الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع عشر
(الدليل الرابع من أدلة الاحتجاج الغالبة عند النحاة: الاستصحاب)
حجية الاستصحاب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فالاستصحاب في اللغة: مصدر الفعل استصحب، أي: طلب الصحبة ودعا إليها؛ فالاستصحاب استفعال من الصحبة، يقال: استصحبت الكتاب، أي: حملته بصحبتي.
وقبل تعريف الاستصحاب في اصطلاح النحويين لا بد من الإشارة إلى أن هذا المصطلح مصطلح فقهي في الأصل، وله عند الأصوليين تعريفات مختلفة:
منها: بقاء الأمر ما لم يوجد ما يغيره.
ومنها: استدامة ما كان ثابتًا ونفي ما كان منفيًّا.
ومنها: الحكم على الشيء بما كان ثابتًا له أو منفيًّا عنه لعدم قيام الدليل على تغييره.
وهذه التعريفات مختلفة في ألفاظها لكن معانيها متقاربة؛ إذ ترجع إلى معنى واحد وهو: إبقاء ما كان على ما كان.
وقد انتقل هذا المصطلح من أصول الفقه إلى أصول النحو على يد أبي البركات الأنباري الذي جعل الاستصحاب أحد أصول النحو الغالبة؛ فقال في (لمع الأدلة): أقسام أدلته -يعني: النحو-: ثلاثة: نقل، وقياس، واستصحاب حال، وعرف الاستصحاب في (الإغراب في جدل الإعراب): بأنه إبقاء حال اللفظ على ما يستحقه في الأصل عند عدم دليل النقل عن الأصل. انتهى.
ولا يختلف تعريف الاستصحاب عند الأصوليين عن تعريفه عند النحويين؛ فالمعنى واحد، وهو: إبقاء الحكم على ما كان عليه؛ فلا يلحقه تغيير إلا إذا قام الدليل على تغيير الحكم.
ولم يستعمل أحد من النحاة قبل الأنباري هذا المصطلح، ولا يعني هذا عدم استدلالهم به؛ فقد قيل: إن سيبويه قد استدل بهذا الدليل في مواضع كثيرة من كتابه، وإن لم يصرح به ولم يسمه استصحاب الحال أو استصحاب الأصل، ومن هذه المواضع: ما جاء في قوله تعالى {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه: 43، 44) فقد ذهب سيبويه في (الكتاب) إلى أن "لعل" على بابها من الترجي، وأن الترجي في حق موسى وهارون عليهما السلام وأن المعنى: اذهبا أنتما في رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم؛ ففي كلام سيبويه إبقاء ما كان على ما كان، أي: إبقاء "لعل" على معناها الأصلي، وهو: الترجي؛ فبقي حال اللفظ على ما يستحقه ولم ينتقل عن أصله لعدم الدليل. وهذا هو الاستصحاب وإن لم يسمه سيبويه باسمه.
وإذا كان سيبويه قد استدل باستصحاب الحال في كتابه؛ فقد اقتفى أثره الزجاجي في كتابه (الإيضاح في علل النحو) وابن جني في كتابه (الخصائص)؛ أما الزجاجي؛ فقد ذكر أن الحروف كلها مبنية ولا يعرب شيء منها، وعلل ذلك بأن أصلها البناء ولم يوجد دليل يخرجها عن أصلها؛ فوجب إبقاؤها على ما كانت عليه، وقال: بقيت الحروف كلها على أصولها مبنية؛ لأنها لم يعرض لها ما يخرجها عن أصولها. انتهى.
فقد استدل الزجاجي باستصحاب الأصل دون أن يسميه.
وأما ابن جني فقد أفرد في كتابه (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في إقرار الألفاظ على أوضاعها الأول ما لم يدع داعٍ إلى الترك والتحول، ومعنى ما ذكره ابن جني في هذا الباب: أن اللفظ يبقى على ما يستحقه ولا ينتقل عنه إلا بدليل، وضرب ابن جني مثلًا بحرف العطف "أو"؛ فإنه في الأصل موضوع للدلالة على
أحد الشيئين شكًّا أو إبهامًا أو تخييرًا أو إباحةً، ولا يجوز أن تدل "أو" على معنى آخر إلا بدليل؛ فلا يجوز أن تكون بمعنى "بل" -كما زعم الفراء- ولا أن تكون بمعنى الواو -كما زعم قطرب.
وقد رد ابن جني زعمهما وبين أن "أو" على بابها في قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} (الصافات: 147) فقال: فأما قول الله سبحانه: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} فلا يكون في "أو" على مذهب الفراء بمعنى "بل" ولا على مذهب قطرب في أنها بمعنى الواو؛ لكنها عندنا على بابها في كونها شكًّا، وذلك أن هذا كلام خرج عن حكاية من الله عز وجل لقول المخلوقين، وتأويله عند أهل النظر: وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموه لقلتم أنتم فيهم: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون. انتهى.
ومع استدلال بعض السابقين من النحويين بهذا الأصل لم نجد أحدًا قبل الأنباري عرَّفه أو سمَّاه، وأول من فعل ذلك من النحويين هو أبو البركات في كتابيه:(الإغراب في جدل الإعراب)، و (لمع الأدلة) وعنهما نقل السيوطي في كتابه (الاقتراح).
