعي، فأخذت المناطق التي كانت مخصصة لرعي الماشية في التناقص حتى اختفت حرفة الرعي تمامًا من هذه الولايات.
ثانيًا: هاجر الرعاة نحو الغرب إلى السهول الوسطى، إلا أن التوسع الزراعي ما لبث أن امتد إلى هذه السهول أيضًا مما أدى إلى تزحزح حرفة الرعي مرة أخرى نحو الغرب حتى استقرت في نطاق الإستبس في القسم الغربي من السهول الوسطى وعلى الهضاب شبه الجافة إلى الشرق من جبال روكي مباشرة، ونظرًا لأن هذه المراعي فقيرة نسبيًّا فإن المواشي التي تربى عليها تكون غالبًا هزيلة، ولذلك فإنها تنقل إلى المناطق الزراعية في الشرق حيث تعلف على الذرة فترة من الوقت لتسمينها قبل ذبحها.
وما حدث في أمريكا قد حدث ما يشبهه إلى حد كبير في أوروبا، حيث حولت كثير من مناطق الرعي في وسط وشرق أوروبا إلى حقول زراعية ولهذا
فقد تزحزحت حرفة الرعي نحو الشرق وأصبحت تتمركز في الوقت الحاضر في مراعي وسط وغرب آسيا، بينما أصبحت أوكرانيا وجنوب روسيا من أعظم مناطق إنتاج القمح في العالم.
أما أمريكا الجنوبية وإفريقية وأستراليا فإن نسبة ما حول من مناطق الحشائش المعتدلة فيها للإنتاج الزراعي لا تزال أقل منها في أوروبا وأمريكا الشمالية ولا تزال حرفة الرعي هي السائدة في كل منها.
وأهم الحيوانات التي تربى في المراعي المعتدلة هي الأبقار والأغنام، وترعى الأبقار عادة في مناطق البراري الغنية، أما الأغنام فترعى في المناطق الفقيرة نسبيًّا، وتشتهر مراعي أستراليا ونيوزيلندة بصفة خاصة بتربية الأغنام التي تربى غالبًا من أجل الصوف، الذي تعتبر أستراليا أكبر الدول المصدرة له في العالم، أما مراعي الأرجنتين وأمريكا الشمالية فتسود تربية الماشية على تربية الأغنام، وتعتبر الخيول كذلك من حيوانات المراعي المعتدلة، وتكثر تربيتها بصفة خاصة في مراعي آسيا.
الحيوانات غير المستأنسة:
بصرف النظر عن الحيوانات المستأنسة التي سبق ذكرها والتي تربى لأغراض اقتصادية، يلاحظ أن مناطق الحشائش تعتبر موطنًا لأنواع متعددة من الحيوانات التي يشترك أغلبها في صفات معينة تمكنها من تحمل الظروف الطبيعية السائدة فيها، ومن أهمها جفاف فصل الشتاء وشدة برودته وفقر الحياة النباتية في أثنائه، ولهذا فإن بعض الحيوانات يضطر للهجرة إلى مناطق أخرى، بينما يضطر البعض الآخر للاعتكاف والراحة التامة في مساكنه حتى يحل فصل الدفء.
وتميل معظم حيوانات هذه المناطق سواء في ذلك الطيور أو الحيوانات الثديية إلى أن تعيش في مجموعات وأن تهاجر في مجموعات كذلك، وكثيرًا ما تضطر للانتقال إلى أماكن بعيدة جدًّا هربًا من البرودة الشديدة أو بحثًا عن الماء في فصل الشتاء وتغير في أثناء انتقالها على المناطق الزراعية التي تصادفها.