الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب التاسع الفعل المتعدي إلى مفعول هل له عموم
بالنسبة إلى مفعولاته أو لا
؟
المسألة مفروضة فيما إذا كان الفعل متعديا، ولم يذكر مفعوله،
ووقع الفعل في سياق النفي كقوله: " والله لا آكل "، أو وقع في
سياق الشرط كقوله: " إن أكلت فأنتِ طالق "، فهل يكون هذا
عاما في جميع المأكولات أو لا؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يكون عاماً في جميع المأكولات، وإذا كان
كذلك فإنه يقبل التخصيص؛ حيث إنه: إن نوى المتكلم مأكولاً
معيناً، فإنه لا يحنث بأكل غيره.
وهذا مذهب جمهور العلماء وهو الحق، للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الفعل من باب النكرة، والنكرة إذا وقعت في
سياق النفي فإنها تعم، كذلك الفعل إذا وقع في سياق الشرط فإنه
يعم، وقد سبق أنهما - أي: أن النكرة في سياق النفي،
والشروط - من صيغ العموم، إذن الفعل في سياق النفي، والشرط
عام، ومتى ثبت عمومه فإنه يقبل التخصيص.
الدليل الثاني: أن الفعل المنفي في قوله: " والله لا آكل " يقصد
منه نفي الماهية، والماهية - كما قلنا سابقاً - لا تنتفي إلا بانتفاء
جميع أفرادها، حيث إنه لو بقي فرد لتحققت الماهية فيه، فيكون
اللفظ - على هذا - عام، والعام يقبل التخصيص.
المذهب الثاني: أنه لا يكون عاما في جميع المأكولات، وإذا كان
كذلك فإنه لا يقبل التخصيص، وهو مذهب كثير من الحنفية.
دليل هذا المذهب:
قياس الفعل المتعدي في مفعوله على الزمان والمكان، بيان ذلك:
أنه لو عم الفعل المتعدي في مفعوله: للزم من ذلك: أن يعم
كذلك في الزمان والمكان؛ قياساً على ذلك، والجامع: أن كلًّا من
هذه الأمور يعتبر لازماً من لوازم الفعل، فالفعل المتعدي لا يتحقق
إلا بمفعول، وهو كذلك لا يتحقق إلا في زمان ومكان، لكن الفعل
المتعدىِ لا يعم بالنسبة للزمان، ولا المكان، فلذلك لا يقبل
التخصيص فيها، فكذلك ما نحن فيه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ عدم عموم الفعل في الزمان والمكان؛
بل هو عام فيهما، وإذا كان كذلك فإنه يقبل التخصيص، فمن قال
لزوجته: " إن كلمت زيداً فأنت طالق "، ثم قال: " قصدت
التكليم شهراً "، فإنه يقبل منه ذلك، ونقل هذا عن الإمام الشافعي
وهذا صريح في عموم الزمان وقبوله التخصيص، والمكان مثله.
الجواب الثاني: أن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق،
ووجه الفرق: أن ذكر الفعل المتعدي يعتبر ذكراً للمفعول به، فكأنه
موجود في اللفظ، فإذا قال:" والله لا آكل "، فإن الأكل قد ذكر
في اللفظ، فيوصف بالعموم، ويرد عليه التخصيص، أما ذكر
الفعل فلا يعتبر ذكراً لزمانه ولا لمكانه، فلا يكون كل منهما مذكوراً
في اللفظ، فلا يوصفان بالعموم، ولذا لا يقبل التخصيص.
-
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، قد أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
1 -
لو قال: " والله لا أضرب " ونوى الضرب بالعصا مثلاً،
فإنه لا يحنث بالضرب بالسوط أو غيره؛ لأن كلامه عام وخصصه
بالنية، وهذا بناء على المذهب الأول.
أما بناء على المذهب الثاني، فإنه يحنث بالضرب بأي آلة؛ لأن
كلامه لا يعم؛ لذلك لا تقبل التخصيص.
2 -
لو قال: " إن أكلت فأنت طالق "، ونوى أكلاً معينا
كالتفاح، فإنها لا تطلق إذا أكلت البرتقال، أو غير التفاح؛ لأن
كلامه عام، وخصصه بالنية؛ لأن العام يقبل التخصيص، هذا بناء
على المذهب الأول.
أما على المذهب الثاني: فإنها تطلق باكل أي أكل؛ لأن كلامه لا
يعم، لذلك لا يقبل التخصيص.