الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قدحوا في (العين) لم يكن قدحهم فيه سببًا يصرف الناس عن الكتاب وعن الإفادة منه.
وقد أجاب الفخر عن الإشكالات كلها بقوله: "والجواب عن الإشكالات كلها: أن اللغة والنحو والتصريف تنقسم قسمين؛ قسم منه متواتر والعلم الضروري حاصل به، أو حاصل بأنه كان في الأزمنة الماضية موضوعًا لهذه المعاني، فإنا نجد أنفسنا جازمة بأن السماء والأرض -يعني: لفظتيهما- كانتا متسعملتين في زمنه صلى الله عليه وسلم في معناهم المعروف، وكذلك الماء والهواء والنار وأمثالها. وكذلك لم يزل الفاعل مرفوعًا، والمفعول منصوبًا، والمضاف إليه مجرورًا. وقسم منه مظنون وهو الألفاظ الغريبة، والطريق إلى معرفتها الآحاد، وأكثر ألفاظ القرآن ونحوه وتصريفه من القسم الأول والثاني قليل جدًّا، فلا يتمسَّك به في القطعيات، ويتمسك به في الظنيات" انتهى.
وحاصل هذا الكلام أن الطريق إلى معرفة اللغة هو النقل بشقيه: المتواتر والآحاد، وأن القدح فيهما وإيراد الإشكالات عليهما لا يمنع من كونهما طريق معرفة اللغة.
النقلِ عن النفي
إن المراد بالنقل عن النفي هو أن يقول القائل: لم أره، أو لم أقف عليه، أو لم أجده، أو نحو ذلك من العبارات التي تدل على نفي الشيء وعدم وجوده، وذلك بخلاف قوله: لا أعرفه، أو لا أذكره، فليس في هذين القولين ونحوهما دليلٌ على نفي الشيء.
والسؤال الذي يطرحه هذا العنصر هو: هل في نفي المتكلم العلم بالشيء دليل على عدم وجود الشيء؟
لقد نقل السيوطي عن بهاء الدين بن النحاس أنه لا دليل فيه؛ فقال: "قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس في (التعليقة): النقل عن النفي فيه شيء؛ لأن حاصله أنني لم أسمع هذا، وهذا لا يدل على أنه لم يكن" انتهى قول ابن النحاس.
وقوله: "فيه شيء" أي: فيه بحث ومناقشة، وقوله:"لا يدل على أنه لم يكن" أي: أن نفي العلم لا يدل على نفي الوجود.
ولم يعلق السيوطي رحمه الله على القول الذي نقله؛ مما يرجح أنه يرى الرأي نفسه ولا يخالفه.
وتحقيق الأمر في هذه المسألة أن يُنظر في حال القائل، فإن لم يكن واسع الاطلاع غزير المعرفة؛ لم يكن في كلامه دليل على نفي الوجود، بل كان كلامه دليلًا على عدم معرفته هو، وعدم اطلاعه على ما ذُكر، ربما يكون غيره ممن اتسعت روايتهم، وكثر اطّلاعهم قد عرف ما غاب عن صاحبه. أما إذا صدر هذا القول عن إمام نحرير متتبع لكلام العرب، واسع الاطلاع؛ كان قوله بمنزلة التصريح بعدم ورود ذلك.
نظير ذلك ما قاله المحدثون في مثله، فإنهم قد صرَّحوا بأنه إذا قال الحافظ النقاد في حديث ما: لا أعرفه، فمعناه: لا أصل له. ولأبي الأسود الدؤلي كلام صريح في هذا الأمر ذكره ابن فارس: أنه بلغه عن أبي الأسود أن امرأ كلَّمه ببعض ما أنكره أبو الأسود، فسأله أبو الأسود عنه فقال: هذه لغة لم تبلغك. فقال له: يا ابن أخي إنه لا خير لك في ما لم يبلغني. فعرفه بلفطف أن الذي تكلم به مختلق، ومعنى ما ذكره أبو الأسود أن العالم المتتبع لكلام العرب إن نفى شيئًا كان نفيه دليلًا على عدم وجوده.