المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بيان ما عيب من القراءات - أصول النحو ١ - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 حد أصول النحو، وحد النحو، وحد اللغة

- ‌معنى أصول النحو

- ‌حدود النحو

- ‌حدُّ اللغة

- ‌الدرس: 2 اللغة: وضع أم اصطلاح؟ ومناسبة الألفاظ للمعاني

- ‌اختلاف العلماء في وضع اللغة

- ‌مناسبة الألفاظ للمعاني

- ‌الدلالات النحوية

- ‌الدرس: 3 تقسيم الحكم النحوي

- ‌تقسيم الحكم النحوي إلى واجب وغيره

- ‌تقسيم الحكم النحوي إلى رخصة وغيرها

- ‌الدرس: 4 تعلق الحكم بشيئين أو أكثر، وهل بين العربي والعجمي واسطة؟ وتقسيم الألفاظ، والمراد بالسماع

- ‌تعلق الحكم النحوي بشيئين أو أكثر

- ‌هل بين العربي والعجمي واسطة

- ‌تقسيم الألفاظ إلى واجب وممتنع وجائز

- ‌الأصل الأول من أصول النحو الغالبة: السماع

- ‌الدرس: 5 ما عيب من القراءات، وحكم الاحتجاج بالحديث الشريف

- ‌بيان ما عيب من القراءات

- ‌الاحتجاج بكلام الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌الدرس: 6 أسماء القبائل العربية، وانقسام الكلام المسموع، وأشعار الكفار من العرب، وأحوال الكلام الفرد

- ‌كلام العرب، وأسماء القبائل التي أخذ عنها والتي لم يؤخذ عنها، وتوجيه ذلك

- ‌انقسام الكلام المسموع إلى: مطرد، وشاذ

- ‌الاستشهاد بأشعار الكفار من العرب

- ‌أحوال الكلام الفرد في الاحتجاج به

- ‌الدرس: 7 الاحتجاج باللغات، وامتناع الأخذ عن أهل المدر، وكلام العربي المتنقل، وتداخل اللغات

- ‌اللغات والاحتجاج بها

- ‌علة امتناع الأخذ عن أهل المدر

- ‌العربي الفصيح ينتقل لسانه

- ‌تداخل اللغات

- ‌الدرس: 8 الاحتجاج بكلام المولدين، وأول الشعراء المحدثين، والاحتجاج بكلام مجهول قائله، وقولهم: "حدثني الثقة

- ‌حكم الاحتجاج بكلام المولدين

- ‌أول الشعراء الُمْحَدثين

- ‌حكم الاحتجاج بكلامٍ مجهولٍ قائلُه

- ‌هل يُقبل قولُ القائل: "حدثني الثقة

- ‌الدرس: 9 طرح الشاذ، متى يكون التأويل سائغا؟ والاحتمال يسقط الاستدلال، ورواية الأبيات بأوجه مختلفة

- ‌طرح الشاذ، وعدم الاهتمام به

- ‌متى يكون التأويل مستساغًا، ومتى لا يكون

- ‌الاحتمالُ يسقط الاستدلال

- ‌رواية الأبيات بأوجه مختلفة

- ‌الدرس: 10 حكم معرفة اللغة والنحو والتصريف، والتواتر والآحاد والرواة، والنقل عن النفي، وأدلة النحو عند الأنباري

- ‌(حكم معرفة اللغة والنحو والتصريف

- ‌التواترِ والآحاد والرُّواةِ

- ‌النقلِ عن النفي

- ‌أدلة النحو عند الأنباري

- ‌الدرس: 11 الإجماع

- ‌حجيةُ إجماع النحاة

- ‌حجيةُ إجماع العرب

- ‌تركيبُ المذاهب

- ‌الإجماع السكوتي وإحداث قول ثالث

- ‌الدرس: 12 القياس (1)

- ‌معنى القياس، وبيانُ مدى اعتماد النحو عليه، وعدمُ إمكانِ إنكارِه

- ‌الردُّ على من أنكرَ القياس

- ‌حلُّ شُبَهٍ تُوردُ على القياس

- ‌أركانُه القياس وشروطه

- ‌جوازُ القياس على القليل

- ‌الدرس: 13 القياس (2)

