الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفرس؛ لأنك تقول: جاءني رجل؛ فلا يختص بواحد من النوع، ثم تدخل عليه حرفًا يخصه بواحد معين، تقول: جاءني الرجل الذي تعلم؛ فيصير بحيث تضع اليد عليها؛ فقد تقرر المشابهة بين الاسم وهذا النوع من الفعل، من حيث: إنك أزلت الشياع في كل واحد منها بحرف أدخلته على أوله.
والوجه الثاني: دخول لام الابتداء على الفعل المضارع كما تدخل على اسم الفاعل: تقول: إن زيدًا ليقاتل؛ كما تقول: إن زيدًا لمقاتل؛ قال الله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (النحل: 124).
والوجه الثالث: أن الفعل المضارع توصف به النكرات؛ كقولك: مررت برجل يقوم، كما يكون اسم الفاعل صفة للنكرات تقول: مررت برجل قائم.
والوجه الرابع: أن الفعل المضارع يشبه اسم الفاعل ويساويه في حركاته وسكناته، مثل: ضارب ويضرب، ومكبر ويكبر
…
ونحو ذلك.
إن الاسم يستصحب حاله وهو الإعراب؛ فلا يقال ببنائه حتى يوجد الدليل على البناء وهو مشابهة الحرف، وإن الفعل يستصحب حاله وهو البناء؛ فلا يقال بإعرابه حتى يوجد الدليل على الإعراب: وهو مشابهة الاسم.
مكانة الاستصحاب بين أدلة النحو
لقد بينا أن النحاة السابقين قد احتجوا بدليل الاستصحاب دون أن ينصُّوا على اسمه أو يعرفوه، وأن أول من فعل ذلك من النحويين: هو أبو البركات الأنباري؛ إذ عد الاستصحاب من أصول النحو المعتبرة ووافقه السيوطي فذكر أن أصول النحو الغالبة أربعة، وهي: السماع، والقياس، والإجماع، والاستصحاب، وعقد لكل أصل منها كتابًا في كتابه (الاقتراح) -أي: بابًا في
(الاقتراح) - وقد نقل السيوطي مسألتين عن كتاب (الإنصاف) لأبي البركات الأنباري، ودعاه إلى ذلك أمران:
أحدهما: الرغبة في الوفاء بما ذكره في مقدمة (الاقتراح)؛ إذ قال: وضممت إليه من كتابه (الإنصاف) في مباحث الخلاف جملة.
والآخر: كثرة مسائل الخلاف التي استدل فيها الأنباري بالاستصحاب في كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف).
كما نقل السيوطي مسألة عن ابن مالك في (التسهيل) ومسألة عن الأندلسي في (شرح المفصل)؛ فهذه أربع مسائل نشير إليها مبينين الاستدلال فيها باستصحاب الحال، وهي:
المسألة الأولى: القول بأن "كم" مفردة لا مركبة:
وهو رأي البصريين، وحجتهم في ذلك -كما يقول الأنباري في (الإنصاف في مسائل الخلاف) -:"إن الأصل هو الإفراد؛ وإنما التركيب فرع؛ ومن تمسك بالأصل خرج عن عهدة المطالبة بدليل؛ ومن عدل عن الأصل افتقر إلى إقامة الدليل لعدوله عن الأصل، واستصحاب الحال أحد الأدلة المعتبرة". انتهى.
فقد استدل البصريون على إفراد "كم" باستصحاب الحال؛ لأنه دليل يعول عليه.
والمسألة الثانية: إعمال حرف القسم محذوفًا بعوض:
فقد ذهب البصريون إلى أنه لا يجوز إعمال حرف الجر محذوفًا إلا بعوض؛ كألف الاستفهام في نحو: آللهِ ما فعلت كذا؟! أو هاء التنبيه نحو: "هالله" وحجتهم في ذلك -كما قال الأنباري في (الإنصاف) -: إن الأصل في حروف الجر ألا تعمل مع الحذف؛ وإنما تعمل معه في بعض المواضع إذا كان لها عوض؛ فإذا لم يوجد
بقيت على أصلها والتمسك بالأصل تمسك باستصحاب الحال، وهو من الأدلة المعتبرة.
والمسألة الثالثة: دلالة كان على الحدث والزمان:
وهذه المسألة منقولة عن ابن مالك في كتابه (تسهيل الفوائد)؛ إذ كان ابن مالك من الذين يستدلون باستصحاب الحال، وقد استدل بهذا الدليل في هذه المسألة في أثناء رده على من زعم أن "كان" تدل على الزمن ولا تدل على الحدث، وقد ذهب إلى هذا الرأي جماعة من العلماء، منهم ابن جني، المتوفى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، وابن برهان، المتوفى سنة ست وخمسين وأربعمائة، وعبد القاهر الجرجاني، المتوفى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، فقد ذهبوا إلى أن "كان" وأخواتها تدل على زمن وقوع الحدث ولا تدل على الحدث.
