الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثًا: إن لم يمكن التأويل؛ فإنْ نصَّ العالم في أحد الرأيين على الرجوع عن الرأي الآخر؛ علم أن الرأي الثاني هو رأيه؛ وإن لم ينص العالم على ذلك بحث عن تاريخهما وعمل بالمتأخر، وعلم أن الأول مرجوع عنه؛ فإن لم يعلم التاريخ وجب سبر المذهبين -أي: النظر في دليلهما قوة ودقة- كما وجب البحث عن حال القولين قوة وضعفًا؛ فإن كان أحدهما أقوى نسب إليه أنه قوله إحسانًا للظن به وأن الآخر مرجوع عنه؛ فإن تساويا في القوة وجب أن يعتقد أنهما رأيان له.
فيما رجحت به لغة قريش على غيرها، والترجيح بين مذهبي البصريين والكوفيين
فيما رجحت به لغة قريش على غيرها:
إن العرب كانت تحضر مواسم الحج كل عام، وكانت قريش قائمة على أمر البيت الحرام؛ فكانوا يسمعون لغات جميع العرب؛ فيستحسنون ويستقبحون؛ فما استحسنوه من كلام العرب تكلموا به وما استقبحوه تركوه؛ فصاروا أفصح العرب لسانًا؛ لأن لغتهم قد خلت من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ، وقد ذكر علماء العربية كثيرًا من اللغات العربية ووصفوها بالرديء والمذموم ونحوهما من الألقاب التي تدل على استبشاعهم إياها وذكروا أن لغة قريش قد خلت من ذلك كله.
ومما خلت منه لغة قريش:
- الكشكشة: وهي إلحاق كاف المخاطبة المؤنثة شينًا؛ فيقولون: رأيتكِش، والمراد: رأيتكِ، وقد كانت هذه اللغة في ربيعة ومضر.
- والكسكسة: وهي إلحاق كاف الخطاب للمؤنث سينًا عند الوقف؛ فيقولون: أعطيتكِس، وهي لغة هوازن.
- والعنعنة: وهي جعل الهمزة المبدوء بها عينًا؛ فيقال في أنك: عَنَّك، وقد كانت هذه اللغة في قيس وتميم.
- والعجعجة: وهي جعل الياء المشددة جيمًا؛ فيقولون في النسب إلى تميم: تميمجّ، وهي لغة قضاعة، وقد خلت قريش من ذلك كله وغيره مما عيبت به اللغات الأخرى؛ فرجحت على باقي لغات العرب.
وننتقل الآن إلى الحديث عن: الترجيح بين مذهبي البصريين والكوفيين:
إن البصريين هم أئمة النحو، وقد شغلوا به نحو قرن من الزمن، والكوفة مشغولة عنه برواية الأشعار والأخبار، وقد وصف البصريون بأنهم أصح قياسًا؛ لأنهم لا يلتفتون إلى كل مسموع ولا يقيسون على الشاذ، كما وصف الكوفيون بأنهم أوسع رواية لأنهم أكثر اطلاعًا على أشعار العرب.
وقد ذكر السيوطي أن أبا حيان قد رجح مذهب الكوفيين على البصريين في مسألة العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار؛ إذ منعه البصريون وأجازه الكوفيون؛ لأنه قد ورد في كثير من الكلام العربي الفصيح، ومنه قول الشاعر:
فاليوم قرَّبت تهجونا وتشتمنا
…
فاذهب فما بك والأيامِ من عجب
وقد ذكر أبو حيان علة جواز ذلك بقوله: الذي يختار جوازه لوقوعه في كلام العرب كثيرًا نظمًا ونثرًا، ومعنى ما ذكره: أن الدليل هو الذي يرجح مذهبًا من المذاهب على آخر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.