- ‌حملُ فرعٍ على أصلٍ

- ‌حملُ أصلٍ على فرعٍ

- ‌حملُ نظيرٍ على نظيرٍ

- ‌حملُ ضدٍّ على ضدٍّ

- ‌الدرس: 14 القياس (3)

- ‌المقيس، وهل يُوصف بأنه من كلام العرب أوْ لَا

- ‌الحكم

- ‌الدرس: 15 القياس (4)

- ‌العلة النحويةُ: وَثاقتُها، وأقسامُها

- ‌الفرق بين العلة والسبب، ومحصولُ مذهب البصريين في العلل

- ‌الخلافُ في إثبات الحكم في محلّ النَّصّ

- ‌تقسيم العلة إلى بسيطة ومركبة

- ‌من شرط العلة: أن تكون هي الموجِبة للحكم

- ‌الخلاف في التعليل بالعلة القاصرة

- ‌الدرس: 16 القياس (5)

- ‌جوازُ التعليل بعلتين

- ‌جوازُ تعليل حكمين بعلة واحدة

- ‌دَوْرُ العلة

- ‌تعارُضُ العلل

- ‌جوازُ التعليل بالأمور العدَمية

- ‌الدرس: 17 الدليل الرابع من أدلة الاحتجاج الغالبة عند النحاة: الاستصحاب

- ‌حجية الاستصحاب

- ‌مكانة الاستصحاب بين أدلة النحو

- ‌الاعتراض على الاستدلال بالاستصحاب

- ‌الدرس: 18 أدلة متفرقة من أدلة النحو غير الغالبة

- ‌الاستدلال بالعكس

- ‌الاستدلال ببيان العلة

- ‌الاستدلال بالاستقراء

- ‌الاستدلال بعدم الدليل في الشيء على نفيه

- ‌الدرس: 19 تابع: أدلة متفرقة من أدلة النحو غير الغالبة

- ‌الاستدلال بالأصول

- ‌الاستدلال بعدم النظير

- ‌الاستحسان

- ‌الدليلُ الْمُسَمَّى بالباقي

- ‌الدرس: 20 التعارض والترجيح

- ‌المراد من التعارض والترجيح

- ‌تعارض نقلين

- ‌ترجيحُ لغةٍ على أُخرى

- ‌ترجيح لغةٍ ضعيفةٍ على الشاذّ

- ‌الأخذ بأرجح القياسين عند تعارضهما

- ‌تعارض القياس والسماع

- ‌الدرس: 21 تابع: التعارض والترجيح

- ‌تقديم كثرة الاستعمال على قوة القياس

- ‌معارضة مجرد الاحتمال للأصل والظاهر، وتعارض الأصل والغالب

- ‌تعارض أصلين، وتفضيل السماع والقياس على استصحاب الحال

- ‌تعارض قبيحين، وتعارض الْمُجْمَعِ عليه والْمُختلَف فيه

- ‌تعارض المانع والمقتضِي، وتعارض القولين لعالمٍ واحدٍ

- ‌فيما رجحت به لغة قريش على غيرها، والترجيح بين مذهبي البصريين والكوفيين

الفصل: ‌بيان ما عيب من القراءات

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس الخامس

(ما عيب من القراءات، وحكم الاحتجاج بالحديث الشريف)

‌بيان ما عيب من القراءات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فيكشف لنا السيوطي النقاب عن حَمْلة آثمة لتلحين القراء، استفتح بابها وحمل لواءها نُحاة البصرة المتقدمون، ثم تابعهم غيرهم من اللغويين والمفسرين، ومصنّفي القراءات، كما قال شيخنا العلامة الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة صاحب (دراسات لأسلوب القرآن الكريم) -رحمه الله تعالى رحمة واسعة- وقد افتتح السيوطي هذا المبحث في (الاقتراح) بقوله:"تنبيه: كان قوم من النحاة المتقدمين يعيبون على عاصم، وحمزة، وابن عامر قراءات بعيدة في العربية، وينسبونهم إلى اللحن، وهم مخطئون في ذلك؛ فإن قراءاتهم ثابتة بالأسانيد المتواترة الصحيحة التي لا مطعن فيها، وثبوت ذلك دليل على جوازه في العربية، وقد ردَّ المتأخرون -منهم ابن مالك- على من عاب عليهم ذلك بأبلغ ردّ، واختار جواز ما وردت به قراءاتهم في العربية، وإن منعه الأكثرون؛ مستدلًّا به".