ورد ابن مالك رحمه الله دعواهم من عشرة أوجه، كان أولها وثانيها: أن بين أن هؤلاء النحاة جميعًا يذهبون إلى أن "كان" وأخواتها أفعال، ومن المعلوم أن الفعل يدل على الحدث والزمن؛ فإذا كانت كان وأخواتها أفعالًا؛ فإنها تدل لا محالة على الحدث والزمن؛ إبقاء للأصل: وهو دلالة الفعل عليهما.
وقال رحمه الله في (شرح التسهيل): "ودعواهم باطلة من عشرة أوجه:
أحدها: أن مدعي ذلك -أي: من يدعي عدم دلالة "كان" على الحدث- معترف بفعلية هذه العوامل، والفعلية تستلزم الدلالة على الحدث والزمان معًا؛ إذ الدال على الحدث وحده مصدر، والدال على الزمان وحده اسم زمان، والعوامل المذكورة ليست بمصادر ولا أسماء زمان؛ فبطل كونها دالة على أحد المعنيين دون الآخر.
الثاني: أن مدعيَ ذلك معترف بأن الأصل في كل فعل الدلالة على المعنيين؛ فحكمه على العوامل المذكورة بما زعم إخراج لها عن الأصل؛ فلا يقبل إلا بدليل
…
" إلى آخر ما قال ابن مالك في (شرح التسهيل).
ولو أننا تأملنا ما نقله السيوطي في (الاقتراح) عن ابن مالك؛ لوجدنا السيوطي قد أوجز القول إيجازًا ليستدل على أن استصحاب الأصل يرد القول بأن "كان" وأخواتها تدل على الزمن دون الحدث، وقد ذكرنا من كلام ابن مالك ما تتم به الفائدة ويكمل به النفع.
والمسألة الرابعة: موضع الضمير من "لولاك" ونحوه:
ذهب الكوفيون إلى أن الضمير المتصل بـ"لولاك" ونحوه مرفوع، وحجتهم في ذلك: أنه لو وضع في موضع هذا الضمير اسم ظاهر لكان مرفوعًا، نحو:"والله لولا الله ما اهتدينا" ونحو ذلك، فلما كان الأمر كذلك وجب أن يكون الضمير في موضع رفع؛ لاستصحاب الأصل، يقول الأندلسي في (شرح المفصل):"استدل الكوفيون على أن الضمير في "لولاك" ونحوه مرفوع، بأن قالوا: أجمعنا على أن الظاهر الذي قام هذا الضمير مقامه مرفوع؛ فوجب أن يكون كذلك في هذا الضمير بالقياس عليه والاستصحاب". انتهى.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأنباري لفرط عنايته بدليل الاستصحاب قد وافق الكوفيين في هذه المسألة، وذهب مذهبهم فيها مع بصريته الظاهرة وموافقته البصريين في جل المسائل التي ذكرها في كتابه (الإنصاف)؛ فقد وافق الكوفيين في هذه المسألة؛ فقال في (الإنصاف):"والصحيح ما ذهب إليه الكوفيون". انتهى.
وبعد أن انتهينا من المسائل الأربع التي نقلها السيوطي عن الأنباري في (الإنصاف) وابن مالك في (شرح التسهيل) والأندلسي في (شرح المفصل) نشير
إلى أن السيوطي كان يعول على كلام الأنباري ويرى رأيه في أن الاستصحاب أصل من أصول النحو الغالبة؛ ويدل على أن هذا الرأي هو رأي السيوطي قوله: والمسائل التي استدل فيها النحاة بالأصل كثيرة جدًّا لا تحصى وقد كثرت المسائل التي استدل فيها السيوطي بالاستصحاب في مواضع متفرقة من مؤلفاته ونذكر هنا مسألتين:
المسألة الأولى: الأصل في البناء أن يكون على السكون:
ذكر السيوطي أن الأصل في البناء السكون؛ لأن السكون أخف؛ فلا يعدل عنه إلا لسبب، ولأن أصل عدم الحركة؛ فوجب استصحابه ما لم يمنع منه مانع.
ووجه الاستشهاد بهذه المسألة: أن السيوطي استصحب أصل البناء: وهو السكون.
والمسألة الثانية: تسكين فعل الأمر استصحابًا:
يقول السيوطي في باب المضمر من كتابه (همع الهوامع): "إذا أسند الفعل إلى التاء والنون و"نا"؛ سكن آخره؛ كضربت، وضربن، ويضربن، واضربن، وضربنا، وعلة الإسكان عند الأكثر: كراهة توالي أربع حركات فيما هو كالكلمة الواحدة؛ لأن الفاعل كجزء من فعله وحمل المضارع على الماضي؛ وأما الأمر فيسكن استصحابًا". انتهى.
