الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي عشر
(الإجماع)
حجيةُ إجماع النحاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
الإجماع في اللغة مصدر الفعل الرباعي أجمع، وله معنيان:
أحدهما: العزم، يقال: أجمعت على الأمر، أي: عزمت عليه عزمًا لا يلحقه توانٍ ولا نقص.
والآخر: الاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا، أي: اتفقوا عليه وتواطئوا.
ويرجع تعريف الإجماع في الاصطلاح إلى المعنى الثاني، وهو الاتفاق.
وقبل تعريف الإجماع في اصطلاح النحويين لا بد من الإشارة إلى أمرين:
أحدهما: أن هذا المصطلح مصطلح فقهي اعتمده الفقهاء أصلًا من أصول الشريعة ودليلًا من أدلتها، وقد عرفوه بأنه: اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد زمانه في عصر على حكم شرعي، ثم انتقل هذا المصطلح من الفقه إلى النحو؛ فكان الأصل الثاني من أصول النحو عند ابن جني الذي جعل أصول النحو ثلاثة كما ذكر السيوطي، وهي: السماع، والإجماع، والقياس.
والأمر الآخر: أن الإجماع إما أن يراد به إجماع النحاة؛ وإما أن يراد به إجماع العرب، والغالب أن يكون المراد به إجماع النحاة على حكم ما.
ومن هنا كان تعريف الإجماع في الاصطلاح هو: اتفاق نحاة البلدين -البصرة والكوفة- على حكم نحوي أو على أمر يتصل بالصناعة النحوية.
وقال السيوطي: المراد به: إجماع نحاة البلدين البصرة والكوفة.
وإنما قيد التعريف بنحاة البصرة والكوفة؛ لأنهم -كما قال- الجماعة التي طال بحثها وتقدم نظرها:
فالبصريون هم الذين وضعوا علم النحو وتعهدوه بالرعاية؛ فالبصرة صاحبة الفضل في وضعه وتعهده في نشأته.
والكوفيون نهضوا بهذا الفن ونافسوا في الظفر بشرفه؛ فكان منهم علماء تلاقوا مع علماء البصرة؛ فوثب هذا العلم على أيديهم جميعًا وثبة حيي بها حياة بعد.
وقد ذكر السيوطي في أول (الاقتراح) أن الإجماع هو أحد أصول النحو الثلاثة عند ابن جني وهي: السماع، والقياس، والإجماع، غير أن الإجماع لم يحظَ عند ابن جني بما حظي به السماع والقياس؛ فهما أصلان معتمدان مطلقًا؛ أما الإجماع فلا يكون حجة إلا إذا لم يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص.
ومن هنا وجدنا ابن جني يعقد في (الخصائص) بابًا عنوانه: القول على إجماع أهل العربية متى يكون حجة.
وعنه نقل السيوطي غير أنه اختصر الكلام اختصارًا غير مخلٍ، ونحن نذكر هنا كلام ابن جني كله إكمالًا للنفع وإتمامًا للفائدة:
قال رحمه الله: "اعلم أن إجماع أهل البلدين إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص".
فقوله: "إجماع أهل البلدين"، معناه: إجماع أهل البصرة والكوفة؛ لأن عليهما الاعتماد في الأحكام النحوية.
وقوله: "إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص"، معناه: أن الإجماع إذا خالف المنصوص أو المقيس عليه لم يكن حجة بل يجب تقديم النص عليه، وقد أراد ابن جني بكلامه هذا أن يفرق بين الإجماع عند النحاة والإجماع عند الفقهاء.
فالإجماع عند الفقهاء ملزم يجب قبوله ولا يجوز رده؛ بل قال بعض الفقهاء: إن الإجماع أقوى من النص؛ لأن النص قد يلحقه التغيير حين يتطرق إليه النسخ، والإجماع يسلم من أن يتطرق إليه النسخ.
ومن هنا كان إجماع المجتهدين من الفقهاء حجة، ومعنى كونه حجة: وجوب العمل به مقدمًا على باقي الأدلة.