إن تصدير السيوطي هذه المقدمة بكلمة تنبيه يُوحي بخطورة ما سيلفت الأنظار إليه، ويوجه العقول إلى أهمية ما سينبّه عليه، وأيُّ خطورة أشدّ، وأيّ تنبيه أعظم من تلحين قُرَّاء القراءات المتواترة، ونسبة بعضهم إلى الخطأ في القراءة:{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} (الكهف: 5)، فعاصم ابن بهدلة أبي النجود -بفتح النون وضم الجيم- هو شيخ الإقراء بالكوفة، وأحد القُرَّاء السبعة، وأبو النَّجود هو اسم أبيه، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل:"سألت أبي عن عاصم بن بهدلة. فقال: رجل صالح خير ثقة، فسألته: أيُّ القراءة أحبّ إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة، فإن لم تكن فقراءة عاصم". وقد توفي رحمه الله سنة سبع وعشرين ومائة من الهجرة، وحمزة هو ابن حبيب الزيات أحد القُرَّاء السبعة،

ص: 67

وإليه صارت الإمامة في القراءة بعد عاصم. قال عنه ابن الجزري: "كان إمامًا، حجةً، ثقةً، ثبتًا، رضًا، قيمًا بكتاب الله، بصيرًا بالفرائض، عارفًا بالعربية، حافظًا للحديث، عابدًا، خاشعًا، زاهدًا، ورعًا، قانتًا لله عديم النظير". وقال أبو حنيفة لحمزة: "شيئان غلبتنا عليهما لسنا ننازعك فيهما القرآن والفرائض". توفي رحمه الله سنة ست وخمسين ومائة من الهجرة.

وابن عامر هو عبد الله بن عامر اليحصبي أو اليحصبي -بضم الصاد وكسرها- أحد القُرَّاء السبعة، وإمام أهل الشام في القراءة قيل عنه: كان إمامًا عالمًا ثقة فيما آتاه، حافظًا لما رواه، متقنًا لما وعاه، عارفًا فَهِمًا قيمًا فيما جاء به، صادقًا فيما نقله من أفاضل المسلمين وخيار التابعين وأجلة الراوين، لا يُتهم في دينه، ولا يُشك في يقينه، ولا يُطعن عليه في روايته، صحيح نقله، فصيح قوله، عاليًا في قدره، مصيبًا في أمره، مشهورًا في علمه، مرجوعًا إلى فهمه لم يتعدَّ فيما ذهب إليه الأثر، ولم يقل قولًا يُخالف فيه الخبر، توفي رحمه الله سنة ثماني عشرة ومائة من الهجرة.

والذين ذكرهم السيوطي ممن حكم بعض النحاة المتقدمين على قراءتهم باللحن هم قليل من كثير، فقد لحَّنوا نافع بن أبي نعيم قارئ مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد القُرَّاء السبعة، وابن كثير وهو إمام أهل مكة، وأحد القُرَّاء السبعة وغيرهم وغيرهم. وقد أشار السيوطي إلى أن تلحين هؤلاء القُرَّاء كان بسبب قراءات لهم بعيدة في العربية، أي: بسبب قراءات قد خفي توجيهها على هؤلاء النحاة الذين حكموا عليها باللحن ونسبوها إلى الخطأ. إما لأنها كانت صادرة عن لهجات عربية لم تبلغهم، أو لكونها تُخالف ما كانوا يحتكمون إليه من قواعد، وما يتعارفون عليه من قوانين، وما يتوصلون إليه من أقيسة.