ومعنى ما ذكره السيوطي: أن فعل الأمر يسكن استصحابًا للأصل؛ لأن الأصل في البناء أن يكون على السكون، ومن عناية السيوطي بهذا الأصل وعدِّه واحدًا من أصول النحو الغالبة؛ وجدناه لم يرتضِ اتخاذه دليلًا لعلة بناء "الآن"، ورد قول من استدل به وهو الفراء؛ إذ ذهب الفراء في أحد قوليه إلى أن علة البناء في
كلمة "الآن" هي أن هذه الكلمة منقولة عن الفعل الماضي "آنَ"؛ فبقيت على بنائه استصحابًا للأصل.
قال الفراء: إن شئت جعلت الآن أصلها من قولك: آن لك أن تفعل، أدخلت عليها الألف واللام، ثم تركتها على مذهب فعَل؛ فأتاها النصب من نصب "فعَل" وهو وجه جيد؛ كما قالوا:((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قيل وقال، وكثرة السؤال)).
وكلام الفراء يشير إلى أن علة البناء في كلمة "الآن" هي استصحاب أصلها، وأصلها هو الفعل الماضي "آنَ"؛ ولم يرتضِ السيوطي استصحاب الأصل دليلًا في هذه المسألة؛ فرد كلام الفراء بقوله: ورد بأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه "أل"؛ كما لا تدخل على ((قيل وقال)) ولجاز فيه الإعراب كما جاز في ((قيل وقال))
…
انتهى.
وقوله: لجاز فيه الإعراب كما جاز في ((قيل وقال))، معناه: أن ((قيل وقال)) يجوز فيهما أن يقال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قيلٍ وقالٍ)) بالجر، ولا يجوز الإعراب في "الآن"؛ فدل ذلك على أنه ليس مبنيًّا لاستصحاب حال البناء.
وإذا كان الأنباري يرى أن الاستصحاب من أصول النحو الغالبة ومن الأدلة المعتبرة؛ فما مكانة هذا الدليل بين الأدلة الأخرى عند الأنباري؟
لقد أجاب الأنباري عن هذا السؤال مرتين في كتابه (لمع الأدلة):
المرة الأولى: عندما ذكر أصول النحو؛ فقال: أقسام أدلته الثلاثة: نقل، وقياس، واستصحاب حال، ومراتبها كذلك؛ فدل كلامه على أن الاستصحاب يقع في مرتبة متأخرة عن مرتبتي: السماع، والقياس.
والمرة الثانية: حين قال عن الاستصحاب: استصحاب الحال من أضعف الأدلة؛ وعلة ضعفه تقدم السماع، والقياس، والإجماع عليه.
ونلحظ في كلام الأنباري تأثره بالفقهاء؛ فقد نقل هذا المصطلح من علم أصول الفقه إلى علم أصول النحو، ولم يذكره أحد قبله، ووصفه بأنه أضعف الأدلة؛ كما وصفه الفقهاء بأنه آخر متمسك للناظر، وبأنه: آخر مدار الفتوى؛ فإن المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب، ثم في السنة، ثم في الإجماع، ثم في القياس؛ فإن لم يجده يأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات.
ويدل على ضعف هذا الدليل: أنه لا يجوز الاستدلال به إلا إذا لم يوجد دليل آخر؛ فإن وجد دليل آخر؛ لم يجز الاستدلال بالاستصحاب.
يقول الأنباري في (الإغراب في جدل الإعراب): "وأما استصحاب الحال فلا يجوز الاستدلال به ما وجد هناك دليل بحال". انتهى.
ومعنى ما ذكره الأنباري: أنه يشترط لصحة الاحتجاج بالاستصحاب ألا يجد المستدل دليلًا غيره، وضرب الأنباري لنا مثلًا وهو: أنه لا يجوز التمسك بالاستصحاب في إعراب الاسم مع وجود دليل البناء وهو مشابهة الاسم للحرف؛ وكذلك لا يجوز التمسك به في بناء الفعل مع وجود دليل الإعراب وهو مشابهة الفعل للاسم؛ لأن الاستصحاب تمسك بعدم الدليل؛ فإذا قام الدليل بطل التمسك بالأصل، ويستوي أن يكون هذا الدليل الذي عارض الاستصحاب سماعيًّا أو قياسيًّا؛ لأنه إذا تعارض استصحاب الحال مع دليل آخر من سماع أو قياس؛ فلا عبرة بالاستصحاب، أي: لا اعتداد به ولا التفات إليه؛ لقوة الدليل الآخر الذي يقابله ويعارضه؛ فيقدم السماع أو القياس على الاستصحاب.