الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومذهب يونس في "جوارٍ" وهو في الأصل جمع "جارية" إذا جُعل علمًا لرجل منع صرفه؛ لأنه على صيغة منتهى الجموع عنده؛ فيبقيه يونس على أصله استصحابًا للأصل، وإبقاء لما كان على ما كان، وسيبويه يصرفه؛ لأن المنع إنما كان لصيغة منتهى الجموع، وقد فقدت هذه الصيغة بتصييره علمًا.
وقد ركب المازني من المذهبين -مذهب يونس ومذهب سيبويه- مذهبًا ثالثا، وهو: الصرف على مذهب سيبويه والرد على مذهب يونس؛ فاختار في تصغيره "يضع" علمًا رد المحذوف وهو مذهب يونس واختار الصرف وهو مذهب سيبويه؛ فجمع بينهما؛ فتحصل له مذهب ثالث مركب من مذهبي الرجلين.
فإذا أراد المازني تصغير "يرى" علمًا لرجل قال: رأيت "يُرَئِيًا"؛ فيرد الهمزة المحذوفة؛ لأن الأصل: "يَرأيُ"، وينونه، فرد المحذوف مذهب يونس، والصرف -أي: التنوين- مذهب سيبويه، ولو أراد يونس أن يصغر هذا الاسم لقال:"رأيت يُرئِيَ" برد الهمزة فقط وعدم التنوين؛ لأن مذهبه عدم الصرف؛ ولو أراد سيبويه أن يصغر هذا الاسم لقال: رأيت "يريًّا"، بإدغام ياء التصغير في الياء المنقلبة عن الألف وبتنوينه؛ لأن مذهبه الصرف؛ فقد عرف تركب مذهب المازني من مذهبي الرجلين.
الإجماع السكوتي وإحداث قول ثالث
إن هذا العنصر شديد الاتصال بالذي قبله؛ إذ يتناول سكوت النحاة عن أمر بلغه فلم ينكروه؛ كما يتناول إحداث قول ثالث مأخوذ من قولين.
تعريف الإجماع السكوتي:
إن الإجماع السكوتي مصطلح من مصطلحات أصول الفقه، ويراد به: أن ينطق بعض المجتهدين بحكم ويسكت الباقون عنه بعد علمهم به؛ لأن سكوتهم مجرد
عن الاستنكار موافقة وإن لم يصرحوا بها، وهو أحد الأدلة المعتبرة عند الفقهاء؛ فكثير من المحققين اعتبره وأجراه مجرى الإجماع القولي.
وقد انتقل هذا المصطلح من أصول الفقه إلى أصول النحو، ولم يكن أبو البقاء العكبري يعتد بالإجماع السكوتي من النحاة، ومن ثم فقد أحدث قولًا ثالثًا في مسألة نقلها عنه السيوطي ونسبها إلى كتابه (التبيين) وليس في كتاب (التبيين) المطبوع بين أيدينا شيء مما نقله السيوطي عنه؛ فلعله نقل ذلك عن نسخة خطية أخرى من الكتاب لم تصل إلينا.
وخلاصة القول في هذه المسألة: أن أبا البقاء العكبري يرى أن الضمير المتصل بـ"لولا" في نحو: لولاك، ولولاي، يجوز فيه وجهان لم يذكرهما الجمهور:
أحدهما: ألا يكون للضمير موضع من الإعراب.
والآخر: أن يكون هذا الضمير في موضع نصب.
وهذان القولان لم يسبق إليهما أحد من النحويين؛ وإنما النحويون في هذا الضمير وجهين وهما:
- أن يكون في موضع جر لأن "لولا" جارة، وهو قول جمهور البصريين.
- وذهب الأخفش والكوفيون إلى أن الضمير في موضع رفع على الأصل؛ لأن "لولا" إنما يليها المبتدأ ولا عمل لها أصلًا.
أما أبو البقاء العكبري؛ فقد أداه الاجتهاد إلى القولين الذين سبق ذكرهما، ثم أورد العكبري على نفسه سؤالًا حاصله: أن ما ذهب إليه خلاف الإجماع، والقول بما يخالف الإجماع مردود بناء على ما هو التحقيق من أنه لا يجوز خرق إجماع علماء العربية.
وقد أجاب العكبري عن هذا بقوله: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن هذا إجماع مستفاد من السكوت؛ وذلك أنهم لم يصرحوا بالمنع من قول ثالث؛ وإنما سكتوا عنه، والإجماع: هو الإجماع على حكم الحادثة -أي: النازلة- التي يقع البحث فيها قولًا -أي: مقولًا- منصوصًا مصرحًا به.
والثاني: أن أهل العصر الواحد إذا اختلفوا على قولين جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث. هذا معلوم من أصول الشريعة، وأصول اللغة محمولة على أصول الشريعة. انتهى.
ومعنى ما ذكره أبو البقاء: أن الإجماع المعتد به عنده، والذي لا يجوز خرقه لا تجوز مخالفته: هو الإجماع القولي الذي لا يكتفي فيه العلماء بالسكوت؛ وإنما يكون بالقول الصريح؛ كما يفهم من كلامه أن جواز إحداث قول ثالث في مسألة ذكر العلماء فيها قولين.
وقوله: "جاز لمن بعدهم" يريد من بلغ منزلة المتقدمين ووصل إلى رتبتهم في النظر والاجتهاد؛ كأبي علي الفارسي المتوفى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة؛ فإنه قد بلغ من الاجتهاد في علوم العربية مبلغًا عظيمًا سوغ له أن يستنبط، ومن ذلك: ما جوَّزه من إدخال الألف واللام على لفظة "كل" مع منع السابقين لذلك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.