ص: 68

أما المنصفون فهم الذين يرون أن القراءة لا تتبع العربية، بل إن العربية هي التي تتبع القراءة؛ لأنها مسموعة من أفصح العرب بإجماع، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه ومن بعدهم، ولقد صدق ابن الحاجب إذ قال:"والأولى الرَّدّ على النحويين، فليس قولهم بحجة عند الإجماع، ومن القُرَّاء جماعة من النحويين، فلا يكون إجماع النحويين حجة مع مخالفة القُرَّاء لهم، ولو قُدِّر أن القُرَّاء ليس فيهم نحوي فإنهم ناقلون لهذه اللغة، وهم مشاركون النحويين في نقل اللغة، فلا يكون إجماع النحويين حجة دونهم، وإذا ثبت ذلك كان المصير إلى قول القُرَّاء أولى؛ لأنهم ناقلون عمن ثبتت عصمته عن الغلط في مثله. ولأن القراءة ثبتت متواترة، وما نقله النحويون آحاد، ثم لو سُلِّم أنه ليس بمتواتر فالقراء أعدل وأثبت؛ فكان الرجوع إليهم أولى"، وقد ذكر السيوطي ثلاثة أمثلة توضح بعض القراءة التي دافع عن صحّتها ابن مالك، واحتجَّ بها في إثبات القواعد المستنبطة منها وهي:

المثال الأول: احتجاجه على جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار بقراءة حمزة: "تساءلون به والأرحامِ"(النساء: 1) وبيان ذلك أن سيبويه قال في (الكتاب): "ومما يقبح أن يشركه المظهر علامة المضمر المجرور، وذلك قولك: مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو؛ كرهوا أن يشرك المظهر مضمرًا داخلًا فيما قبله" انتهى.

أي: أن عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور بالحرف نحو: مررت بك وزيد، أو بالاسم نحو: هذا أبوك وعمرو، من غير إعادة الجار قبيح، وقد علَّل لذلك بأن الضمير المجرور قد جمع بين أمرين:

أحدهما: أنه لا يتكلم به إلا متصلًا بما قبله من حرف، أو اسم؛ فلا يجوز فصله عما قبله؛ لأنه كالجزء منه.

ص: 69

والآخر: أنه بدل من اللفظ بالتنوين أي: أنه قام مقامه، تقول: غلام. فتجد فيه التنوين، فإذا أضفته قلت: غلامك. قام الضمير الواقع مضافًا إليه مقام التنوين؛ فلم يجز العطف عليه. كما لا يُعطف على التنوين.

وأجاز سيبويه هذا العطف في الشعر؛ اعتمادًا على الضرورة الشعرية كقول الشاعر:

فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا

فاذهب فما بك والأيام من عجب

حيث عطف الشاعر لفظ "الأيام" على ضمير المخاطب المجرور بالباء، ومن ثَمَّ عاب كثير من النحويين هذه القراءة -أي: قراءة حمزة- وخطأها المبرد، ووصفها الفراء بالقبح، وذهب جمهور الكوفيين وبعض البصريين وابن مالك إلى جواز هذا العطف في الاختيار، دون إعادة الجار محتجِّين بهذه القراءة، وببعض الشواهد الأخرى كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنما مثلكم واليهود والنصارى كرجل استعمل عمالًا

)) إلى آخر الحديث الشريف، وهو في (صحيح البخاري)،وقال ابن مالك في الألفية مشيرًا إلى هذا الخلاف ومبينًا رأيه فيه:

وعود خافض لدى عطف على

ضمير خفض لازمًا قد جعلا

وليس عندي لازمًا إذ قد أتى

في النظم والنثر الصحيح مثبتا

والمثال الثاني: احتجاج ابن مالك على جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمفعوله بقراءة ابن عامر: "وكذلك زُين لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم شركائِهم"(الأنعام: 137)، والقراءة برفع "قتل" على النيابة عن الفاعل بـ"زُيّن" المبني للمفعول، ونصب "أولادهم" على المفعولية للمصدر "قتل"، وجر "شركائهم" الذي أضيف إليه المصدر، فـ"قتل" مصدر مضاف، و"شركائهم" مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى فاعله، و"أولادهم" مفعوله وهو الفاصل بين

