الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جوازُ تعليل حكمين بعلة واحدة
افتتح السيوطي هذه المسألة بعد العنوان بقوله: قال في (الخصائص): سواء لم يتضادا أم تضادا كقولهم: مررت بزيد
…
إلخ.
وكعادة السيوطي نراه يتصرف في النقل؛ فيورد النص بالمعنى ويتجه غالبًا إلى الإيجاز والاختصار، وعبارة ابن جني منقولة بمعناها من باب عنوانه: باب في تقاوض السماع وتقارع الانتزاع، أي: في اطِّراد السماع في شيء وتخالف الاستنباط فيه؛ قال ابن جني في هذا الباب: واعلم أن اللفظ قد يرد شيء منه فيجوز جوازًا صحيحًا أن يستدل به على أمر ما، وأن يستدل به على ضده ألبتة، وذلك نحو: مررت بزيد، ورغبت في عمرو، وعجبت من محمد، وغير ذلك من الأفعال الواصلة بحروف الجر؛ فأحد ما يدل عليه هذا الضرب من القول أن الجار معتد من جملة الفعل الواصل به؛ ألا ترى أن الباء في "مررت بزيد" معاقبة لهمزة النقل في نحو:"أمررت زيدًا" وكذلك: أخرجته وخرجت به، وأنزلته ونزلت به؛ فكما أن همزة "أفعل" مصوغة فيه كائنة من جملته؛ فكذلك ما عاقبها من حروف الجر، يعني: ينبغي أن يعتد أيضًا من جملة الفعل لمعاقبته ما هو من جملته .... فهذا وجه.
والآخر: أن يدل ذلك على أن حرف الجر جارٍ مجرى بعض ما جره؛ ألا ترى أنك تحكم لموضع الجار والمجرور بالنصب؛ فيعطف عيه فينصب لذلك؟ فتقول: مررت بزيد وعمرًا، وكذلك أيضًا لا يفصل بين الجار والمجرور؛ لكونهما في كثير من المواضع بمنزلة الجزء الواحد؛ أفلا تراك كيف تقدر اللفظ الواحد تقديرين مختلفين وكل واحد منهما مقبول في القياس متلقًّى بالبشر والإيناس؟!. انتهى.
ومجمل ما ذكره ابن جني في هذا النص: أن نحو: مررت بزيد، ونظائره مما يتعدى فيه الفعل بحرف من حروف الجر يستدل به على أن الجار والمجرور معدود من جملة الفعل؛ كما يستدل به على ضد ذلك -أي: على أنه معدود من جملة الاسم المجرور به، ووجه كونه معدودًا من جملة الفعل أنه معدٍّ للفعل؛ فهو بمنزلة همزة التعدية التي تكون مجعولة حرفًا من بنية الفعل: وهي همزة أفعل؛ فكذلك ما عاقبها -يعني: ما ناب عنها وخلفها.
ووجه كونه جاريًا مجرى بعض مجروره أمران:
أحدهما: أنه يحكم لموضع الجار والمجرور بالنصب؛ فيعطف عليهما بالنصب مراعاة لموضعهما في نحو: مررت بزيد وعمرًا؛ فعمرًا منصوب عطفًا على موضع بزيد عند ابن جني.
والآخر: أنه لا يفصل بينهما بفاصل؛ لأنهما بمنزلة الجزء الواحد.
ونحن نلاحظ أن السيوطي لم يذكر في (الاقتراح) ما أجازه ابن جني من نحو: مررت بزيدٍ وعمرًا؛ لأنه لا يجيز ما أجازه ابن جني من مثل هذا الإعراب؛ وإنما يختار مذهب المحققين في اشتراطهم في العطف على الموضع إمكان ظهور هذا الموضع في فصيح الكلام، ولا يجوز في فصيح الكلام أن يقال: مررت زيدًا، ومن هنا؛ لا يجوز العطف بالنصب عندهم ما دام المعطوف عليه لا يجوز نصبه وإسقاط الجار منه في الكلام الفصيح؛ لما فيه من تعدية القاصر بنفسه.
أما قول جرير:
تمرون الديار ولم تعوجوا
…
كلامكمو عليَّ إذًا حرامُ
فمقصور على السماع، أو ضرورة.
وابن جني لم يشترط ما اشترطه المحققون الذين يجيزون نحو: مررت بزيد وعمرًا؛ لكنهم يعربون ما بعد الواو مفعولًا به لفعل محذوف تقديره: وجزت عمرًا، مثلًا، وقد أعاد ابن جني حديث: مررت بزيد، ونحوه، في باب التقديرين المختلفين لمعنيين مختلفين في (الخصائص) وعقب عليه بقوله: فإنه مما يقبله القياس ولا يدفعه. انتهى.
وأورد السيوطي مثالًا آخر نقلًا عن (الخصائص) أيضًا فقال: وقال -أي: ابن جني- في موضع آخر: باب في أن سبب الحكم قد يكون سببًا لضده على وجه، هذا باب ظاهره التدافع -أي: التعارض- وهو -مع استغرابه- صحيح واقع؛ وذلك نحو قولهم: القود -أي: القصاص- والحوكة -والحوكة جمع حائك، من حاك الثوب يحوكه حوكًا وحياكًا وحياكة: أي نسجه.
قال السيوطي ملخِّصًا ما قال ابن جني في تصحيح الواو الواقعة عينًا لكلمة القود والحوكة ونظائرهما: فإن القاعدة في مثله الإعلال بقلب الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ لكنهم شبهوا حركة العين التابعة لها بحرف اللين -أي: بحرف الألف- التابع لها؛ فكأن فَعلًَا فَعالٌ؛ فكما صح نحو: جواب وهيام؛ صح باب القود والغيب ونحوه. انتهى.
يعني السيوطي: أن القاعدة الصرفية تقضي بقلب الواو والياء ألفين إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما؛ ولكن الكلمات التي جاءت عن العرب بتصحيح العين مما يخالف بظاهره هذه القاعدة؛ كالقود، والحوكة، والغيب، وهو جمع غائب، وكلها على وزن فعَل؛ فقد شبهوا الفتحة التي هي حركة العين في هذه الكلمات بحرف الألف؛ فعوملت معاملة ما كان وزنه فعالًا؛ كجواب، وهيام.
ومن شروط قلب الواو والياء ألفين إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما: أن يتحرك ما بعدهما إن كانتا عينين؛ ولذلك صحت العين في نحو: بيان، وطويل، وغيور؛