أما إجماع النحاة؛ فلا يعد ملزمًا عند ابن جني، وقد أقره السيوطي على ذلك.
وإنما كان إجماع النحاة غير ملزم عند ابن جني لأمرين اثنين:
أحدهما: إمكان وقوع الخطأ من علماء البصرة والكوفة مجتمعين؛ فالنحاة لا يدخلون تحت قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة))؛ إذ لم يرد في قرآن ولا سنة أن علماء النحو من البصرة والكوفة لا يجتمعون على الخطأ.
والأمر الآخر: طبيعة هذا العلم؛ فعلم النحو -كما وصفه ابن جني- علم منتزع من استقراء هذه اللغة؛ فكل من فرق له عن علة صحيحة وطريقة نهجة كان خليل نفسه وأبا عمرو فكره
…
انتهى.
ومعنى ما ذكره ابن جني ونقله السيوطي: أن كل من كُشف وأُبين له عن علة صحيحة أو طريقة واضحة وتمرس في دراسة هذا العلم تمرسًا طويلًا حتى أحس في نفسه القدرة على التمكن من مسائله والإحاطة بقضاياه؛ قام في نفسه دليل قاطع يغنيه عن الخليل بن أحمد، وثبت لديه من فكره برهان ساطع يكيفه عن أبي عمرو بن العلاء؛ فمن اتصف بهذه الصفات؛ جاز له أن يخالف إجماع أهل البلدين.
ولكن هذه المخالفة مشروطة بطول البحث والتقصي والبعد عن نزوات الفكر؛ كما أنها مشروطة أيضًا بإجلال السلف؛ لأنهم القوم الذين لا نشك في أن الله
-سبحانه وتقدست أسماؤه- قد هداهم لهذا العلم الكبير وأراهم وجه الحكمة في الترجيب له والتعظيم، وجعله -ببركاتهم وعلى أيدي طاعاتهم- خادمًا للكتاب المنزل وكلام نبيه المرسل، وعونًا على فهمهما، ومعرفة ما أمر به أو نهي عنه الثقلان منهما
…
انتهى.
ونلحظ في كلام ابن جني إجلاله للسابقين من أهل العلم وتوقيره لهم، ويدل على تقديره إياهم أنه، مع إباحته مخالفتهم لمن تمرس بهذا العلم وعرف أصوله وقضاياه؛ إلا أن الأولى عنده موافقة الإجماع؛ إذ ذكر أننا -مع ذلك- لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي طال بحثها وتقدم نظرها إلا بعد إمعان وإتقان.
ومعنى كلام ابن جني: أن من كان خليل نفسه وأبا عمرو فكره لا يجوز له خرق إجماع أهل الكوفة والبصرة، والجرأة على مخالفة ما أجمع عليه الفريقان إلا بعد إمعان وإتقان.
وقد خرق ابن جني نفسه إجماع النحاة في مسألتين ذكر السيوطي إحداهما ولم يذكر الأخرى، وسنذكرها:
أما المسألة الأولى التي خرق فيها ابن جني إجماع النحاة: فالجر على الجوار في نحو قولهم: "هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ"؛ فـ"خربٍ" صفة لجحرُ؛ فكان حقه الرفع؛ لأن الأصل في الصفة أن تكون تابعة للموصوف، وقد جاء قولهم:"خربٍ" مجرورًا؛ لأنه جاور مجرورًا، وأجمع العلماء على أنه من الشاذ الذي لا يقاس عليه ولا يجوز رد غيره إليه، وعلى هذا أجمع النحويون.
وخالفهم ابن جني وذهب إلى أن "خربٍ" صفة لـ"ضبٍّ"، على أن الأصل: خربٍ جحرُه؛ فـ"خربٍ" نعت سببي لـ"ضبٍّ"؛ كما هو شأن النعت السببي.
ولم يرتضِ المتأخرون ما ذهب إليه ابن جني؛ فوصف بعضهم ما قال ابن جني بأنه مسلك ظاهر على وجهه التكلف غير محتاج لما ارتكبه ابن جني في تخريجه من التعسف.