ص: 70

المتضايفين. وقد ردَّها الفراء في (معاني القرآن)، وقال أبو علي الفارسي:"ولو عدل عنها إلى غيرها كان أولى"، وأنكرها الطبري في تفسيره، والزمخشري في (الكشاف)، أما ابن مالك فقد رآها من أقوى الأدلة على جواز هذا الفصل معللًا لذلك بأن قراءة ابن عامر رضي الله عنه ثابتة بالتواتر، ومعزوَّة إلى موثوق بعربيته، قبل العلم بأنه من كبار التابعين، ومن الذين يُقتدى بهم في الفصاحة، كما يقتدى بمن في عصره من أمثاله الذين لم يُعلم عنهم مجاورة للعجم يحدث بها اللحن، وقال: "ويكفيه شاهدًا على ما وصفته به أن أحد شيوخه الذين عوَّل عليهم في قراءة القرآن عثمان بن عفان رضي الله عنه وتجويز ما قرأ به في قياس النحو قويّ، وذلك أنها قراءة اشتملت على فصل بفضلة بين عامرها المضاف إلى ما هو فاعل، فحسَّن ذلك ثلاثة أمور:

أحدها: كون الفاصل فضلة، فإنه بذلك صالح لعدم الاعتداد به.

الثاني: كونه غير أجنبي لتعلقه بالمضاف.

الثالث: كونه مقدَّر التأخير من أجل المضاف إليه، مقدر التقدم بمقتضى الفاعلية المعنوية، فلو لم تستعمل العرب الفصل المشار إليه؛ لاقتضى القياس استعماله، لأنهم قد فصلوا في الشعر بالأجنبي كثيرًا، فاستحقّ الفصل بغير أجنبي أن يكون له مزيَّة، فحكم بجوازه". انتهى ما قاله ابن مالك.

والمثال الثالث: احتجاج ابن مالك على جواز سكون لام الأمر بعد "ثم" بقراءة "ثُمَّ ليقطع" من قوله عز وجل: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} (الحج: 15)، والقراءة المذكورة هي قراءة عاصم مع حمزة، وقد نصَّ النحاة على أن حركة لام الأمر الكسر حملًا على لام الجر؛ لأنها أختها في الاختصاص بنوع من أنواع الكلمة

ص: 71

وعملها فيه، وسُليم تفتحها، ويجوز تسكينها بعد الواو والفاء وثم، وتسكينها بعد الواو والفاء أكثر من تحريكها؛ لشدة اتصالهما بما بعدهما، لكونهما على حرف واحد، فصارا معه ككلمة واحدة، فخفف بحذف الكسر كما خفّف نحو كَتِف وفَخِذ بتسكين الوسط المحرك بالكسر، وذلك نحو قوله تعالى:{فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة: 186) قالوا: وكسر لام الأمر بعد ثم أكثر من تسكينها؛ لكون ثم على ثلاثة أحرف، وإنما جاز تسكينها بعدها؛ حملًا لها على الواو والفاء، فلا تبلغ مبلغهما، وخالف في ذلك المبرد؛ فمنع تسكينها بعد "ثم"، وذكر أن قراءة "ثم ليقطع" بتسكين اللام لحن، وممن أجاز التسكين ابن مالك محتجًا بالقراءة المذكورة، وقال في نظم (الكافية):

واللام قد تسكن بعد الفا وثم

والواو نحو من يكارم فليدم

قال السيوطي: "فإن قلت: فقد روي عن عثمان أنه قال لما عرضت عليه المصاحف: إن فيه لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها، وعن عروة قال: "سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} (طه: 63) وعن قوله: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (النساء: 162) وعن قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ} (المائدة: 69) فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكُتاب أخطئوا في الكتاب"، أخرجه أبو عبيد في فضائله، فكيف يستقيم الاستدلال بكل ما فيه بعد هذا، قلت: معاذ الله كيف يظن أولًا بالصحابة أنهم يلحنون في الكلام؛ فضلًا عن القرآن وهم الفصحاء اللُّدّ -أي: الذين رسخت أقدامهم في الفصاحة، وثبت لهم الوصف الكامل فيها- ثم كيف يظن بهم ثانيًا في القرآن الذي تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم كما أنزل، وضبطوه، وحفظوه، وأتقنوه، ثم كيف يُظن بهم ثالثًا اجتماعهم كلهم على الخطأ، وكتابته، ثم كيف يظن بهم رابعًا عدم تنبُّهِهِم ورجوعهم عنه، ثم كيف يظن بعثمان أن يقرأه ولا يغيره، ثم

ص: 72

كيف يظن أن القراءات استمرَّت على مقتضى ذلك الخطأ، وهو مروي بالتواتر خلفًا عن سلف، هذا مما يستحيل عقلًا وشرعًا وعادة".