قال الأنباري في (لمع الأدلة): "وهو -أي: الاستصحاب- من الأدلة المعتبرة، والمراد به: استصحاب حال الأصل في الأسماء -وهو الإعراب- واستصحاب حال الأصل في الأفعال -وهو البناء- حتى يوجد في الأسماء ما يوجب البناء ويوجد في الأفعال ما يوجب الإعراب". انتهى.
وقوله: "من الأدلة المعتبرة" معناه: أنه دليل من أدلة النحو التي يعتد بها ويعول عليها، والمثال الذي ذكره الأنباري ونقله عنه السيوطي هو: حكم الاسم والفعل من حيث الإعراب والبناء؛ فإن الأصل في الاسم أن يكون معربًا؛ لأن
الأسماء تعتورها المعاني؛ فتكون فاعلة ومفعولة ومضافة ومضافًا إليها، ولم تكن في صورها وأبنيتها أدلة على هذه المعاني؛ فجُعل الإعراب دليلًا على هذه المعاني؛ فتبين من ذلك أن العرب يفرقون بالإعراب بين المعاني المختلفة؛ كما تبين أن الإعراب أصل في الأسماء؛ ولما كان الإعراب أصلًا في الأسماء؛ لم يجُز أن يبنى شيء من الأسماء حتى يوجد ما يوجب البناء.
وقد ذكر أبو البركات الأنباري ما يوجب البناء في بعض الأسماء فقال: "وما يوجب البناء في الأسماء هو شبه الحرف أو تضمن معنى الحرف؛ فشبه الحرف في نحو: الذي، وتضمن معنى الحرف في نحو: كيف". انتهى.
ومعنى ما ذكره الأنباري: أن هناك أمرين يوجبان بناء بعض الأسماء:
أحدهما: أن يشبه الاسم الحرف.
والآخر: أن يتضمن الاسم معنى الحرف.
فمثال الأول: "الذي"؛ فإنه مبني لأنه أشبه الحرف في الافتقار اللازم، أي: في كونه مفتقرًا إلى ما يفسر معناه ويبينه؛ فكما أن الحرف يفتقر إلى ما بعده؛ فكذلك الأسماء الموصولة وضعت على الافتقار في فهم معانيها إلى صِلتها؛ فلا يؤتى بها دون أن يؤتى بما يبينها؛ كما أن الحروف كذلك.
ومثال الثاني: "كيف"، فقد ذكر الأنباري أن علة بنائه هي أنه تضمن معنى الحرف، ويطلق المتأخرون من النحاة على هذا التضمن اسم "الشبه المعنوي"، ومعناه: أن يتضمن الاسم معنى من معاني الحروف؛ فقد يشبه الاسم حرفًا موجودًا، وقد يشبه حرفًا غير موجود؛ فمثال ما أشبه حرفًا موجودًا:"كيف"؛ فإنها تستعمل للاستفهام، وهي تشبه حرفًا موجودًا -وهو الهمزة- ومثال ما أشبه حرفًا غير موجود:"هنا"؛ فإنها مبنية لأنها تدل على الإشارة، والإشارة
معنًى من المعاني، وحقها أن يوضع لها حرف يدل عليها؛ فلم يوضع؛ فبنيت أسماء الإشارة لشبهها في المعنى حرفًا مقدرًا.
ومما سبق يمكن القول بأن: سبب بناء بعض الأسماء ينحصر في أمر واحد، وهو: شبه الاسم بالحرف، وأن ما ذكره الأنباري من تضمن الاسم معنى حرف هو نوع من أنواع هذا الشبه.
وبعد أن انتهينا من بيان استصحاب الأصل في إعراب الأسماء نعود إلى كلام الأنباري في استصحاب الأصل في الأفعال وهو البناء؛ فنقول: إن الأصل في الفعل أن يكون مبنيًّا؛ لعدم اختلاف المعاني الدالة عليها، وما أعرب من الأفعال فإنما أعرب لعلة توجب إعرابه، وقد ذكر أبو البركات الأنباري ما يوجب الإعراب في بعض الأفعال فقال:"وما يوجب الإعراب من الأفعال؛ فهو مضارعة الاسم في نحو: يذهب، ويكتب، ويركب، وما أشبه ذلك". انتهى.
ومعنى ما ذكره الأنباري: أن الفعل المضارع وحده هو الذي يعرَب، وأن غيره من الأفعال يظل على أصله من البناء؛ وإنما أعرب المضارع لأنه أشبه الاسم، ويحسن بنا أن نذكر هنا الأوجه التي أشبه فيها الفعل المضارع الاسم فاستحق الإعراب لذلك:
إن الفعل المضارع قد أشبه الاسم في عدة أوجه:
الوجه الأول: الإبهام والشيوع ثم التخصيص بالقرينة: فالفعل المضارع فيه شيوع، ثم يدخل عليه حرف يزيل شيوعه ويخلصه لشيء واحد؛ تقول: زيد يفعل؛ فيصلح أن يكون للحال أو للاستقبال؛ فإذا قلت: سيفعل أو سوف يفعل؛ فقد أدخلت عليه ما يزيل إبهامه ويخلصه لأحد الوجهين: وهو الاستقبال؛ فلا يصلح للحال؛ وهو بذلك بمنزلة الأسماء الشائعة؛ كرجل،