والمسألة الثانية التي خالف ابن جني الإجماع: ما يعود عليه الضمير في قول الشاعر:
جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتم
…
جزاءَ الكلابِ العاوياتِ وقد فعل
فقد ذهب جمهور النحويين إلى أن الضمير في ربُّه عائد على متقدم، وهذا المتقدم هو المصدر الذي دل عليه قوله جزى؛ فالتقدير: جزى ربُّ الجزاءِ عني عديَّ بن حاتم، ومنع النحويون عود الضمير إلى "عديَّ"؛ حتى لا يعود الضمير على متأخر عليه في اللفظ والرتبة.
وخرق ابن جني إجماع النحاة؛ فأجاز أن يكون الضمير المتصل بالفاعل عائدًا إلى "عدي" الواقع مفعولًا به فقال: أجمعوا على أن ليس بجائز: "ضرب غلامُه زيدًا"؛ لتقدم المضمر على مظهره لفظًا ومعنى، وقالوا في قول النابغة:
جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتم
…
............................
........ البيت: إن الهاء عائدة على مذكور متقدم؛ كل ذلك لئلا يتقدم ضمير المفعول مضافًا إلى الفعل فيكون مقدمًا عليه لفظًا ومعنًى؛ وأما أنا -والكلام لابن جني- فأجيز أن تكون الهاء في قوله:
جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتم
…
............................
عائدة على "عديَّ" خلافًا على الجماعة" انتهى.
ونلحظ في كلام ابن جني أنه لا يرى بأسًا بمخالفة ما أجمع عليه النحويون؛ بل يرى مخالفة الإجماع جائزة؛ لأن للإنسان أن يرتجل من المذاهب ما يدعو إليه القياس ما لم يلوِ بنص أو ينتهك حرمة شرع.
ومراده بالإلواء بالنص: المخالفة بالنص عن جهته وقصده، وإذا كان الإجماع عند ابن جني يجوز خرقه ومخالفته؛ فإن هناك رأيًا آخر، وهو: أن إجماع النحاة حجة ولا تجوز مخالفته.
وقد سبق إلى القول بهذا الرأي أبو العباس المبرد؛ فقد ذكر في (المقتضب): أنه لا يجوز أن يقال: جاءني الغلامُ زيدٍ، بالإضافة؛ وكذلك لا يجوز: هذه الدارُ عبدِ الله، ولا: أخذتُ الثوبَ زيدٍ.
وقد بين علة امتناع ذلك بقوله: وقد أجمع النحويون على أن هذا لا يجوز، وإجماعهم حجة على من خالفه منهم، واختار المتأخرون ما ذهب إليه المبرد؛ فعدوا الإجماع أصلًا من أصول النحو المعتبرة، ولم يجيزوا خرقه أو مخالفته أو الخروج عليه؛ ولذلك قال السيوطي بعد أن نقل كلام ابن جني: وقال غيره: إجماع النحاة على الأمور اللغوية معتبر؛ خلافًا لمن تردد فيه، وخرقه ممنوع ومن ثم رد. انتهى.
فقوله: "وقال غيره" يعني به: غير ابن جني؛ للذي تقدم من أن ابن جني يجيز خرق الإجماع ومخالفته.
وقوله: "إجماع النحاة" يقصد به نحاة البصرة والكوفة؛ لأنهم هم المعنيون في باب الإجماع.
وقوله: "معتبر" أي: معمول به لا يجوز لأحد خرقه ولا عبرة بمن تردد فيه.
وقد أحسن الشاطبي رحمه الله حين قال في (المقاصد الشافية شرح الخلاصة الكافية): "ومخالفة إجماع النحويين كمخالفة إجماع الفقهاء وإجماع الأصوليين وإجماع المحدثين، وكل علم اجتمع أربابه على مسألة منه فإجماعهم حجة ومخالفهم مخطئ". انتهى.
وقد ضرب السيوطي مثلًا يُستدل به على عدم جواز خرق الإجماع؛ فنقل عن ابن الخشاب قوله: "لو قيل: إن "مَن" في الشرط لا موضع لها من الإعراب لكان قولًا؛ إجراء لها مجرى إن الشرطية، وتلك لا موضع لها من الإعراب؛ لكن مخالفة المتقدمين لا تجوز". انتهى.