وقد ذكر السيوطي أن العلماء قد أجابوا عن ذلك بأجوبة عديدة بسطها في كتابه الموسوم بـ (الإتقان في علوم القرآن)، وهي توضح وجوه هذه المستحيلات، وخلاصة الأجوبة عن الأثر المروي عن عثمان رضي الله عنه وأحسنها أن ذلك لا يصحّ عن عثمان، فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع، ولأن عثمان جُعل إمامًا للناس يقتدون به، فكيف يرى في القرآن الكريم لحنًا ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها، فإذا كان الذين تولَّوا جمعه وكتابته لم يقيموا ذلك، وهم الخيار فكيف يُقيمه غيرهم، وأيضًا فإنه لم يكتب مصحفا واحدًا، بل كتب عدَّة مصاحف. فإن قيل: إن اللحن وقع في جميعها فبعيد اتفاقهم على ذلك، أو في بعضها فهو اعتراف بصحة بعضها، ولم يذكر أحد من الناس أن اللحن كان في مصحف دون مصحف، ولم تأتِ المصاحف قط مختلفة إلا فيما هو من وجوه القراءة وليس ذلك بلحن، أو أن هذا الأثر قد وقع فيه تحريف؛ فإن ابن أشتة المتوفى سنة ستين وثلاثمائة من الهجرة، أخرجه في كتاب (المصاحف) من طريق عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر قال:"لما فُرغ من المصحف أُتي به عثمان فنظر فيه فقال: أحسنتم وأجملتم، أرى شيئًا سنقيمه بألسنتنا" انتهى.

فكأنه لما عرض عليه بعد الفراغ من كتابته رأى فيه شيئًا على غير لسان قريش، كما وقع لهم في التابوت والتابوه من قوله تعالى:{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} (البقرة-: 248) فقال القرشيون: التابوت. وقال زيد: التابوه. فقال رضي الله عنه: اكتبوه "التابوت" فإنه نزل بلسان قريش، فوعد بأنه سُيقيمه على لسان قريش، ثم وفَّى بذلك. وأما الأثر

ص: 73

المروي عن عائشة رضي الله عنها فيمكن أن يجاب عن إنكارها بأنه قد حصل قبل أن يبلغها التواتر، وليس كل صاحبيٍّ كان حافظًا لروايات القرآن الكريم.

وأما خلاصة التوجيهات النحوية للآيات القرآنية الثلاث التي سُئلت عنها عائشة رضي الله عنها فنوجزها فيما يلي: أما قراءة قوله تعالى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} (طه: 63) فأقوى توجيهاتها أنها جاءت على لغة بلحرث بن كعب، وقبائل أُخر، وهم الذين يُلزمون المثنى الألف كالمقصور في أحواله الثلاث، ويقدرون إعرابه بالحركات وهي لغة مشهورة، أو أن يقال: اسم إن ضمير الشأن محذوفًا، والجملة من المبتدأ والخبر بعده في محل رفع خبرًا لإن، والتقدير: إن الأمر والشأن هذان لهما ساحران.

وأما قوله تعالى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} من قوله عز وجل: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} (النساء: 162) وهي قراءة الجمهور، فأحسن ما قيل في توجيهها: أن {الْمُقِيمِ ينَ} منصوب على القطع المفيد للمدح؛ لبيان فضل الصلاة، فهو مفعول به لفعل محذوف تقديره: أمدح المقيمين الصلاة. وعليه يكون قوله: {الرَّاس ِخُونَ} مبتدأ خبره جملة: {يُؤْمِنُون} ومتعلقاتها حتى يكون القطع بعد تمام الجملة الأولى. وأما قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (المائدة: 69) فقوله {وَال صَّابِئُونَ} بالرفع هي قراءة الجمهور أيضًا، وأظهر ما قيل في توجيهها: أنه مرفوع بالابتداء وخبره محذوف لدلالة خبر إن عليه، والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها، والتقدير: إن الذين

ص: 74