ومعنى ما قاله ابن الخشاب: أن هناك من الآراء ما يكون صحيحًا مستقيمًا عند النظر؛ ولكن يحول بينه وبين قبوله ما فيه من مخالفة المتقدمين، ومن أمثلة ذلك:"مَن" الشرطية؛ فإن لها في الإعراب محلًّا، ولو أن قائلًا قال: بأن ليس لها محل من الإعراب حملًا لها على "إنْ" الشرطية لكان قوله مستقيمًا؛ فمن القواعد المقررة في علم النحو جواز حمل الشيء على الشيء إذا أشبهه في لفظه أو معناه أو فيهما معًا، وقد أشبهت "مَن" الشرطية "إنْ" الشرطية في معناها، ومع استقامة هذا القول من جهة النظر؛ فإنه لا يجوز القول به لما فيه من مخالفة المتقدمين وخرق إجماعهم، ولما كان الإجماع معتبرًا عند غير ابن جني؛ فإنهم لم يلتفتوا لمن خالف ذلك منهم؛ بل رد المتأخرون كل ما فيه خرق لإجماع النحويين، والأمثلة على هذا الرد كثيرة نجتزئ منها بأربعة أمثلة تكشف لنا عن عناية المتأخرين بالإجماع وعده أصلًا من الأصول المعتبرة التي يعول عليها وردهم قول من خرقه أو خالفه.
ونلحظ في الأمثلة الآتية أنها تختلف عن المثال الذي ذكره ابن الخشاب في (المرتجل) ونقله عنه السيوطي في (الاقتراح)؛ لأن ما ذكره ابن الخشاب لم يقل به أحد من النحويين؛ وإنما افترضه افتراضًا؛ ليدل به على وجوب احترام ما أجمع عليه النحويون.
أما الأمثلة الآتية؛ فقد وقع فيها بالفعل خرق لإجماع النحويين:
المثال الأول: انقسام الكلمة إلى اسم وفعل وحرف:
أجمع العلماء على انحصار أقسام الكلمة في هذه الأقسام الثلاثة: وهي الاسم، والفعل، والحرف، وزاد أبو جعفر بن صابر قسمًا رابعًا سماه: الخالفة -وهو اسم الفعل- ولا عبرة بقوله ولا اعتداد بخلافه؛ لما فيه من خرق إجماع النحويين؛ ولذا قال السيوطي في (الأشباه والنظائر): أجمعوا -إلا من لا يعتد بخلافه- على انحصار أقسام الكلمة في ثلاثة: الاسم، والفعل، والحرف. انتهى.
والمثال الثاني: النداء بالهمزة و"يا":
ذهب جمهور النحويين إلى أن الهمزة: حرف موضوع لنداء القريب مسافة أو حكمًا، وأن "يا": حرف موضوع لنداء البعيد وإن كان يمكن أن ينادى به القريب لكثرة استعماله، ونقل ابن الخباز -المتوفى سنة سبع وثلاثين وستمائة من الهجرة- عن شيخه عمر بن أحمد بن أبي بكر -المتوفى سنة ثلاث عشرة وستمائة من الهجرة- أن الهمزة لنداء المتوسط وأن "يا" لنداء القريب.
وهذا المنقول فيه خرق لإجماع النحويين من وجهين:
الأول: دعوى أن الهمزة للمتوسط؛ وإنما هي عندهم لنداء القريب فقط.
والثاني: كون القريب لم يوضع لندائه غير "يا".
والمثال الثالث: الإخبار بالزمان عن الذات:
أجمع النحويون على أنه لا يجوز أن يكون ظرف الزمان خبرًا عن الذات؛ بل يجوز أن يكون خبرًا عن الحدث؛ فيجوز أن تقول: القيامُ يومَ الجمعة، ولا يجوز: زيدٌ يومَ الجمعة، ولم يخالف في ذلك إلا ابن الطراوة.
والمثال الرابع: المخالفة بين عطف البيان ومتبوعه: